تخويف من حراك الجماهير نحو التغيير

واليوم، فإن نظام البشير سيتبع، على الأغلب، نفس السياسة لضرب هذه الانتفاضة الشعبية. وربما ينتهج النظام "الحل" السوري الدموي لسحق إرادة الشعب السوداني. البشير زار مؤخرا الأسد مباركا إياه سحق الثورة في سوريا. الاثنين نجحا في تدمير وتقسيم الوطن وهدر شعبيهما حفاظا على البقاء في السلطة. لا غرابة في هذا اللقاء روسي التنظيم.

لكن البشير عاد إلى السودان ليواجه هبّة جماهيرية كبيرة تنبؤ بثورة شعبية قد تطيح به. ذهب ليكسر عزلة نظام الأسد فعاد للسودان ليجد نفسه معزولا داخليا إلى جانب عزلته الإقليمية والدولية. فجماعة الإخوان المتحالفة معه تحاول القفز من السفينة والقفز على الأحداث. والجيش، الذي أتى من صلبه، نراه متوخٍ للحذر في التعامل مع الشارع.

الأسد في حربه بالوكالة جعل من الثورة مصطلحا مرادفا للإرهاب. لقد قدم أكبر خدمة للأنظمة العربية الفاشلة. فبعد إسقاط جدار الخوف من الأنظمة سنة 2011، بنى الأسد جدارا جديدا هو جدار الخوف من الارهاب.

نظام الأسد شوّه الثورة السورية ودفع بها نحو التسليح ليجهضها. لعب النظام السوري لعبة قذرة لقي من ورائها كل الدعم على أساس أنه مقاوم للإرهاب. وصارت الثورة مرادفة للإرهاب وتفتيت الأوطان. أضف إلى ذلك، دول الخليج التي ساهمت في تشويه واخفاق ثورات الشعوب أيضا إذ ليس من صالحها نجاح أي ثورة في المنطقة. وهذا ما نراه اليوم من قطر التي تقدم المساعدة لنظام البشير. ومن إعلام الجزيرة الذي يروج لـ"مشروع" المستنجد به زعيم حزب الأمة، الصادق المهدي.

إعادة إنتاج الخوف لدى شعوبنا لتستكين بذلك الأهواء الثورية في المنطقة هو ما تعمل عليه الأنظمة منذ قيام الثورة في سوريا. إعادة إحكام القبضة على نفَس وصوت الشعوب هو هدف حكامنا فهدفهم ليس خدمة الشعوب. لكن السودان اليوم ينتفض ضد هذه القبضة دون الخوف من الثورة رافضا المواصلة في التكيُّف مع نظام هدَر شعبه وامتهن كرامته مدّة ثلاثين سنة.

ما يجب تحقيقه في السودان هو تأسيس ائتلاف تقدمي كبير يسير بهذه الهبّة الجماهرية إلى الأمام. ائتلاف يقف بقوة أمام كل أطراف الثورة المضادة، النظام القديم والأصوليون الإسلاميين، اللذان عبثا بنا وبثوراتنا منذ قيام شعوبنا منذ ثمانية سنوات. ائتلاف يرسم خطة طويلة الأمد يضع فيها موارد السودان وثرواته في خدمة السودانيين.

 

"على كل القوى اليسارية في منطقتنا أن تقف مع الشعوب المقهورة"

وحين نتحدث عن ائتلاف مدني تقدمي كبير في السودان يجب التأكيد على أهمية دور الحزب الشيوعي السوداني في تحقيق ذلك. فهو من الأحزاب الرئيسية في المشهد السياسي السوداني لعقود طويلة. الحزب الشيوعي السوداني لم يلد من رحم الاتحاد السوفياتي فكان مستقلا عنه وناقدا له منذ التأسيس سنة 1946 على خلاف بقية الأحزاب الشيوعية في المنطقة.

وقد أكد كمال الجزولي، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني السابق، المساند لإرادة شعوب منطقتنا منذ 2011، على أن الحزب له صياغة متجددة لنظرية الثورة وأنه تميّز عن بقية الأحزاب الشيوعية في المنطقة. وقال أن أحزاب المنطقة لم تكن مهيأة ذاتيا ليكون لها دور فعال في الثورات. وتساءل: "كيف نتحدث عن الثورة ونحن لم نحسم موقفنا من الديمقراطية؟ فالقضية الأساسية في العالم العربي هي الديمقراطية وعلى كل حزب شيوعي في المنطقة تحديد موقفة من الديمقراطية."

وقد تفرّد الحزب الشيوعي السوداني على التأكيد على إرساء ديمقراطية تعددية ليبرالية. وقال الجزولي: "انطبع تاريخ الحزب وتطوره تماما بالنضال من أجل الحريات والحقوق، وهذا ما فهمناه من الديمقراطية." وأكد أن مشروع الحزب بعيد كل البعد عن أنظمة الحزب الشيوعي الواحد في الاتحاد السوفياتي والصين وإلى حد كبير في كوبا. الحزب الشيوعي السوداني لم يخذل الشعب السوداني سنة 1964، وسنة 1985 و خلال احتجاجات سنة 2012 فلن يخذله اليوم، هو الثابت على مبادئه. وقد أدلى الحزب بدعمه الكامل لهذا الانتفاض الشعبي، الذي قد يطيح بعمر البشير والتحم بالجماهير في الشارع مطالبا بأسقاط النظام.

كامل دول المنطقة تعاني من الهدر اليومي من قبل الأنظمة الحاكمة. هو هدر نفسي واجتماعي ومعرفي واقتصادي يصل حد الهدر الوجودي في الحياة اليومية آل بالشعوب إلى الخروج للشارع. على كل القوى اليسارية في منطقتنا أن تقف مع الشعوب وعليها أن تعيد النظر في مبادئها وأهدافها وتتحد فعليا على الأرض لا على المستوى الشعاراتي لتحقيق التغيير الذي لن يتحقق إلا في ظل الديمقراطية. إرساء مشروع موحد ديمقراطي لليسار ضرورة ملحة جدا.

وإذا ما نجح اليوم الشعب السوداني في تحقيق التغيير، فإن سياسة التخويف من الثورات ستفقد تأثيرها على شعوبنا وستتواصل السيرورة الثورية التي بدأت في تونس فكل محركات الثورة مازالت قائمة.

نحن لسنا استثناءً، نحن كما بقية شعوب العالم التي لم تتكيف مع الاستبداد وحققت تغييرا جذريا في السلطة والمجتمع.

 

أنهي هذا المقال بكلمات توجه بها جبران خليل جبران لمي زيادة:

 

"ولكن في قلب كل شتاء ربيع يختلج،

ووراء نقابِ كل ليلٍ صباحٌ يبتسم.

وها قد تحوّل قنوطي إلى شكل من الأمل."

 

نعم قدرنا أن نربّي الأمل كما قال محمود درويش.

 

هدى شقراني

حقوق النشر: قنطرة 2018

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : السودان: ثلاثون سنة من التكيّف مع البشير تكفي!

البشير والسودان ومستنقع الدكتاتورية
السودان فى طريقها لرابعة وللبشير الضوء الاخضر من ابليس
منقول عن كتاب

Ahmed Saleh08.01.2019 | 15:44 Uhr