البروفيسور مصطفى أوزتورك وحق نقض الأفكار في الإسلام

نصر حامد أبو زيد في تركيا؟

رغم قوله إن عدد المدافعين عن حريته الأكاديمية الفكرية فاق عدد المشهِّرين به استقال بروفيسور التفسير مصطفى أوزتورك -الذي حاوره سابقا موقع قنطرة- من جامعة في إسطنبول بعد ضغط كبير من بعض الأوساط الدينية، لتأييده نسخة من الإسلام اعتبروها "تجديفاً". الصحفية التركية عائشة كارابات تنقل ما حدث إلى موقع قنطرة.

انقسم المجتمع الفقهي الإسلامي في تركيا قسمين بعد تصريحاتِ البروفسور المتخصّص في تفسير القرآن مصطفى أوزتورك المثيرةِ للجدلِ واستقالته لاحقاً من إحدى جامعات إسطنبول.

فبينما يجادلُ البعض بأنّ تصريحاته ينبغي أن تُعتّبرَ حريةً أكاديميةً، اتّهمه البعض الآخر باستحداث دين جديد، حتى أنهم شكّكوا في قدراته كخبير ديني. ويتهمُ الطرف الأولُ الطرف الثاني بتأسيسِ نوعٍ من محاكمِ التفتيشِ الإسلاميةِ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، بينما يتهمُ الطرف الثاني الطرف الأولَ بدعمِ وتشجيعِ الارتداد عن الدين.

بأفكاره غير المتشدّدةِ، شكّل أوزتورك شخصيةً مثيرةً للجدلِ داخل المجتمعِ وأوساطِ المعرفةِ لفترةٍ طويلةٍ من الزمنِ. وقد تعرّض لإساءاتٍ لفظيةٍ وحتى لتهديداتٍ بالقتلِ في الماضي. وفي 2 كانون الأول/ديسمبر (2020)، استقال مصطفى أوزتورك من كليةِ الإلهيات في جامعة مرمرة بعد حملةٍ كبيرةٍ ضده مؤخراً. وقد قبلت الجامعةُ استقالته مباشرةً؛ ثم بدأت في إزالةِ كل ما يمكن أن يشيرَ إلى وجوده فيها.

رسم تخيُّلي لشكل ابن سينا. (source: wikimedia.org; Creative Commons CC0 1.0 Universal Public Domain Dedication)
المنهجُ "التجديفي" لابن سينا في التفسيرِ القرآني: "يوجدُ مفهومُ الحب. إنّ الله يمنحُ الحبَ للناسِ. ولكن أحياناً يعبّر الناس عن هذا الحبِ بالشعاراتِ وأحياناً أخرى بالقصائدِ. فهم يصوغون جُملاً تُظهِرُ هذا الحبَّ. فمصدر الحب هو الله، بيدَ أنّ الطريقةَ التي يعكسُ بها الشخص هذا الحب تعتمدُ على حالته العاطفيةِ في تلك اللحظةِ، وخبراته الحياتية وحوافزه. وكما أنّ مصدر الحب هو الله، كذلك فإنّ الوحي قد نزل على النبي محمد، من دون ريب" كما يقولُ أوزتورك.

ولا تشكّلُ أفكارُ أوزتورك حول كيفيةِ نزولِ القرآن على محمد موضوعَ نقاشٍ جديدٍ بين العلماء المسلمين. فالفيلسوفُ والعلامةُ ابن سينا كان أولَ من وضع أُسس طريقةِ التفكيرِ التي لا يزال يتبعها ويناقشها أوزتورك والعديد من العلماء الآخرين اليوم.

وبخلاف المقاربةِ التقليديةِ، فهم يشيرون إلى أنّ جوهر القرآن إلهي ومن الله، بيد أنّ خطابه من النبي محمد. وهذا نقاشٌ فلسفي للغايةِ ولا يمكن عملياً لغير المختصين بالفقه فهمه.

وحين طلب موقع قنطرة من البروفسور أن يشرح هذا الأمر بأبسط ما يمكن، قال أوزتورك: "لدينا مفهومُ الحب. إنّ الله يمنحُ الحبَ للناسِ. ولكن أحياناً يعبّر الناس عن هذا الحبِ بالشعاراتِ وأحياناً أخرى بالقصائدِ. فهم يصوغون جُملاً تُظهِرُ هذا الحبَّ. فمصدر الحب هو الله، بيدَ أنّ الطريقةَ التي يعكسُ بها الشخص هذا الحب تعتمدُ على حالته العاطفيةِ في تلك اللحظةِ، وخبراته الحياتية وحوافزه. وكما أنّ مصدر الحب هو الله، كذلك فإنّ الوحي قد نزل على النبي محمد من دون أدنى شك".

ووفقاً لأوزتورك فإنّ التفكيرَ بهذه الطريقة يساعدُ في حلِّ بعض المشاكلِ التاريخيةِ مثل مفهوم العبوديةِ في القرآن.

ففي تعليقٍ لأوزتورك في حوار سابق مع موقع قنطرة قال: "إنْ أخذنا العبودية، التي ورد ذكرها في القرآن، على سبيل المثال: فإن فكّرنا كما يفكّرُ التقليديون، فيمكننا أن نؤكد أنه لا يمكن إلغاء العبودية لأن الله قد ذكرها في القرآن. ومع ذلك فإنّ العبودية ليست معياراً عالمياً. آنذاك، لم يكن من الممكن إلغاؤها. بيد أنّ الدين اقترح أنسنةً للنظام وتنظيمه فحسب".

وقد تعرّضَ أوزتورك أساساً للهجومِ في عام 2019. حتى أنّه فكّر بالسفرِ باضطرار ذاتيّ إلى منفى ما، بيد أنّه لم يفعل ذلك.

 "هذه المرة، أنا متعبٌ لدرجةِ أنني لا أقوى على مجابهتهم"

بدأت الحملةُ الأخيرةُ ضده حين انتشرَ مقطع فيديو له، يعود لسنتين مضت، على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي في بدايةِ كانون الأول/ديسمبر (2020). ويظهرُ أوزتورك في مقطعِ الفيديو وهو يتحدثُ مع أصدقائه ويحاولُ أن يشرحَ أفكاره. ويقولُ بعض النقّادِ إنّ ذلك قد حدث بطريقةٍ غريبةٍ.

فهاشتاغ MustafaOzturkİhraçEdilsin# (فَلْيُطْرَدْ مصطفى أوزتورك) سرعان ما أصبح من المواضيعِ الأكثر رواجاً على تويتر، وبقي كذلك لفترةٍ طويلةٍ من الزمنِ. زعمت معظم تغريداتِ الهاشتاغ، والذي جمع أكثر من 44 ألف تغريدة، أنّ أفكاره تجديفية وأنه لا ينبغي أن يكون على جدولِ رواتبِ الدولةِ بوصفه أكاديمياً في جامعةٍ حكوميةٍ.

 

 

وفي الهاشتاغ إشارة إلى طردِ أكثر من 125 ألف موظف مدني، أغلبهم من قواتِ الشرطة والجيش ومن الأوساطِ الأكاديميةِ، من مناصبهم في أعقابِ محاولةِ الانقلابِ في عام 2016 في تركيا.

شِرْك أم حرية تعبير في الأوساطِ الأكاديميةِ؟

ومن بين هذه التغريدات تغريدةٌ لأحمد محمود أونلو، المعروف باسم جُبِّلي أحمد حُجَّة. وأونلو أحد أبرز قيادات جماعة إسلامية في تركيا على الرغم من أنه لم يكمل سوى تعليمه المدرسي الإعدادي.

وحتى أنه اشتُهِر بنصحه أتباعه بشراءِ نوعٍ معينٍ من الأسمنتِ، قال بأنه سيحمي المدفون تحت الأرضِ من جهنم. وقد شارك متابعوه على تويتر، الذين يزيدُ عددهم عن 306 ألف متابعٍ، في الحملة على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي ضد أوزتورك. وفي تغريدته، زعم جُبِّلي أنّ مطلب طردِ أوزتورك هو "مطلبُ الملايين"، بيد أنّ كل ما فعله متابعو جُبِّلي هو إعادة نشرِ تغريدته أو نشر رسائل مشابهة فحسب. وسرعانَ ما انتقلت القضيةُ من تويتر إلى وسائلِ الإعلامِ التقليديةِ، ولم تتردد وسائل الإعلام المواليةِ للحكومةِ في تصعيدِ العداءِ ضد أوزتورك.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة