الانتخابات البرلمانية في تركيا 2015

أكبر هزيمة سياسية لإردوغان رغم فوز حزبه الكاسح!

هل بات إردوغان أمام خيار حكومة ائتلافية أم حكومة أقلية أم انتخابات جديدة؟ لقد فقد حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة الأغلبية المطلقة. وكذلك وصل حزب جديد إلى قبة البرلمان التركي. فماذا يعني ذلك بالنسبة لمستقبل تركيا؟ الصحفي والمحلل السياسي الألماني ميشائيل مارتينس يجيب من إسطنبول على هذا التساؤل في تحليله التالي.

"حزب العدالة والتنمية" المعتاد على الفوز فاز مؤخرًا في الانتخابات البرلمانية ولكنه مع ذلك خرج منها خاسرًا. صحيح أنَّ حزب العدالة والتنمية أصبح الآن من جديد أقوى قوة في الانتخابات البرلمانية التركية التي تم إجراؤها يوم الأحد 07 / 06 / 2015 - مثلما كان دائمًا في كلِّ اقتراع شارك فيه من دون استثناء منذ تأسيسه في عام 2001. وحتى أنَّه حصل الآن على عدد أكبر بكثير من الأصوات التي حصل عليها في أوَّل انتخابات برلمانية خاضها في عام 2002، وذلك حينما صوَّت في تلك الأيَّام 34 في المائة من الناخبين لصالح هذا الحزب الجديد.

ولكن مع ذلك ففي حين أنَّ ثلث أصوات المقترعين فقط كان كافيًا في عام 2002 من أجل الحصول على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة في أنقرة، وذلك بعدما لم يتمكَّن حينها باستثناء حزب العدالة والتنمية سوى "حزب الشعب الجمهوري" فقط من تجاوز حاجز العشرة في المائة من أجل دخول البرلمان، فقد أصبح الوضع الآن في انتخابات 2015 مختلفًا.

لقد تغيَّر المشهد السياسي التركي بشكل جذري، لأنَّ المجازفة التي أقدم عليها "حزب الشعوب الديمقراطي" HDP ذو التوجهات اليسارية (وحتى اليسارية الراديكالية في بعض الأحيان) قد أتت أكلها. فهذا الحزب المدعوم من قبل الأكراد ومن قبل بعض اليساريين الأتراك وكذلك من قبل معارضي حزب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان - الذين صوَّتوا بشكل تكتيكي - قد تجاوز حاجز العشرة في المائة، وتمكَّن بذلك من دخول البرلمان التركي كرابع حزب في هذه الانتخابات.

وهذا يكلفُ حزبَ العدالة والتنمية - الذي حصل يوم الأحد 07 / 06 / 2015 على نحو ثلاثة وأربعين في المائة من أصوات الناخبين وحافظ بذلك من دون عناء وشقاء على مكانته باعتباره القوة السياسية الأكثر شعبية في تركيا - خسارةَ الأغلبية المطلقة من مقاعد البرلمان التركي وبالتالي خسارته الاستفراد بالسلطة.

AKP-Anhänger nach dem Bekanntwerden der Wahlergebnisse in Ankara; Foto: Reuters/U. Bekta
حزب العدالة والتنمية فاز مؤخرًا في الانتخابات البرلمانية ولكنه مع ذلك خرج منها خاسرًا - بحسب تعليق ميشائيل مارتينس على نتيجة الانتخابات البرلمانية التركية بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، الذي حصل على 43 في المائة من الأصوات وخسر بالتالي الأغلبية المطلقة. والآن بات يتعيَّن على حزب إردوغان أن يجد شريكًا ائتلافيًا مناسبًا بقدر الإمكان.

من هم شركاء إردوغان المحتملون؟

عندما سيتم الآن تكليف رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بتشكيل الحكومة، فسيتعيَّن عليه تحديدًا فعل شيء لم يكن حزب العدالة والتنمية معتادًا عليه: إذ سيضطر إلى البحث عن شريك ائتلافي أو على الأقل إلى جعل عدد كافٍ من نوَّاب الأحزاب الأخرى يدعمون حكومة أقلية يشكلها حزب العدالة والتنمية. وفي حال عدم نجاحه في كلا الأمرين، فعندئذ ستكون هناك انتخابات جديدة. ولكن مع ذلك من هم شركاء إردوغان المحتملون؟

يرى العديد من المراقبين أنَّ "حزب الحركة القومية" MHP بزعامة دولت بهتشلي، الذي كان مشاركًا في حكومة ائتلافية غير ناجحة في أنقرة قبل صعود حزب العدالة والتنمية، هو الشريك "الأكثر احتمالاً" في حكومة ائتلافية مع حزب العدالة والتنمية. ما من شكّ في أنَّ دولت بهتشلي لم يقم بمدِّ البساط الأحمر خلال الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية. إذ إنَّ هذا الزعيم القومي كان ينتقد بشدة الحزب الحاكم بزعامة رجب طيب إردوغان، بيد أنَّه كان يعارض في المقام الأوَّل إجراء أية مفاوضات مع الأكراد.

وكذلك لا يمكن تقريبًا التفكير بحقوق الأقليات وبالحكم اللامركزي في تركيا مع حزب الحركة القومية - إلاَّ إذا كان هذا الحزب مستعدًا مقابل مشاركته في السلطة لخيانة مبادئه الشوفينية، وهذه لن تكون المرَّة الأولى التي يفعل فيها شيئًا كهذا. ففي آخر المطاف كان حزب الحركة القومية في أواخر التسعينيات طرفًا من الائتلاف الذي ألغى عقوبة الإعدام، وقد أنقذ بالتالي حياة الزعيم الكردي المسجون في تركيا عبد الله أوجلان. وعلى هذه الخطوة لم يسامحه حتى يومنا هذا الكثيرون من ناخبيه، وذلك لأنَّهم كانوا (ولا يزالون) يريدون رؤية أوجلان معلقًا على حبل المشنقة.

مَنْ هو الحزب الذي من الممكن أن يقدِّم نفسه كشريك لحكومة يترأسها للمرَّة الثانية أحمد داود أوغلو؟ في الواقع لا يستطيع صلاح الدين دميرتاش، رئيس حزب الشعوب الديمقراطي، تشكيل ائتلاف مع حزب العدالة والتنمية - كما أنَّه لا يستطيع فعل ذلك على أية حال حينما يُصرُّ حزب إردوغان على تحويل نظام الحكم في تركيا إلى نظام رئاسي من خلال إجراء تعديل دستوري.

فقد وعد صلاح الدين دميرتاش الناخبين عدة مرَّات خلال الحملة الانتخابية بأنَّ حزبه لن يوافق مهما كانت الظروف على التعديلات التي يسعى إليها إردوغان. ولذلك فإنَّ ابتعاد صلاح الدين دميرتاش عن موقفه هذا سوف يكون بمثابة الانتحار السياسي بالنسبة له ولحزبه - حزب الشعوب الديمقراطي.

Oppositionsführer Selahattin Demirtaş von der HDP bei einer Pressekonferenz am Wahltag; Foto: Getty Images/AFP/O. Kose
تحقيق حسابات سياسية - تمكَّن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيِّد للأكراد من تجاوز حاجز العشرة في المائة، ومنع من خلال دخوله إلى البرلمان التركي حصول حزب العدالة والتنمية على الأغلبية التي تُمكِّنه من تعديل الدستور. وبالتالي على الأرجح أنَّ إدخال نظام الحكم الرئاسي إلى تركيا أصبح أمرًا بعيد المنال.

وبالتالي فسيبقى الاحتمال الثالث بالنسبة لأحمد داود أوغلو "حزب الشعب الجمهوري" CHP، الذي مُنِيَ في عهد رئيسه كمال كليتشدار أوغلو بهزيمة تلو الأخرى في الانتخابات وقد بقي مرة أخرى في انتخابات الأحد دون مستوى توقعاته. ولكن في الواقع إنَّ تصوُّر التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري يتطلب أيضًا خيالاً واسعًا للغاية - على الأقل في تركيبة كوادره الحالية.

من المؤكَّد على أية حال أنَّ رجب طيب إردوغان قد مُنِيَ يوم الأحد بأكبر هزيمة سياسية في مسيرته السياسية، على الرغم من أنَّ حزبه - حزب العدالة والتنمية - قد فاز في تلك الانتخابات. في أوروبا ربما يكون كلُّ سياسي في غاية السعادة نتيجة حصول حزبه على نسبة أربعين ونَيِّفٍ في المائة، بيد أنَّ إردوغان لم يُضيِّع فقط غايته الهادفة بشدة إلى تحقيق الأغلبية التي تُمكِّنه من تعديل الدستور، بل إنَّ "حزبه" - حزب العدالة والتنمية - تحوَّل حتى إلى حزب عادي، بات بحاجة الآن إلى شركاء من أجل التمكُّن من الحكم. وفي الأسابيع القادمة سيظهر كيف ستؤثِّر هذه النكسة على مطالبة إردوغان الواضحة بحقه في قيادة حزب العدالة والتنمية.

فمنذ فترة طويلة توجد داخل حزب العدالة والتنمية تذمُّرات، كانت تتم فقط تغطيتها بالنجاح الذي حققه هذا الحزب في السابق. ولذلك من الممكن الآن أن يظهر مرة أخرى الرئيس التركي السابق عبد الله غول، الذي تم دفعه من قبل إردوغان وبقسوة وبرودة أعصاب إلى الهامش السياسي.

ومن الممكن حينها أن ينضم إلى عبد الله غول نائبُ رئيس الوزراء التركي السابق بولِنت أرينتش، الذي يعدُّ أحد مؤسِّسي حزب العدالة والتنمية، وكثيرًا ما دخل مؤخرًا في مواجهات مع إردوغان. وبالإضافة إلى ذلك من الممكن أن يرفع غيره من المتذمِّرين الآخرين أصواتهم. وعلى أية حال من المؤكَّد أنَّ الناخب في تركيا قد بعث الحياة في هذه التطوُّرات.

 

ميشائيل مارتينس

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ/ موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.