جبل تومور ، في جنوب غرب ألبانيا ، يتم فيه إحياء ذكرى عباس بن علي  - وليّ مسلم توفي في معركة كربلاء في القرن السابع.

البكتاشية طائفة شيعية صوفية بألبانيا
ألبانيا بين إسلام وإلحاد وعلمانية

رغم شرب الخمر أكثر من أداء الصلاة في ألبانيا ذات الأغلبية السنية وعيش معظم مسلميها حياة علمانية: قاتل أكثر من مئة ألباني لحساب تنظيم داعش. استيضاح كارين فينغر وفيليب بروي من تيرانا وتومور لموقع قنطرة.

لا يمكن إغفال اللوحة الكبيرة ذات الإطار السميك التي تظهر النبي محمدا وابنته فاطمة وزوجها الخليفة علي. بالنسبة لحراس العقيدة في مكة وطهران، فهذا يعد تجديفاً مقيتاً، لكن إدمون براهيماج لا يهتم كثيرًا بحرمة الصور في الإسلام. إنه الزعيم الروحي لمسلمي البكتاشية، الذي يسميه الجميع بابا موندي، ويجلس تحت اللوحة في مقر هذه الطريقة الصوفية في تيرانا ويقول: "هؤلاء والديّ. وتعليق صور لعائلته أمر عادي تمامًا". التسامح هو أحد أكبر مبادئ أنصار الشيعة البكتاشية، الذين لا ترتدي النساء لديهم الحجاب ويصلين مع الرجال في دار العبادة، (المسماة) التكية.

لدى بابا موندي (شيء) مهم لهذا المساء من شهر أغسطس / أب 2020: فقد بدأ للتو موسم الحج الذي يستمر لمدة خمسة أيام، حيث يشق الآلاف من الألبان طريقهم من جميع أنحاء البلاد، في سياراتهم المخصصة للطرق الوعرة وسيارات المرسيدس القديمة، صعودا عبر مسار مدرج مليء بالمطبات، وعلى قمة جبل تومور في جنوب ألبانيا. وفوق القمة يمتزج ضجيج المحركات بموسيقى صاخبة، وتتنزه عائلات على المروج وأمام الخيام التي سينامون فيها. المزاج العام هو مزيج من احتفال عائلي ومهرجان في الهواء الطلق.

بجوار أكشاك السوق على الجبل، يجلس الولي جنبًا إلى جنب مع الناس العاديين: وعلى بعد طاولة من الهدايا التذكارية مع أيقونات للإمام الحسين يبيع التجار علب البيرة والراكي، وهو نوع من مشروب العَرَق (البوظة) به نسبة كحول عالية.

الكحول بين أتباع الطريقة أو الطائفة الشيعية البكتاشية مسموح به من أعلى سلطة - ففي قاعة الاستقبال عند بابا موندي بمدينة تيرانا، معروض داخل نافذة زجاجية (فاترينة)، اثنتان من "قوارير الورك" -وهي عبارة عن قوارير صغيرة مسطحة مخصصة للكحوليات- كانتا تخصان دراويش سابقين راحلين.

إدمون براهيماج  الزعيم الروحي لمسلمي البكتاشية الشيعية الصوفية في ألبانيا. Edmond Brahimaj, a.k.a. Baba Mondi, spiritual leader of the Bektashi Muslims (photo: Philipp Breu)
التسامح من أهم مبادئ الطائفة البكتاشية الشيعية الصوفية، فعندهم لا ترتدي النساء الحجاب ويصلين سوية مع الرجال في التكية، مكان العبادة. شرب الكحول مسموح به من أعلى سلطة. في قاعة الاستقبال عند بابا موندي في تيرانا، تعرض في صندوق زجاجي "فاترينة" اثنتان من "قوارير الورك"، كانتا تخصان دراويش سابقين. أمّا عدد الناس الذين لا يزالون يسمون أنفسهم بكتاشي اليوم فهذا هو موضوع مخلتف عليه. يدعي بابا موندي أن نصف سكان البلاد البالغ عددهم ثلاثة ملايين تقريبًا يتبعونه. وبحسب إحصاء، فإن هناك 60 ألف شخص (يتبعون البكتاشية)، لكن خُمس من تم استجوابهم لم يذكروا انتماءهم الديني.

وقد تم دفن بعض الدراويش على جبل تومور. وفي مزاراتهم أو مقاماتهم، يقوم رجال يرتدون سراويل قصيرة ونساء يرتدين سراويل أقصر بوضع صور لأقاربهم ويتوسلون متضرعين إلى الدراويش الموتى بأن يباركوهم.

فيما بعد، تختار كل عائلة شاةً يقوم الجزارون بذبحها في شارع المذبح. ويغمس الحجاج أصابعهم في الدم المسفوح ويضعون بقعة على جباههم، ويقولون إن هذا يجلب الحظ السعيد وإنهم اعتادوا دائما القيام بهذا الأمر. ويعتمد موسم الحج على التقاليد الموروثة أكثر من التدين الشديد (العميق).

اللعب بهويات مختلفة

على جبين فستيم شاميتاج طُبعت بصمة أصبع بالدم، وحول عنقه يتدلى صليب ذهبي بارز (لا تخطئه عين)، (إنه) هدية من أخت زوجته المسيحية. ويقول: "سواء كان الله أو يسوع، لا يهم".

الأقلية البكتاشية المبتدعة المهرطقة، التي تشبه العلويين بتركيا، تنسجم مع ألبانيا: فالأغلبية السنية تتعايش معهم (مع البكتاشيين) في سلام، وكذلك مع الكاثوليك والمسيحيين الأرثوذكس. والأعياد المشتركة والزيجات المختلطة شائعة على نطاق واسع.

وفي ألبانيا، تلك الدولة المرشحة رسميًا لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 2014، يمكنك دائمًا العثور على أشخاص يصفون أنفسهم بأنهم نصف مسلمين ونصف مسيحيين.

في عام 2014 ، قال البابا فرانسيس إن التسامح الديني للأمة البلقانية هو مثال يحتذى به في العالم. فهذه الدولة المتسامحة هي أيضًا الأكثر علمانية في العالم الإسلامي: وفقًا لاستفتاء أجراه معهد غالوب لاستطلاع الآراء، فإنه من بين جميع البلدان ذات الأغلبية المسلمة فإن ألبانيا لديها أعلى نسبة من الأشخاص الذين يعتبرون الدين غير ذي صلة وليس له علاقة بحياتهم اليومية.

وتجلت المرونة الدينية واضحة هنا بالفعل في أواخر العصور الوسطى، عندما تكرر النزاع على ألبانيا بين الغرب والشرق. فعندما انتصر الغرب، اعتنق اللوردات الإقطاعيون الكاثوليكية، وعندما حكمت الإمبراطورية البيزنطية دعموا الكنيسة الأرثوذكسية. وفي القرن السادس عشر، في ظل الحكم العثماني، اعتنقت قطاعات كبيرة من السكان الإسلام، بعضهم عن قناعة، والبعض الآخر إما تحت الإكراه أو بسبب مغريات محفزات اقتصادية.

لعبت الطريقة البكتاشية دورًا مهمًا في الأسلمة: إذ كانوا الرفقاء الروحيين (رفقاء الروح) لجنود الإنكشارية وهؤلاء الأخيرون هم قوات النخبة بالجيش العثماني. أما عن عدد الناس الذين لا يزالون يسمون أنفسهم بكتاشيين حتى اليوم فهو أمر مثار جدل. يدعي بابا موندي أن نصف سكان البلاد البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة تقريبًا من أتباعه. وبحسب التعداد السكاني، فعددهم 60 ألف شخص، لكن خُمس من تم سؤالهم لم يذكروا انتماءهم الديني.

القمع في أول "دولة ملحدة" في العالم

في التاريخ الحديث، حدد الديكتاتور الشيوعي أنور خوجة على وجه الخصوص شكل (توجه) البلاد. ففي عام 1967 أعلن خوجة ألبانيا أول "دولة ملحدة" في العالم، حيث قام باعتقال أو إعدام المؤمنين المتدينين؛ وقام بمصادرة أو تدمير الكنائس والمساجد والتكايا البكتاشية.

كان نشاط خوجة المناهض للدين كبيرا (جدا) لدرجة أن ستالين نفسه حذره من الإساءة إلى المشاعر الدينية للناس.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة