الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي - سياسة الجنون؟

اقتراب ساعة تغيير "نظام الملالي" في إيران؟

يبدو أن السياسة الدولية وقوى "الشفاء الذاتي" في نظام الحكم الأمريكي غير قادرة على منع حرب أمريكية محتملة على إيران. وعلى أبعد تقدير من الممكن للمجتمع المدني في كل من إيران وإسرائيل منع هذه الحرب، مثلما يرى المحلل السياسي الألماني شتيفان بوخن في تعليقه التالي لموقع قنطرة.

بات الاندفاع الأمريكي نحو الحرب واضحًا. من الواضح أنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكية تنتظر بحماس إشعال حرب جديدة أكبر في منطقة الشرق الأوسط، وكأنَّما لا يوجد هناك ما يكفي من الحروب.

لقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتِّفاق النووي مع إيران وأمر بإعادة فرض عقوبات اقتصادية شديدة على العدو اللدود، جمهورية إيران الإسلامية. وعندما انتهى من إعلانه، كان بإمكان الجميع أن يشاهدوا كيف استقبله عند باب القاعة مستشارُه ​​الجديد للأمني القومي، جون بولتون.

وجون بولتون هذا، الذي يُعَدُّ الآن واحدًا من أقوى الرجال في الإدارة الأمريكية، ظهر في شهر تموز/يوليو 2017 في باريس خلال اجتماع مع "مجاهدي خلق" الإيرانيين في المنفى. وقد أعلن هناك أمام عدة مئات من المستمعين المتحمِّسين هدف سياسته تجاه إيران، أي "تغيير النظام". لقد قال جون بولتون حرفيًا: "الطريق الوحيد هو تغيير هذا النظام. سنحتفل بانتصاركم قريبًا في طهران".

لقد أعلن الدبلوماسي الأمريكي جون بولتون، الذي تمت ترقيته ليصبح مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، وكأنَّه معجب برمزية الأعداد الشيعية، قائلًا: لن تحتفل الجمهورية الإسلامية بعيدها الأربعين، الذي يصادف أحد أيام شهر شباط/فبراير 2019. من المعروف أنَّ الرقم "أربعين" له معنى خاص في المذهب الشيعي.

سياسة أوهام كارثية

وباختصار فإنَّ ما يحدث هنا هو ضرب من الجنون. إذ إنَّ أمريكا بات يحكمها أشخاصٌ منحطون أخلاقيًا. لقد تبوَّأ أسوأ من في المجتمع الأمريكي أعلى المناصب من خلال المؤسَّسات. وأصبحوا يكشفون عن وجههم القبيح من خلال السياسة الأمريكية تجاه إيران. جون بولتون ووزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس، باتوا يمسكون بخيوط السياسة الأمريكية تجاه إيران. أمَّا دوناد ترامب فهو مجرَّد متحدِّث باسمهم نحو الخارج.

ومثلما هي الحال دائمًا فإنَّ سياسة الجنون تعتمد على الأوهام. يعتقد الحكَّام في واشنطن أنَّ الأزمة الاقتصادية والنقدية في إيران يمكن أن تتفاقم من خلال العقوبات الجديدة، بحيث يؤدِّي ذلك إلى انتفاضة الشعب الإيراني وإسقاط النظام بثورة والاحتفال بالأمريكيين كمحرِّرين له.

أمَّا التهديد الأمريكي الحائم في كلِّ مكان فمفاده: "إذا اقتضت الحاجة فسنساعد قليلًا بوسائل عسكرية". لقد صاغ هذا المنطق السياسي بشكل صريح الجنرال المتقاعد ومستشار الأمن القومي ​​السابق لدونالد ترامب، مايكل فلين، في كتابه "ميدان المعركة".

مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون. Foto: Getty Images
محرُّضون وراديكاليون بين المتشدِّدين في الإدارة الأمريكية: مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، كان في عهد إدارة بوش من المتحمِّسين لغزو العراق. وعندما رشَّحه بوش لمنصب سفير الأمم المتَّحدة، عارض هذا الاختيار أكثر من مائة دبلوماسي أمريكي في خطاب مفتوح. يُعَدُّ بولتون من أشدّ المعارضين للصفقة النووية مع إيران.

يقول مايكل فلين إنَّ إدارة أوباما قد فشلت عام 2009 في دعم موجة الاحتجاجات في إيران دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا. لو تدخَّلت الولايات المتَّحدة الأمريكية تدخُّلًا قويًا بما فيه الكفاية لصالح المتظاهرين الإيرانيين، لما كان لحكم "الملالي" في طهران أن يستمر حتى يومنا هذا، بحسب مايكل فلين.

يتَّضح الوهم في كلام مايكل فلين من خلال الإشارة إلى أنَّ الشعب الإيراني لا يتكَّون فقط من بضعة مئات من إيرانيين، كانوا يهتفون بهلوسة خلال اجتماعهم في باريس، بل يتكوَّن من نحو ثمانين مليون شخص. مع العلم بأنَّ هناك أقلية قوية موالية للنظام. صحيح أنَّ غالبية الشعب الإيراني لا تحبُّ "الجمهورية الإسلامية" على الإطلاق، بيد أنَّها أيضًا لا تعقد أملها على إطاحة أمريكا بنظام الملالي من خلال العقوبات الاقتصادية والحرب.

الغالبية العظمى من الإيرانيين مقتنعون بأنَّ الفوضى ستكون النتيجة. الشعب الإيراني لا يحتاج إلى الدعاية الحكومية ليعرف أنَّ الفوضى تسود في الدول المجاورة، حيث "تدخَّلت" الولايات المتَّحدة الأمريكية: في أفغانستان والعراق وسوريا وفي أماكن أخرى.

"الملا" روحاني لا يجد أية صعوبة في إبراز تفوُّقه الأخلاقي

ونظرًا إلى الطبقة السياسية الحاكمة الآن في واشنطن فإنَّ "الملا" حسن روحاني لا يجد أية صعوبة في إبراز تفوُّقه الروحي والأخلاقي. وفي ردِّه على إعلان ترامب، شدَّد الرئيس الإيراني على أنَّ بلاده ملتزمة بالاتِّفاق النووي وبتعدِّد الأطراف، وأنَّها تراهن على مواصلة التعاون مع بقية أطراف الاتِّفاق النووي. وأضاف روحاني أنَّ الحكومة الأمريكية على ما يبدو لم تقم بواجباتها المنزلية في [مادة] التاريخ. وقد أظهر هذا، بحسب تعبيره، أنَّ الإيرانيين رفضوا سياسة "الانقلاب والحرب" الأمريكية ضدَّ بلادهم.

من السهل للغاية بالنسبة لحكَّام جمهورية إيران الإسلامية في هذه الأيَّام أن يكونوا خطابياً على حقّ. ولكن في المقابل من غير المؤكَّد إن كان بوسعهم الصمود أمام هجوم القوة العسكرية الأمريكية. لقد أشار روحاني بصراحة إلى أنَّ "الحرس الثوري" موجود في سوريا واليمن، وهي إشارة واضحة وغير مسبوقة إلى أنَّ إيران ستضرب عند الضرورة أهدافًا أمريكية وأهدافًا لحليفتي الولايات المتَّحدة الأمريكية، المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

وبناءً على ذلك فقد بات يحوم في الشرق الأوسط شبح حرب جديدة أكبر وأكثر تدميرًا. ونظرًا لذلك فإنَّ خوف الشركات الألمانية من أنَّها لن تتمكَّن بعد من الاستثمار في إيران بسبب العقوبات الأمريكية يبدو تقريبًا ضيِّق الأفق وتافهاً.

صور إيران العدائية

لا يمكن لأحد أن يتجاهل الدور التدخُّلي الصاخب من جانب الحكومة الإسرائيلية. لقد اعتمد إعلان انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على "الأدلة"، التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول البرنامج النووي الإيراني. فالجماعة المناهضة لإيران في واشنطن تسير يدًا بيدّ مع الحكومة الإسرائيلية. لقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قبل بضعة أيَّام أنَّ هناك "ثلاث مشكلات، هي: إيران وإيران وإيران". وبهذا فقد ردَّد مثل الببغاء كلمات وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس، الذي تحدَّث قبل عامين بهذا الشكل تمامًا.

الرئيس الإيراني حسن روحاني. Foto: picture-alliance/dpa/AP
أوروبا باعتبارها الأمل الأخير؟ مباشرة بعد قرار ترامب القاضي بالانسحاب من الاتِّفاق النووي، أعلن الرئيس روحاني أنَّ وزير خارجيته سيعقد محادثات مع بقية أطراف الاتّفاق، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين، من أجل ضمان استمرار الاتِّفاق من دون الولايات المتَّحدة الأمريكية. وقال روحاني: "سننتظر ما ستفعله الدول الخمس الكبرى. وإذا تم ضمان مصالح الشعب الإيراني، فسيستمر الاتفاق النووي". ولكن يبقى فقط "وقت قصير"، مثلما حذَّر وهدَّد بالعودة من دون الاتفاق إلى "تخصيب اليورانيوم الصناعي غير المحدود".

هل يمكن إيقاف هذا الجنون؟ هذه مهمة ستكون صعبة للغاية. فأوروبا ضعيفة. صحيح أنَّ برلين وباريس لن تتعبا من التأكيد على فوائد الاتِّفاق النووي، ومن التأسُّف على "زعزعة" الاتِّفاقيات في التعامل الدولي وكذلك على "فقدان مصداقية وموثوقية" الحكومة الأمريكية. ولكن هل سيمنع ذلك الحرب؟

من الممكن أن يعقد المرء أملًا كبيرًا على المُجْتَمَعَيْن المدنيين الإسرائيلي والإيراني. فكلاهما سوف يعانيان أكبر معاناة من الحرب الجديدة. في إسرائيل يسود من جهة خوف كبير من إيران. وهذا الخوف له من دون ريب أسباب وجيهة. لكن هذا الخوف يتم تأجيجه بشكل منهجي من قِبَل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عشرين عامًا بشكل فوق معقول.

لقد كان عرض مسرحية نتنياهو بمثابة الذروة المؤقَّتة (أو الهُوّة، إذا أردنا التمعُّن فيه من الناحية الجمالية). ومن ناحية أخرى فإنَّ الكثيرين من الإسرائيليين لا يثقون بنتنياهو وليبرمان، ويعتقدون أنَّهما قادران بالتعاون مع جماعة ترامب على ارتكاب جريمة إدخالهم في حرب غير ضرورية وخطيرة. فهل سيحتجُّون على ذلك؟ قد يترك هذا انطباعًا.

عدم إعطاء الطرف الآخر أية ذريعة للحرب

ينطبق الشيء نفسه على المجتمع المدني الإيراني. يجب أن ينجح المجتمع المدني الإيراني في أن يُبيِّن للقيادة الإيرانية أنَّ غالبية الشعب لا تريد أية استفزازات وأية مضايقات تعطي الطرف الآخر ذريعة للحرب. وهذه الحقيقة في الواقع معروفة لجميع الأطراف. ولكن لا يمكن تكرارها بما فيه الكفاية في هذه الأيَّام.

إنَّ "أمير السلام" التوراتي، "سار شالوم" (بالعبرية: שר שלום)، الذي تحدَّث الأنبياء حول ظهوره كمخلِّص، اسمه مركَّبٌ من مفردتين فارسية وعبرية. لقد أصبح الوضع ميؤوسًا منه إلى هذا الحدّ، بحيث أنَّ الإشارة إلى التركيبة اللغوية لهذا المصطلح القديم قد لا تكون غير ضرورية تمامًا.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.  Foto: dpa
إثارة الخوف ومسرحية هزلية غريبة: قدَّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صورًا من "أرشيف نووي سري" مفترض في طهران. "كانت مسرحية نتنياهو بمثابة الذروة المؤقَّتة (أو الهُوّة، إذا أردنا التمعُّن فيه من الناحية الجمالية). ومن ناحية أخرى فإنَّ الكثيرين من الإسرائيليين لا يثقون بنتنياهو وليبرمان، ويعتقدون أنَّهما قادران بالتعاون مع جماعة ترامب على ارتكاب جريمة إدخالهم في حرب غير ضرورية وخطيرة"، مثلما يرى شتيفان بوخن.

تبدو فكرة التشابه الكبير بين المجتمع الإسرائيلي والإيراني ملحة أكثر. وهنا يكمن الجانب العبثي والمأساوي للوضع. وهنا ينمو الأمل في الوقت نفسه. لقد طوَّر كلا المجتمعين ثقافة حية تعتمد على قيم متشابهة: تنتشر انتشارًا واسعًا في كلا المجتمعين الإرادة من أجل الفنّ، والإبداع والوعي بأنَّ "الإنسان لا يعيش بالخبز وحده". وكذلك الرغبة في السعي دائمًا إلى مواكبة العصر الحديث والتقدُّم العلمي. وكذلك المعنى الاجتماعي للتعليم ولفكرة "أنَّ الأطفال يجب أن يكون لديهم مستقبل جيِّد".

في الأغاني الشعبية لكلا المجتمعين أوجه تشابه مثيرة للدهشة، سواء في جمالها أو فيما يتعلق بتقديرها الثقافي والأدوار الاجتماعية، التي يوليها كلا المجتمعين لهذا الشكل الفنّي. ينتشر حاليًا على موقع يوتيوب مقطع فيديو لجوقة مرتجلة من الجيش الإسرائيلي. وفي هذا المقطع يقدِّم الجنود لسبب ما أغنية فارسية يعرفها "الجميع".

والنتيجة مؤثِّرة وكذلك مختلة. حيث يشاهد المرء في هذا المقطع أنَّ هناك أشياءَ أخرى يمكن ممارستها، غير قيام الطائرات المقاتلة بغارات على بعد أكثر من ألفي وخمسمائة كيلومتر، بما في ذلك تزوُّدها بالوقود أثناء الطيران.

لقد أشار فرديناند لاسال [كاتب وسياسي اشتراكي ألماني] في ستينيات القرن التاسع عشر إلى التقارب الثقافي بين الألمان والفرنسيين. وقال إنَّ هذه القواسم المشتركة، التي تظهر في الأدب والفنّ وفي أشياء أخرى، تتناقض مع فكرة خوضهم الحروب بعضهم ضدَّ بعض.

وقد حذَّر أيضًا من أنَّ الأمر لن يقف عند حرب واحدة، لأنَّ مثل هذه الحملة الانتقامية الحتمية ستسفر حتمًا عن حرب أخرى. والبقية معروفة من التاريخ، لذلك لا داعي لطرح السؤال لماذا أصبحت أوروبا اليوم في الواقع ضعيفة إلى هذا الحدّ.

 

 

 

شتيفان بوخن

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

ar.Qantara.de

 

يعمل الكاتب شتيفان بوخن كصحفي تلفزيوني لبرنامج "بانوراما" لدى القناة الأولى الألمانية ARD.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.