سيدة إيرانية تحمل صورة الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي بعد فوزه المتوقع بالانتخابات.

الباطنية والتباسات القومية الإيرانية
إيران لم تتغيّر...من مملكة الشاه القومية إلى الجمهورية الإسلامية

إيران: الثقافة السياسية لمرحلة ما بعد الثورة تُظهر استمرارية لافتة مع حقبة ما قبل الثورة الإسلامية.

في أواخر التسعينيات، لفتني مدى الترابط القائم بين أنماط السلوك السياسي في إيران في مرحلة ما بعد الثورة وأنماطه في مرحلة ما قبل الثورة. وقد بدأتُ بوضع أطرٍ عامة لفهم هذه الحقبات التاريخية المختلفة.

انطلقت أبحاثي من أربعة أسئلة أساسية: ما الذي يقود إلى وصف مبالَغ جدًّا فيه لنظرة الإيرانيين إلى أنفسهم في المنظومة الدولية؟ وما الآليات التي تؤدّي إلى تقييمات إيرانية خاطئة لوقائع المنظومة الدولية؟ ولماذا واجه الإيرانيون باستمرار عوائق كبرى في بناء توافق سياسي وطني؟ ولماذا لم يستطيعوا، على الرغم من احتكاكهم بالغرب منذ أكثر من قرن من الزمن، من مأسسة جوانب الحداثة مثل المنافسة بين الأحزاب السياسية، وتداول السلطة، والحرّيات السياسية؟

عملتُ على هذه المسائل ما يزيد عن عقد من الزمن، وتنقّلتُ في مختلف أنحاء إيران، ونشرتُ ثلاثة كتب باللغة الفارسية. الأول عبارة عن دراسة حول الثقافة السياسية الإيرانية نُشِرت في العام 2004، وصدرت طبعتها السابعة في العام 2019. وقد استندت هذه الدراسة إلى 900 استمارة أجاب عليها مواطنون ومسؤولون في الإدارات العامة. والثاني هو مشروع عن السلطوية الإيرانية خلال حكم سلالة القاجار (1794-1925)، صدر في طبعته الأولى في العام 2011، وفي طبعته الرابعة عشرة في العام 2020. والثالث كتابٌ عن السلطوية الإيرانية في عصر السلالة البهلوية (1925-1979). وحاليًا، أعمل على مشروع رابع عن البنية التحتية النفسية للسلطوية الإيرانية.

لقد اكتشفتُ أوجه الاستمرارية اللافتة في الثقافة السياسية الإيرانية. نادرًا ما تُعاد دوزنة النزعات التي عرفتها المجتمعات القديمة، ومنها إيران. فهي تكون عادةً متحجّرة جدًّا إلى درجة تعصى على تغييرها حتى موجات التحديث والخصخصة الاقتصادية. وفي حين أن تحوّلًا طرأ في العالم المعولَم على أنماط الحياة التي يعيشها عددٌ كبير من الأشخاص في هذه المجتمعات، لا تزال العادات والنزعات القديمة، ولا سيما في الميدان السياسي، هي نفسها. والافتراض الذي أشارت إليه نظريات التحديث في الستينيات ومفاده أن التمكين الاقتصادي يؤدّي إلى تغيير المعتقدات الاجتماعية والسياسية لم تثبت صحّته في عدد كبير من البلدان القديمة. فقد تبيّن مثلًا أن الاعتقاد العام الذي ساد في التسعينيات بأن عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية ودخولها القوي إلى الاقتصاد العالمي سوف يؤدّيان إلى ظهور مجتمع مدني حيوي ومنظومة حزبية تنافسية وإلى تطبيق المساءلة السياسية في البلاد، هو مجرد وهم.

يجسّد التاريخ الإيراني النزعة القومية، والأسلوب الإمبريالي في إدارة شؤون الدولة، والحكم السلطوي على امتداد آلاف السنين. ولكن تحوُّل هذه البلاد القديمة إلى دولة قومية حديثة اجتماعيًا وسياسيًا انطبع بالنضالات المستمرة وبمشروع لم يكتمل بعد، في ظل غياب أفقٍ واضح. فالتململ الاقتصادي الذي تعانيه إيران راهنًا، والتشوّش السياسي، والمواجهات في السياسة الخارجية مردّها إلى سلسلة من المقاربات المتجذّرة بقوة في المعطيات التاريخية، لذا يطرح تفكيكها إشكالية. وتتمثّل النزعات الثلاث التي تسود الثقافة السياسية الإيرانية في استخدام أكباش فداء، وفي القبلية السياسية، وفي تفسير بائد للسيادة الوطنية.

 

الشهور الأربعة تقريبا التي قضاها زعيم الثورة الإيرانية آية الله خميني قبل سفره عام 1979 إلى طهران في بلدة فرنسية صغيرة خلفت لدى الفرنسيين مشاعر متباينة. الكثيرون كانوا قلقين وآخرون رأوا في الرجل الشيعي بارقة أمل. ورأى البعض أن زعيم الثورة الإيرانية يقود انتفاضة ضد النظام العالمي.
الشهور الأربعة تقريبا التي قضاها زعيم الثورة الإيرانية آية الله خميني قبل سفره عام 1979 إلى طهران في بلدة فرنسية صغيرة خلفت لدى الفرنسيين مشاعر متباينة. الكثيرون كانوا قلقين وآخرون رأوا في الرجل الشيعي بارقة أمل. ورأى البعض أن زعيم الثورة الإيرانية يقود انتفاضة ضد النظام العالمي.

 

"لقد اكتشفتُ أوجه الاستمرارية اللافتة في الثقافة السياسية الإيرانية. نادرًا ما تُعاد دوزنة النزعات التي عرفتها المجتمعات القديمة، ومنها إيران."

تنظر إيران إلى التقييم الذاتي النقدي بصورة عامة على أنه مذلّ ومدمِّر للذات، لذا تختار أكباش فداء لتحييد اللوم عنها وإلقائه على أطراف أخرى. ففي الثقافة الإيرانية التي تولي قيمة كبيرة للباطنية، إنها لمفارقة أن تُثمَّن صورة البلاد في الخارج إلى هذه الدرجة. فالسلطوية المتجذّرة تدفع بالشخص في سن صغيرة إلى التعتيم والتمويه. ويُنظَر إلى الغموض واعتماد الأساليب الملتوية بأنهما من الفضائل. يتعلّم الأفراد، من خلال الخبرة في التجارة والسياسة على السواء، التصرف بطريقة هجومية للتحصّن ضد الهجمات المدروسة. لذا، يُعتبر إبراز الذات وتضخيمها وتعظيمها، والهوس بالذات ممارسات شائعة. ويُحاط تعريف المساواة بنوعٍ من الرومنسية الهائمة التي يمكن تلخيصها بأنها تؤكّد على "ضرورة أن تتعامل جميع القوى مع هذا البلد على قدم مساواة معها".

في السلوك الداخلي والدولي على السواء، حسّ التكافؤ مفقود في التصريحات والأحكام التي تُطلَق، ويُنظَر إلى الوضوح والصراحة على أنهما من ضروب السذاجة. وتُحاط جميع المسائل تقريبًا بالالتباس عمدًا. ويقود الاعتراف باقتراف الهفوات إلى فقدان النفوذ، فكم بالأحرى ارتكاب الأخطاء الفادحة.

لعل الجانب الأكثر إشكالية في استخدام أكباش الفداء هو أنه يجسّد وجهًا من أوجه الإخفاء والتكتّم. فقبول الواقع يجب أن يكون مشوَّشًا وضبابيًا. يتقبّل المواطنون تدريجيًا أن جميع الأخطاء تحدث بمعزل عن الأفراد وذهنياتهم وقراراتهم، أي بعبارة أخرى، يتعلّمون تجنّب تحمّل مسؤولية أفعالهم. وفي هذا الصدد، من المثير للاهتمام أن كلمة "واقع" ليس لها مصطلح متعارَف عليه يقابلها باللغة الفارسية. فعند التحضير لاستخدام أكباش الفداء، تُعدّ الأفكار المجرّدة أكثر ملاءمة بكثير من الوقائع والملاحظات والعلوم. فترويج الأوهام وإخفاء الحقائق يتفوّقان إلى حدٍّ كبير على تحمّل المسؤولية والالتزام. ومن أجل فهم خطأ أو إخفاق أو كارثة أو انهيار، يجب البحث عن أسباب خارجية، مثل قدر الإنسان أو أيادٍ خفيّة أو الحكومة أو بلدان أخرى، أو بالطبع الإمبرياليين والقوى العظمى.

في الأزمنة العادية، يسود الرضا الدائم عن الذات في المشهدَين السياسي والاجتماعي. فعلى مر العقود، ونتيجة الغياب شبه التام للتقييم الذاتي، انطبع التاريخ الإيراني بانعطافات حادة مفاجئة وإدراك فجائي للأزمات.

 

......................

طالع أيضا

أثر خمس روايات فارسية على ثقافة الإيرانيين الشعبية

شعب إيران بين شقي رحى نظام الملالي والإدارة الأمريكية

عقول إيرانية جميلة - من عمر الخيام إلى مريم ميرزاخاني

الإعدام في إيران...ردع تام ورعب من شبح تقويض النظام

......................

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة