إهانة اللاجئين

بوسع المؤمنين بنظرية المؤامرة إضحاك المرء، عندما يكون قد شرب زجاجتين من النبيذ. ولكن في حالة اللاسُكْر والتمتع بكامل القوى العقلية، فإن هؤلاء المؤمنين يبدون كأنهم مغفلون، يبحثون -بشكل هستيري- عن كل الطرق لتحميل اليهود مسؤولية كل مصيبة. وحتى عندما تتبنى القاعدة بشكل رسمي هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 الإرهابية، فإنهم يستمرون بتحميل اليهود مسؤولية الهجمات. ينتهي المطاف بتسعة أعشار نظريات المؤامرة، ومنذ صدور تزوير "بروتوكولات حكماء صهيون" المعادية للسامية، إلى تأويلات معادية للسامية. مثلاً الآن يكتشف الكاتب الألماني، راينهارد يرغل، أن هؤلاء اللاجئين المساكين جزء من المؤامرة العالمية، التي يقودها ليس بوتين ولا الأسد، بل الولايات المتحدة الأمريكية. بحسب زعمه، تهدف الولايات المتحدة الأمريكية من وراء هذه المؤامرة إلى لَبْرَلَة (تخفيف وإلغاء القيود والضوابط الحكومية والرقابة) أوروبا أكثرَ وتهديمها سياسياً واقتصادياً. وبحسب راينهارد يرغل، فإن الألمان، " الأبرياء في الداخل"، هم في قبضة الولايات المتحدة الأمريكية. ( والذي قلد فيه عنوان سلسلة من مقالات الكاتب الأمريكي مارك توين نشرها عام 1869 بعنوان الأبرياء في الخارج ساخراً من وصف رحالة امريكيين الى عدة بلدان بما فيها الشرق الأوسط. وهنا يقصد الكاتب الألماني بتعبير الأبرياء في الداخل ان الألمان اغبياء يستغلهم كل من يريد)  وردت هذه الفكرة المبهمة في مقال راينهارد في مقالة له بعنوان، الأبرياء في الداخل"، في عدد الشتاء من عام 2016 من المجلة ربع السنوية "تومولت".

اللغة، التي يستخدمها، ومحتوى كلامه يذكرانني بخطابات سبيعينيات القرن العشرين، التي كان يلقيها المؤدلَجون بالفكر المتطرف اليميني من الألمان، الذين طُردوا من بولندا وتشيكوسلوفاكيا بعد الحرب العالمية الثانية. هل يريد راينهارد يرغل بذلك حل مشاكل عام 2016!  هنا يتعدى الأمر الإسلاموفوبيا. إنها غطرسة خطيرة تجاه الألمان، الذين يَبْدون مغفلين في مقاله، وهي غطرسة تجاه معاناة الملايين من الفارين من زخ القنابل ويحتاجون للمساعدة. إذا كانت هذه مؤامرة أمريكية ضد ألمانيا وأوروبا، فإن هذا الأمر بالنسبة لي وبوضوح معادٍ للسامية. وأعتقد أن راينهارد يرغل وأودو أولفكوتي، أحد أنصار حركة "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب"(بيغيدا)، يستبطنون معاداة السامية. يقدم لنا أولفكوتي في كتابه، الـمُعَنْوَن "الحرب المقدسة في أوروبا"، صورة لخياله الجامح ولأحلام يقظته المريضة عن "خطة سرية لتسلل المسلمين إلى الدول غير المسلمة". لا شيء غير قوى ظلامية تآمرت على تدمير ألمانيا. وهذه هي النسخة الحديثة من "بروتوكولات حكماء صهيون" المُختَلَقة. واليوم يجري تحوير البروتوكلات على المسلمين. هل يحتاج المرء إلى المزيد ليفهم مرامي هؤلاء السادة؟

الفليسلوف الألماني سلوتردايك يعادي استقبال اللاجئين ويرى أن ازديادهم يضعف أوروبا. وهو  يفضّل "الحديث عن الإسلام، مثل أي مستشرق صغير أو مبتدئ، ويؤكد افي أكثر من مناسبة أن الإسلام عاجز عن أن يكون مجتمعاً، ويرى أنه مع الإسلام لا يمكن بناء مجتمع مدني".
الفليسلوف الألماني سلوتردايك يعادي استقبال اللاجئين ويرى أن ازديادهم يضعف أوروبا. وهو يفضّل "الحديث عن الإسلام، مثل أي مستشرق صغير أو مبتدئ، ويؤكد افي أكثر من مناسبة أن الإسلام عاجز عن أن يكون مجتمعاً، ويرى أنه مع الإسلام لا يمكن بناء مجتمع مدني".

بيتر سلوتردايك يريد إصلاح الإسلام

هذا العنوان الفرعي، بالطبع، للسخرية؛ فالسيد سلوتردايك لا يستطيع إصلاح نفسه. سلوتردايك، يساري متقاعد، ونصير متقاعد لـ هاجوان شرَي راجنيش(أوشو) [1931-1991: أستاذ للفلسفة ومتصوف هندي وأبو الحركة الراجنيشية]، وداعٍ متقاعد للاصطفاء البشري (قواعد تنظيم الحديقة البشرية)، واقتصادي نيوليبرالي متقاعد، والآن ولفترة محدودة خبير بالشؤون الإسلامية، لأنها موضة هذه الأيام لكل مفكر متقاعد ليصبح بين ليلة وضحاها خبير إسلام. يقول سلوتردايك إن "الإسلام لا يتوافق مع الدولة الحديثة ولا مع المجتمع الحديث". من يتفوَّه بمثل هذا الكلام، فإنه لا يعرف أي شيء عن التاريخ ولا يأبه به. إنه الجهل بعينه. فالإسلام هو نفسه من أبدع واحدة من أجمل الحضارات. أسباب أزمة الإسلام متشعبة، وأوروبا أحد هذه الأسباب. وبدلاً من أن يقوم السيد سلوتردايك بالتحليل، يوزع بكرم كلماته الجوفاء الطنانة من جديد. ألم يُثِر التاريخ والبحث العلمي اهتمام (هذا الرجل) المحرض على كراهية الأجانب؟ الجواب: لا، لأن الاستعارات المجازية الجوفاء في متناول اليد وأسهل من البحث العلمي. يقول هيرفريد مونكلر، البرفيسور بتاريخ النظرية السياسية وتاريخ الفكر: "رقص الاستعارات، التي يستخدمها هذا النوع من المثقفين، تعمل، قبل أي شيء، كـمانع لعملية التعلم. لجأ سلوتردايك إلى كل أنواع الصور البلاغية، ليوفر على نفسه عناء البحث العلمي المناسب. وبهذا الطريقة، يستطيع سلوتردايك الحديث عن أي شيء، دون أدنى معرفة بتفاصيل الأمور".
إِلامَ تعود أسباب هذا الانحدار العميق لقادة الرأي السابقين؟ يجيب هيرفريد مونكلر على هذا التساؤل بنفس المقال في جريدة "دي تسايت" بعددها الصادر في 12 آذار/ مارس 2016: "في الفترة التي كانت ألمانيا الاتحادية فيها لاعباً ثانوياً وبلا قدرة على الفعل السياسي  في أوروبا والعالم، صعد مثل هذا النوع من المثقفين الى الواجهة الإعلامية ليتفلسف كما يشاء دون مسؤولية...غير أن الأمر تغير عندما أصبحت ألمانيا أحد اللاعبين المركزيّين في السياسة الأوروبية".

يُشْغِل أولئك المثقفون المتقدمون بالسن أنفسهم – وبشكل كثيف ايضاً كعلماء اللاهوت – بالبحث  عن نقاط ضعف الإسلام. فهم يعرضون باجتهاد صفات الإسلام التي تَحُول دون نجاحه في الدخول إلى أوروبا. لماذا يتوجب على الإسلام أن يكيّف نفسه مع أوروبا؟ هذه الهجمات على الإسلام من خارجه تقطر غطرسةً، ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى مقاومتها من المسلمين. هذه الغطرسة مصحوبة بالإهانة – والتي يُسمح بها ضد الإسلام في كل أنحاء أوروبا- لا تؤدي بالتأكيد إلى إصلاح الإسلام. المجتمعات والجماعات الدينية لا يمكن إصلاحها بالهجوم عليها من الخارج، بل يؤدي ذلك إلى تقوقعها وانكماشها على نفسها. لا بد  إذَنْ أن يأتي الإصلاح من الداخل، وكان الإصلاح ولا يزال وسيبقى يتطلب في أي مجتمع تضحيات كبيرة، كما هو الحال في كل المجتمعات. ما بوسعنا عمله هو دعم القوى الليبرالية والتحلي بالصبر.

الصينيون قادمون!

لا أرغب بإثارة خوف أي أنسان، ولكني أرى أن النقطة التالية ذات صلة بموضوعنا، وهي تنبيه القراء إلى أن كوكبنا –  الأرض –  وبسبب تصرفات الإنسان العبثية، يقترب من نهايته. أعرف، أعرف، أني لا أقول شيئاً جديداً. هذا يعرفه الكثير من العلماء ويدركه الكثير من الناس، الذين يفكرون بمنطق.

إحدى السلوكيات العبثية للإنسان هي أنه لا شيء يشبع نهمه في هذا العالم أكثر من السلطة والمال. فليس هناك خنزير يفكر  -  ولو لثانية واحدة فقط -  في تدمير بيئته والمقومات الأساسية لحياته، من أجل أن يمتلك 70 خنزيراً نصف الكرة الأرضية. ولكن سبعين رجلاً يمتلكون نصف الكرة الأرضية. إن البشر من الغباء، بحيث أنهم لا يسألون أنفسهم ماذا سيرث أحفادهم وأحفاد أحفادهم: خردة، ونفايات وغابات مدمرة، وحقول يباب، وأمراضاً وحروباً، لا يمكن لأي أحد النجاة منها.

ما أقوله ليس من باب الدعاية، ولكنه مقدمة لرؤيتي لسيناريو الرعب القادم بسبب الكوارث البيئية والطبيعية، مع العلم أن السيناريو قد بدأ بالفعل وأخذ طريقه إلى حيز الوجود. وأظن أن الانفجار الأول الكبير سيحدث في الصين. لقد كتبت عن هذا الأمر منذ أكثر من عقد من الزمن. في الصين، يحرص القائمون السلطة السياسية والاقتصادية على أن تكلف عملية الإنتاج القليل جداً، وهذا لا يحدث إلا عندما لا يتم مراعاة الطبيعة ولا بأي شكل طفيف.

وبناء على ما سبق سيكون اللاجئون القادمون لاجئين بيئيين، وربما تكون غالبيتهم صينيين. عندئذ ماذا سيكتب السيد سلوتردايك على كمبيوتره المحمول المصنوع في الصين، والذي لولا الصفر العربي لما كان من الممكن اختراع هذا الحاسوب؟ هل سيكتب ويقول أن البوذية والطاوية ليستا مناسبتين ولا تصلحان للمجتمع الحديث، وأن الصينيين سيشكلون مع عصابات الجريمة المنظمة المافيوزية مجتمعاً موازياً للمجتمع الألماني، وهذه المجتمع سيجبر السادة المثقفين على دفع الإتاوات؟ ماذا سيقول، عندها، الكاتب الألماني، روديغر سافرانسكي؟ هل سيقول أن الصينيين لا يعرفون كيف يجب عليهم العيش مع المسيحيين، وأنهم يلاحقون الشقراوات، وأنهم يطاردون الكلاب، لأنهم يحبون الكلاب...في طنجرة الطبخ؟

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة