وبالنسبة للتونيسيين الكبار في السن، على وجه التحديد، فإن هذا الإرث الموسيقي هو مصدر فخر كبير. وكما يقول علي، وعمره 80 عاماً، بفخر: "الجنوب مليء بالشعر، يعيش الناس هنا ويتنفسون الشعر". ففي قريته القصبة، ما تزال مجموعات الطايفة تزداد قوة رغم حقيقة أن الفن ذاته يتلاشى. تقليدياً يورّث الآباء مهاراتهم لأبنائهم ويعلمونهم كيف يعزفون على الطبلة ويغنون ويكتبون شعراً ويرتجلون.

لا يزال عازفو الطايفة الذين ينتمون إلى الجيل الأقدم يعلّقون مكانة وقيمة كبيرة على غنائهم. فكما يتذكر ضو، وهو الآن في العقد الثامن من عمره: "كنا أحياناً نغني للرئيس بورقيبة في عيد ميلاده في مدينة منستير، أغانيَ حول كيف جلب الاستقلال إلى تونس، وحول عمله بجد وحول كم كان متواضعاً وشجاعاً". ما زال كبار السن يعتبرون الغناء للرئيس على أنه امتياز عظيم، لا لشيء إلا لأنه يحمل مكانة هامة في ذكرياتهم.

كما جاء الفخر من الشعور بأنهم موكلون من قبل الله بمهمة تذكّر وسرد أحداث الماضي. والأكثر من ذلك، فقد عنى ذلك أنهم يستطيعون سدّ حاجة عائلاتهم. وكما أشار أحد الرجال: "تمكنت من إرسال جميع أولادي الستة إلى المدرسة وإلى الجامعة بفضل "الطايفة"". لقد حظي عازفو الطايفة بتقدير كبير في مجتمع السود وغالباً ما استثمروا أرباحهم في التحسينات الاجتماعية.

اختلافات بين الأجيال

غير أن الجيل الشاب ينظر اليوم إلى الطايفة بطريقة مختلفة، حيث كانت في أحد الأيام مصدراً لفخر السود -في مرحلة ما بعد العبودية- المقسمين من خلال الطبقة والمنطقة لكن المتحدين بالوضع الاجتماعي المتدني، في حين بات الجيل الشاب يراها اليوم كجزء من الهيكل الذي يديم عدم المساواة ويعزز العلاقة الأبوية القائمة بين البيض والسود.

الرئيس التونسي المؤسس الحبيب بورقيبة.  Foto: dpa
غناء الطايفة لتكريم رئيس تونس، كما يتذكر ضو البالغ الثمانين من عمره الآن: "كنا أحياناً نغني للرئيس بورقيبة في عيد ميلاده في مدينة منستير، أغانيَ حول كيف جلب الاستقلال إلى تونس، وحول عمله بجد وحول كم كان متواضعاً وشجاعاً". ما زال كبار السن يعتبرون الغناء للرئيس على أنه امتياز عظيم، لا لشيء إلا لأنه يحمل مكانة هامة في ذكرياتهم.

{بدأ العبيد المحررون من كل أنحاء تونس بالعمل في الموسيقى، فقد كانت الموسيقى مهنة بقيت أبوابها مشرّعة أمام كل السود. وكان وجود العديد من الاحتفالات والمهرجانات يعني أن الموسيقى موضع طلب كبير، ونظراً لتدني الوضع الاجتماعي الممنوح للموسيقيين، قلما واجه السود منافسة من بقية السكان.}

فعلى سبيل المثال، رفض ياسين، الذي يبلغ من العمر 29 عاماً، أن يصبح من مغني الطايفة على الرغم من أن والده كان واحداً منهم. يقول: "يحافظ البيض على الطايفة لأنهم ما زالوا ينظرون إلينا على أننا عبيد. هم يريدون أن نُشيد بهم. أحياناً تقول الأغاني <انظري كم أنتِ محظوظة، لتتزوجي رجلاً أبيض كهذا>". يستهجن ياسين مثل هذا الخضوع المهين. إذاً فليس من المستغرب أن تسمع أحد عازفي الطايفة وهو يرثي: "الأجيال الشابة لا تريد غناء الطايفة بعد الآن".

ذات مرة، ابتكر عازفو الطايفة وغيرهم من الموسيقيين السود مكاناً مهنياً لأنفسهم كان متدنياً اجتماعياً، إلا أنه كان مربحاً اقتصادياً. فقد أُعيد استثمار المكاسب الاجتماعية والاقتصادية التي حققوها في عائلاتهم ومجتمعاتهم، وتُرجِمت إلى استراتيجيات التحرر التي مكّنت أجيال اليوم الشابة.

ومع ذلك فإنه مُقَدَّر أن تسلك هذه الأجيال طريقها الخاص. فيرفضون الطايفة بربطها بماضي العبودية ويعتبرونها انعكاساً لعدم التمكين وللتهميش المستمرين للتونسيين السود. إنهم يسعون نحو شيء أفضل.

 
 
مارتا سكاليوني
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: أوبين ديموكراسي / موقع قنطرة 2019
 
مارتا سكاليوني هي طالبة دكتوراه في جامعة بايرويت في ألمانيا وجامعة ميلانو-بيكوكا في إيطاليا.
 
 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : إرث ذوي البشرة السوداء المر في تونس

مقاربة جريئة لموضوع تسكت عنه كثير من المجتمعات.
للسود في العراق (البصرة) وموريتانيا، وحضرموت ودول خليجية أخرى
قصص حزينة، لكنها تقع دائما في المنطقة المسكوت عنها
الكتاتبة حاولت هنا أن تسلط الضوء على عالمهم
لكنها بقيت نائية عنهم، ولم تستطع أن تتوغل إلى عمقالمشكلات
للأسف معالجة سطحية لموضوع بالغ الأهمية

محمود العباسي29.01.2019 | 08:02 Uhr