الباحثة الألمانية في شؤون اليمن ماري كريستينه هاينتسه
آن أوان التفكير في إعادة إعمار اليمن

"إعادة إعمار يمن ما بعد الصراع" مشروع تبادل أكاديمي ألماني مع جامعة صنعاء بإشراف الباحثة الألمانية ماري كريستينه هاينتسه، التي تتحدث عن أسلحة ألمانية مستخدمة في الصراع اليمني، وعن إصلاحات ضرورية في اليمن، وعن تولي المرأة اليمنية رأب تصدعات المجتمع. حاورتها إليسا راينهايمر شابي لموقع قنطرة.

السيدة هاينتسه يشهد اليمن حاليًا واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في عصرنا، ونادرًا ما تتناول وسائل الإعلام الألمانية هذا الصراع، فما سبب هذا الجهل [بأوضاع اليمن الراهنة]؟

ماري كريستينه هاينتسه: لن أسمي هذا جهلًا. فنحن هنا [في ألمانيا] ببساطة نتعامل مع صراع شديد التعقيد، يصعب فهمه. فبالكأد نجد صحفية ألمانية أو صحفيا ألمانيا على دراية بخلفيات هذا الصراع. أضف إلى ذلك أن اليمن بعيد جدًا، ولا يصلنا منه سوى عدد ضئيل من اللاجئين، وعليه، فإن الاهتمام [الألماني] بهذا الصراع ليس كبيرا.

ناهيك عن عامل آخر يلعب دورًا في ذلك، ألا وهو شعور الكثير من الألمان بالتخمة [الإخبارية] عندما يتعلق الأمر بالأزمات التي تحدث في مناطق أخرى من العالم. وإن ذلك لأمر مؤسف، إذ توجد لنا [نحن الألمان بالفعل] علاقة بهذه الحرب، بسبب مسؤولية الحكومة الألمانية عن شحنات من الأسلحة وصلت إلى الدول المحاربة هناك.

من ناحية، تزود الحكومة الألمانية [أطرافًا في هذه الحرب] بالسلاح؛ ومن ناحية أخرى، تُعَدّ ألمانيا واحدة من أهم الدول التي تمد اليمن بالمساعدات الإنسانية!

ماري  كريستينه هاينتسه: هذا صحيح. أضف إلى ذلك اعتماد ما تصل نسبته إلى 80 بالمئة من اليمنيين على المساعدات الإنسانية. وقد قدرت الأمم المتحدة احتياجات اليمن للمساعدات الإنسانية في العام 2020 بما يقارب 3,38 مليار دولار، إلا أنه مع حلول شهر كانون الأول/ ديسمبر [من العام نفسه] لم يصل اليمن من هذه المساعدات التي تمس الحاجة إليها سوى 1,6 مليار دولار.

 

 

ومن الأسباب التي تفسر ذلك أن دول الخليج [العربية] -المشاركة بنفسها مشاركة مباشرة في حرب اليمن- انسحبت بصورة جزئية أو كلية من كونها دولًا مانحة. ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد قدمت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة -كل واحدة منهما- في عام 2018 مبلغ 25 مليون دولار أمريكي كمساعدات إنسانية.

هل يلعب الاتحاد الأوروبي دور قوة ناعمة في هذا الصراع؟

ماري كريستينه هاينتسه: يلعب الاتحاد الأوروبي بالفعل دورًا فيما يتعلق بالاستقرار وبناء السلام في اليمن، إلا أنه ليس لاعبًا عالميًا يتمتع بقدرة تمكنه من إنهاء الصراع. لا يوجد طرف فاعل في اليمن له نفوذ كبير قادر على إقناع جميع الأطراف المعنية بالتوصل إلى اتفاقيات ومعاهدات.

أما الولايات المتحدة، فقد انحازت إلى أحد أطراف الصراع في وقت مبكر جدًا، شأنها في ذلك شأن المملكة المتحدة.

وبهذا فقد خسرت [الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة] فرصة ممارسة تأثير على الطرف الآخر في الصراع، أي على الحوثيين. فقد أدرج [الرئيس الأميركي السابق] دونالد ترامب الحوثيين على قائمة الإرهاب خلال أيامه الأخيرة في منصبه؛ أما الحكومات [الأميركية] السابقة فلم تتعامل مع الملف اليمني إلا من منظور مكافحة الإرهاب. وآمل أن يتغير هذا في عهد الرئيس بايدن.

لا أحد في اليمن قادر على تلبية احتياجاته الأساسية

 

طفل يمني ذو أصل إفريقي يحمل مساعدات غذائية في مدينة تعز - اليمن. Foto: Getty Images/AFP/A.Al-Basha
اليمن معتمد على المساعدات الإنسانية: يعتمد ما تصل نسبته إلى 80 بالمئة من اليمنيين على المساعدات الإنسانية، وقد قدرت الأمم المتحدة احتياجات اليمن للمساعدات الإنسانية في العام 2020 بما يقارب 3,38 مليار دولار، إلا أنه مع حلول شهر كانون الأول/ ديسمبر [من العام نفسه] لم يصل اليمن من هذه المساعدات التي تمس الحاجة إليها سوى 1,6 مليار دولار، ومن الأسباب التي تفسر ذلك أن دول الخليج [العربية] -المشاركة بنفسها مشاركة مباشرة في حرب اليمن- انسحبت بصورة جزئية أو كلية من كونها دولًا مانحة. ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد قدمت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة -كل واحدة منهما- في عام 2018 مبلغ 25 مليون دولار أمريكي كمساعدات إنسانية، كما تنقل الباحثة الألمانية ماري كريستينا هاينتسه.

 

إذا ألقى المرء نظرة على الأرقام -التي تتحدث عنها منظمات الإغاثة العاملة في اليمن- فسيصاب بالدوار. فهناك حوالي 20 مليون شخص لا يحصلون على الرعاية الطبية الأساسية، وهناك أكثر من 3,6 مليون نازح في اليمن نفسها، والوضع الغذائي كارثي، إضافةً إلى أكثر من نصف مليون طفل صغير يعانون نقصاً حادّاً في التغذية. كما تحذر منظمة "فيلت هونغر هيلفه" (إغاثة العالم ضد الجوع) الألمانية من ارتفاع عدد الجياع في اليمن، بحيث سيصل الرقم إلى 16,2 مليون جائع في النصف الأول من العام 2021. فهل يعود ذلك إلى الحصار الذي تفرضه المملكة العربية السعودية على ميناء الحُدَيْدة [اليمني]، أي الميناء الذي تمر عبره المواد الغذائية الرئيسة إلى اليمن؟

ماري كريستينه هاينتسه: أجد أن وضع اللوم دفعة واحدة على الحصار السعودي مسألة إشكالية. وأقول هنا، لكي لا يتم فهمي خطأ، أني لست من المعجبين [بسياسات] المملكة العربية السعودية على الإطلاق، إلا أنه علينا أن نبقى منصفين. إذ يمثل الحصار عنصرا واحدا فقط ضمن بوتقة أكبر بكثير [من عناصر المشكلة].

ففي حين يتعين على اليمن استيراد ما تصل نسبته إلى 90 في المئة من غذائه، يلاقي المستوردون منذ انفجار الصراع قبل ست سنوات صعوبة متزايدة في الحصول على التسهيلات الائتمانية.

كما أن تكلفة عمليات التفتيش وما في حكمها آخذة في الارتفاع؛ وهناك تضخم شديد في الريال اليمني، خاصة في جنوب البلاد؛ بالإضافة إلى الانخفاض الحاد في القوة الشرائية، نظراً لأن الناس غالبًا ما ينتظرون شهورًا حتى يتم دفع رواتبهم، إلى جانب الارتفاع الكبير في معدلات البطالة؛ ناهيك عن الأخطاء المرتكبة في السياسات المالية؛ وتدمير البنية التحتية؛ هذه العوامل الكثيرة تتفاعل معًا.

وإذا ما أردنا الاختصار نقول إن المواد الغذائية متوفرة للبيع في الأسواق في جميع أنحاء اليمن، إلا أن الناس ببساطة غير قادرين على شرائها. لتأتي جائحة كورونا وتزيد الطين بلة. ففي هذا البلد الغارق في المشاكل، لا يعرف المرء أي مشكلة يتوجب عليه أن يبدأ بحلها.

أدت حكومة يمنية جديدة اليمين الدستورية في نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر المنصرم 2020، وقد تم تمثيل شمال اليمن وجنوبه بعدد متساوٍ من الوزارء. فهل يدعوك ذلك للتفاؤل؟

 

 

ماري كريستينه هاينتسه: أنا لست متفائلة صراحةً. فالحكومة الجديدة منقسمة على نفسها، وهناك بالفعل انعدام ثقة كبير بين أعضائها، بل ينعدم الاتفاق حتى على المسائل الأساسية. ففي حين يؤيد بعض الوزراء الانفصال عن الجنوب، يقف بعضهم الآخر مع بقاء الوحدة اليمنية. وقد جرت نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي 2020 محاولة هجوم في مطار عدن على مجلس الوزراء المشكل حديثًا.

لقد اعتقدنا أن مثل هذا الهجوم سيدفع أعضاء الحكومة للتلاحم معًا، إلا أن ما حدث هو العكس، إذ اتهم كل طرف الطرف الآخر بالوقوف خلف هذا الهجوم. ورغم ذلك كله ما زال كثير من اليمنيين يعلقون آمالًا كبيرة على هذه الحكومة، إذ يمثل اتفاق المعسكرات [المتناحرة] على تشكيل هذه الحكومة بارقة أمل رغم كل ما سبق.

والسؤال الكبير المتعلق بعملية السلام المحتملة حاليًا هو: هل سيتمكن الطرفان من تشكيل وفد سلام مشترك يحاول التفاوض للوصول إلى حل مع الحوثيين؟ إذا لم ينجح ذلك فمن المتصوَّر أنه سيكون هناك تقسيم لليمن بحكم الأمر الواقع إلى دولة شمالية وأخرى جنوبية على غرار ما حدث في الصومال.

الاستعداد لإعادة إعمار اليمن

تشرفين على مشروع التبادل الأكاديمي "إعادة إعمار يمن ما بعد الصراع" مع جامعة صنعاء. وفي وقت لا تلوح فيه نهاية للحرب في الأفق على الإطلاق هل تفكرين بالفعل في [مسألة] إعادة البناء؟

ماري كريستينه هاينتسه: على المرء أن يبدأ بالتفكير بذلك حالًا، وليس عندما يحين الوقت. لهذا السبب أطلقنا -نحن الباحثين الألمان واليمنيين- برنامجًا تدريبيًا لطلبة الماجستير اليمنيين. هؤلاء هم في المقام الأول طلبة، شابات وشبان، يدرُسون بدوام جزئي ويعملون في المنظمات الدولية في اليمن. وقد نظمنا في شتاء عام 2019 مدرسة شتوية في العاصمة الأردنية، شارك فيها طلبة من ألمانيا واليمن. كما نظمنا كل شيء في العام الماضي 2020 رقميًا عبر الانترنت بسبب الجائحة.

 

رجُل يبحث في القمامة عما يمكن استخدامه في عدن – اليمن. Foto: picture-alliance/Xinhua News Agency/M.Abdo
اليمنيون غير غير قادرين على الشراء: يوجد تضخم شديد في الريال اليمني، خاصة في جنوب البلاد؛ بالإضافة إلى الانخفاض الحاد في القوة الشرائية، نظراً لأن الناس غالبًا ما ينتظرون شهورًا حتى يتم دفع رواتبهم، إلى جانب الارتفاع الكبير في معدلات البطالة؛ ناهيك عن الأخطاء المرتكبة في السياسات المالية؛ وتدمير البنية التحتية؛ هذه العوامل الكثيرة تتفاعل معًا. وإذا ما أردنا الاختصار نقول إن المواد الغذائية متوفرة للبيع في الأسواق في جميع أنحاء اليمن، إلا أن الناس ببساطة غير قادرين على شرائها. لتأتي جائحة كورونا وتزيد الطين بلة. ففي هذا البلد الغارق في المشاكل، لا يعرف المرء أي مشكلة يتوجب عليه أن يبدأ بحلها، وفق ما تقول الباحثة الألمانية في شؤون اليمن ماري كريستينه هاينتسه.

 

ومع ذلك لدينا [في ألمانيا] 25 شابةً وشابًا يشاركون في فصل دراسي عن قضايا إعادة الإعمار، إلا أن المشروع الحالي معلق حاليًا لبضعة أسابيع لسوء الحظ، إذ ننتظر تمديد المنحة الدراسية من قبل الهيئة الألمانية للتبادل الثقافي (دي أيه أيه دي) ما يمكننا من الاستمرار بهذا البرنامج.

كيف لي أن أتصور المشاركة في مثل هذا الفصل الدراسي في وقت لا تزال فيه الحرب مستعرة؟

ماري كريستينا هاينتسه: لسنا بعيدين عن [مرحلة] "إعادة إعمار ما بعد الصراع" كما يبدو للوهلة الأولى. إذ لم يشمل الدمار والأعمال الحربية جميع أقاليم اليمن على درجة متساوية، ولا تزال المناطق الشرقية هناك غير متأثرة بالقتال الدائر. كما تُجرى في جنوب اليمن مشاريع إعادة إعمار بالفعل، ومن ذلك على سبيل المثال في المناطق التي طُرِدَ منها الحوثيون، وهذا هو أيضًا حال مدينة عدن الساحلية بصورة جزئية.

ما المواضيع التي تتم مناقشتها في فصلك الدراسي على وجه التحديد؟

ماري كريستينه هاينتسه: يتناول البرنامج الدراسي جميع جوانب الحياة السياسية والاجتماعية، ابتداءً من الرؤى الاقتصادية مرورًا بالحكم الرشيد، وصولاً إلى التنمية المستدامة وإمكانيات تحقيق انتعاش يفي بمعايير الحفاظ على البيئة. كما يغطي البرنامج قضايا المصالحة، والتغلب على الصدمات، ومسائل العدالة الانتقالية. إضافة إلى أن إصلاح الجهاز الأمني أمر بالغ الأهمية أيضًا، وهو موضوع لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه في اليمن، حتى أن مجرد الحديث عنه غير مسموح به هناك.

ما الذي يجعل الحديث عن الجهاز الأمني على هذه الدرجة من الحساسية؟

ماري كريستينه هاينتسه: يقع الجهاز الأمني في اليمن خارج نطاق الضبط البرلماني [المسائلة القانونية]؛ وعلى غرار الدول العربية ودول شمال إفريقيا الأخرى، يتمتع جهازا الشرطة والجيش بنفوذ كبير جدًا، ويكادان يشكلان معًا ما يشبه الدولة داخل الدولة. وقد كانت المناصب الرفيعة المستوى في قطاع الأمن في الماضي مشغولة من قبل أقارب الرئيس وأصدقائه، وكان هذا القطاع غير قابل للمساس به. ولكن [ذلك يجب أن يتغير] خلال العملية الانتقالية، [إذ] يجب أن يتاح المجال لمناقشة مثل هذه القضايا، حتى لو استغرق ظهور نتائج ذلك عقودًا من الزمن.

 

منطقة يمنية بعد قصف جوي - اليمن.
إذا ألقى المرء نظرة على الأرقام -التي تتحدث عنها منظمات الإغاثة العاملة في اليمن- فسيصاب بالدوار. فهناك حوالي 20 مليون شخص لا يحصلون على الرعاية الطبية الأساسية، وهناك أكثر من 3,6 مليون نازح في اليمن نفسها، والوضع الغذائي كارثي، إضافةً إلى أكثر من نصف مليون طفل صغير يعانون نقصاً حادّاً في التغذية. كما تحذر منظمة "فيلت هونغر هيلفه" (إغاثة العالم ضد الجوع) الألمانية من ارتفاع عدد الجياع في اليمن، بحيث سيصل الرقم إلى 16,2 مليون جائع في النصف الأول من العام 2021.

 

تصورات الغرب للحل في اليمن أضحت عديمة النفع

ما الطريقة المجدية لإصلاح الجهاز الأمني في اليمن؟

ماري كريستينه هاينتسه: يعد اليمن موطنًا للعديد من القبائل التي يمكنها توفير الأمن على المستوى المحلي. ومن الممكن إشراك هذه القبائل في العملية الانتقالية. ففي بلد فقير مثل اليمن لا ينبغي تحويل كل الأموال إلى ميزانية الشرطة والجيش، كما هو الحال حاليًا؛ وعلى الحكومة بدلًا من ذلك أن تستثمر في مجالات أخرى مفيدة، وأن تستفيد من أساليب فرض الأمن الموجودة بالفعل في المستويات المحلية وأن تدمجها في أجهزتها.

ومن شأن ذلك أيضًا أن يساعد على تعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين. ومن الضروري تغيير طريقة التفكير هنا أيضًا، إذ يجب أن تتكفل قوات الأمن بتوفير الأمن للشعب، وليس للنظام.

يقع مجال تعاونك بكل تأكيد مع نخبة من اليمنيات واليمنيين، [والسؤال هنا]، ما الذي يحققه كل ما تقومون به للرجل والمرأة [العاديين]، ممن يكافحون في المقام الأول للبقاء على قيد الحياة؟

ماري كريستينه هاينتسه: طور زملائي اليمنيون أساسات مهمة للانطلاق منها في مجال العدالة الانتقالية وعمليات المصالحة، وقد تم تضمين الدِّين فيها، لما يلعبه من دور مهم في اليمن. فعلى سبيل المثال يحاول الزميل عبد السلام الرُّبَيْدي الجمع بين المفاهيم الدولية للعدالة والتصورات الدينية لها وإيجاد التقاطعات المفيدة بينها. وهنا لا بد أن يكون واضحًا لنا [في الغرب] بأننا إن واصلنا العمل انطلاقًا من مفاهيمنا الغربية فلن يهتم كثير من الناس بما نقوم به. وعليه فإنه من الرائع أن أتعلم منه.

​​​​​​ما الدور الذي تلعبه المرأة اليمنية في حل النزاعات الأهلية وبناء السلام؟

ماري كريستينه هاينتسه: تلعب النساء دورًا مهمًا للغاية في ذلك. فقد شغلت العديد من اليمنيات وظائف أثناء النزاع، لاسيما في ميدان العمل الإغاثي. ويمكن للنساء زيارة المنازل بسهولة أكثر نسبيًا، والتعرف هناك على الاحتياجات الخاصة، ومن ثم إبلاغ منظمات الإغاثة بذلك. والقيام بمثل هذه الزيارات مهمة أكثر صعوبة على الرجال اليمنيين، ففي حال كانت امرأة بمفردها في المنزل مع أطفالها فسيكون من المستحيل على شخص غريب التحدث معها نظرا لمفاهيم الشرف والاحتشام هناك.

ويعد ذلك فرصة للنساء للمساهمة في دعم الأسرة، الأمر الذي يثير استياء الشباب، حيث يشعر كثير من الرجال أنه يتم تجاوزهم خلال توزيع الوظائف القليلة المتاحة. ويمثل ذلك مشكلة جادَّة بالنسبة لهم. إذ يُتوقع من الرجل [بحسب التقاليد اليمنية] أن يكسب ما يكفي من المال للزواج ولإعالة الأسرة. لكن كيف يمكن له ذلك عندما تحصل النساء على الوظائف [القليلة المتاحة]؟

 

صورة معبرة عن معاناة الناس في ظل الحرب في اليمن. Foto:Save the Children/Sami Jassar Dieser Junge ist bei zwei Luftangriffen schwer verletzt worden
لماذا من النادر أن تنناول وسائل الإعلام الألمانية الصراع اليمني؟ الباحثة الألمانية ماري كريستينه هاينتسه توضح قائلةً: "نحن هنا [في ألمانيا] ببساطة نتعامل مع صراع شديد التعقيد، يصعب فهمه. فبالكأد نجد صحفية ألمانية أو صحفيا ألمانيا على دراية بخلفيات هذا الصراع. أضف إلى ذلك أن اليمن بعيد جدًا، ولا يصلنا منه سوى عدد ضئيل من اللاجئين، وعليه، فإن الاهتمام [الألماني] بهذا الصراع ليس كبيرا. ناهيك عن عامل آخر يلعب دورًا في ذلك، ألا وهو شعور الكثير من الألمان بالتخمة [الإخبارية] عندما يتعلق الأمر بالأزمات التي تحدث في مناطق أخرى من العالم. وإن ذلك لأمر مؤسف، إذ توجد لنا [نحن الألمان بالفعل] علاقة بهذه الحرب، بسبب مسؤولية الحكومة الألمانية عن شحنات من الأسلحة وصلت إلى الدول المحاربة هناك". هذا وتُعَدّ ألمانيا من الدول التي تمد اليمن بالمساعدات الإنسانية.

 

تمثيل ضعيف للمرأة اليمنية مقارنة بنشاطها الكبير

إلا أن المرأة اليمينة لا تزال محرومة من العمل في ميدان السياسة، أليس كذلك؟ فالحكومة الجديدة كلها من الذكور!

ماري كريستينه هاينتسه: هذا صحيح، وقد تسبب ذلك أيضًا في موجة سخط على شبكات التواصل الاجتماعي في اليمن. فقد شجبت بعض النسويات هذا الواقع. في حين تتبنى نساء أخريات وجهة نظر أكثر براغماتية عبر القول: "هذه الحكومة فاسدة على أي حال، فلماذا يجب علينا أن نجادل في مسألة عدم إشراكنا فيها؟ حتى وإن تم منح منصب أو منصبين للمرأة، فإن ذلك لا يعني أننا تمكنا من تحقيق المساواة".

لقد كان في اليمن في الماضي بعض النساء العاملات في ميدان السياسة في مستويات متقدمة من القيادة، إلا أن ذلك لم يحسن ظروف مشاركة المرأة على المدى الطويل. وعلى كل حال فإن حصة تمثيل النساء التي قررها مؤتمر الحوار الوطني -الذي كان تم من أجل صياغة العملية الانتقالية التي باءت الفشل [بسبب الحرب]- بلغت نسبتها 30 بالمئة. وأجد أن من المهم في هذا المقام التأكيد على أن النساء في اليمن قد لا يكون لهن أدوار تمثيلية مرئية للغاية، لكنهن في المقابل يقمن بتحريك الكثير من الأمور.

في أي مجالات؟

ماري كريستينه هاينتسه: تؤدي المرأة اليمنية دورًا مهمًا في الوساطة في الصراعات بصورة دائمة. إذ تشارك أيضًا، على سبيل المثال، بصورة مستمرة في الوساطة خلال الصراعات المحلية على المياه والأرض، وفي عمليات تبادل السجناء، أو تذهب إلى السجون بصورة شخصية لتزويد السجناء بالطعام. وتحاول الحفاظ على تماسك العائلات والأحياء والقرى. لقد خلفت الحرب شروخًا عميقةً في المجتمع على مستوى المجتمع المحلي، أو حتى في المستوى العائلي.

فالنساء قادرات غالبًا على بناء الجسور في المستوى الشخصي. فعلى سبيل المثال، إذا كان للجيران وجهات سياسية مختلفة، فقد يؤدي ذلك بسهولة إلى خلق جو من التوتر وانعدام الثقة والكراهية أثناء الحرب؛ وفي حال زارت امرأة جارتها، رغم اختلاف الآراء السياسية، وسألتها عن طريقة تدبيرها أمور العائلة المعيشية -بما قد يقود إلى تساند بين العائلتين في هذا المستوى بين الجيران- فإن ذلك سيسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي كثيرًا. وهذا لا ينتمي إلى نمط الأنشطة المخطط لها، وإنما هو جزء من الحياة اليومية، وهو أمر بالغ الأهمية لا ندرك أهميته بشكل كافٍ.

 

الباحثة الألمانية المتخصصة في دراسات العالم الإسلامي وعالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية ماري كريستينه هاينتسه. CARPO (Center for Applied Research in Partnership with the Orient)
الباحثة الألمانية المتخصصة في دراسات العالم الإسلامي وعالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية ماري كريستينه هاينتسه تترأس مركز البحوث التطبيقية والشراكة مع المشرق "كاربو" في مدينة بون الألمانية، وقد درست الدراسات الإسلامية والعلوم السياسية والقانون الدولي والأوروبي وأبحاث السلام والأمن، وحصلت على الدكتوراه في عام 2015 من جامعة بيليفيلد الألمانية عن "الثقافة المادية والتغيير الاجتماعي والسياسي في اليمن".
 
 
ماذا تتوقعون من المجتمع الدولي في هذا الصدد؟

ماري كريستينه هاينتسه: من حيث المبدأ، لا يلزم هذا النوع من العمل أي تدخل خارجي، بل قد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية. ولكن المساعدة في التغلب على الصدمات أو تمكين التبادل بين النساء في مستوى الحي والجيران يمكن أن يدعم هذا النمط من نشاط الحياة اليومية الخاص بالمرأة.

تعملين منذ عام 2008 مستشارةً للتنمية والسلام والتغيير السياسي في اليمن؛ أليس من المحبط العمل على بناء السلام بينما تقوم الحكومة الألمانية بتصدير الأسلحة (بطرق ملتوية) إلى الدول المشاركة مباشرة في الحرب مثل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة؟

ماري كريستينه هاينتسه: هذا يدفعني للشعور بالإحباط بكل تأكيد. فإذا كانت لدينا بالفعل معايير ومقاييس لتحديد الدول التي يمكن توريد الأسلحة إليها، فينبغي الالتزام بها، خاصةً وأننا نعلم أن دولة الإمارات العربية المتحدة تحتفظ بسجون سرية في اليمن، وأن جميع الدول المتورطة في الحرب لا مانع عندها من قتل المدنيين.

هل لاح أمامكِ خلال السنوات القليلة الماضية بصيص من الأمل أو تراءت لكِ لحظات اعتقدتِ خلالها أن ثمة تغير نحو الأفضل؟

ماري كريستينه هاينتسه: [بعد برهة من الصمت] لديّ القليل من الأمل في إمكانية حل النزاع في المستقبل القريب. لكن التطورات الأصغر في المستوى المحلي مشجعة؛ ففي محافظة مأرب، على سبيل المثال، حيث تكمن احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، نجح محافظها في إقناع الرئيس بالسماح باستخدام جزء من الدّخل المتأتي من هذه الاحتياطيات لصالح المحافظة.

وقد كان ذلك ناجحًا، حيث ازدهرت المنطقة بسرعة، وافتتحت جامعة هناك، وأصبح ما كان يومًا مدينة صغيرة مدينةً ضخمة ذات تجارة نشطة. وفي هذا ما يدل على أنه حين تتوفر الأموال للمشاريع المحلية، وحين يتم وضع الأشخاص المناسبين في القيادة -مع توافر مساحة من حرية القرار- فإن الأمور ستتغير [نحو الأفضل]. ففي كل ظُلمة شعاع أمل يمكن التفاؤل به.

 

 

حاورتها: إليسا راينهايمر-شابي

ترجمة: حسام الحسون

حقوق النشر: موقع قنطرة 2021

ar.Qantara.de

 

تترأس الباحثة الألمانية المتخصصة في دراسات العالم الإسلامي وعالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية ماري كريستينا هاينتسه مركز البحوث التطبيقية والشراكة مع المشرق "كاربو" في مدينة بون الألمانية، وقد درست الدراسات الإسلامية والعلوم السياسية والقانون الدولي والأوروبي وأبحاث السلام والأمن، وحصلت على الدكتوراه في عام 2015 من جامعة بيليفيلد الألمانية عن "الثقافة المادية والتغيير الاجتماعي والسياسي في اليمن".

 

.............

طالع أيضا

كيف ينقذ اليمن إرثه المعماري بينما ينقصه الغذاء؟

هكذا دفعت انتفاضة اليمن ثمنا باهظا لاندلاعها

اليمن: النساء ركيزة أساسية في تأسيس يمن ديمقراطي

مأرب - أرض سد مأرب وملكة سبأ: المدينة الملجأ في حرب اليمن

.............

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة