تتلقَّى المؤلفة رسائلَ من قرَّاء عراقيين، يأسفون على هذا الظلم الذي تعرَّض له اليهود في العراق، ويكتبون: "لقد حان الوقت أخيرًا من أجل الاعتراف بمساهمة اليهود في تطوير العراق الحديث والمتسامح". وحتى أنَّ شاعرًا عراقيًا قد خصَّص لها ولبطلتها نورية قصيدة يقول فيها مشتكيًا [ما معناه]: "كم هي كثيرة الذكريات التي رميناها. كم هي كثيرة، وكم هي عديدة".

 

مبانٍ قديمة في الحي اليهودي في بغداد - العراق.  (photo: DW/M- Al-Saidy)
بعد تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948، ازدادت أكثر أعمال القمع ضدَّ اليهود في العراق. أصدرت الحكومة العراقية قانون إسقاط الجنسية، الذي مكَّن اليهود من الهجرة إلى خارج العراق بشرط تخليهم عن جنسيَّتهم العراقية وممتلكاتهم في العراق. وإثر ذلك فقد غادر العراق تقريبًا جميع اليهود العراقيين البالغ عددهم (حينها) نحو مائة وعشرين ألف نسمة.

قام "مركز تراث يهود بابل"، الذي تأسَّس عام 1973 في بلدة أور يهودا بالقرب من تل أبيب، بمنح جائزته الثقافية في عام 2017 إلى تسونيت فتال كوبرفاسر. فقد حصلت على هذه الجائزة مع الممثِّل والمخرج التلفزيوني المولود في بغداد عام 1940، ياكار سيماتش، الذي فاز بالجائزة أيضًا عن عمله الأدبي الأوَّل.

في روايته "في المحنة تزهر النبتة" المكتوبة حولة سيرة ذاتية، يروي ياكار سيماتش قصة أسرته ونشاطها السرِّي في الحركة الصهيونية داخل العراق. وأيضًا في البيئة العراقية-الصهيونية، تجري أحداث روايته الثانية المنشورة عام 2018 "كلير، أنت مازوزتي" [المازوزة هي لفافة ورق صغيرة فيها كلمات من التوراة، يتم وضعها في سَاكِف الباب]. تصف هذه الرواية هجرة شابين بغداديَّيْن إلى فلسطين وحياتهما بين الكيبوتس [أي: المستوْطَنة] والمدينة في دولة إسرائيل الناشئة.

ومثل ياكار سيماتش، يلجأ باستمرار المزيد من الإسرائيليين الأكبر سنًّا والمنحدرين من العراق إلى القلم من أجل معالجة تجاربهم الخاصة أو تجارب آبائهم وأسلافهم في العراق في قصص خيالية تاريخية. ومن بين هؤلاء المؤلفين المهندس "عزرا زافاني"، البالغ من العمر أربعة وستين عامًا. وهو مولودٌ في إسرائيل مثل تسيونيت فتال كوبرفاسر ويحاول مثلها - في روايته المنشورة في عام 2016 "مُطرِّزة الحلم البغدادية" - أن يستحضر أدبيًا حياة اليهود البغداديين البسطاء، انطلاقًا من شخصية الشابة الواثقة في نفسها جولييت التي تعمل في التطريز.

جوانب مظلمة في العلاقة بين اليهود والمسلمين

بيد أنَّ رواية عزرا زافاني تُركِّز أكثر على العلاقات المتغيِّرة بين اليهود والمسلمين في مدينة بغداد. وأبطال روايته اليهود يتحرَّكون أيضًا في أحياء مختلطة. إلى جانب التعايش السلمي بين اليهود والمسلمين في بغداد - مثلًا، جولييت لديها العديد من الزبونات المسلمات - تلقي رواية عزرا زافاني الضوء أيضًا على بعض الجوانب المظلمة في العلاقة بين المسلمين واليهود.

 

 

على سبيل المثال، نقرأ هنا حول تورُّط شاب يهودي من دون إرادته في أعمال اتّجار بالنساء يديرها مجرمون مسلمون، أو حول تجارب خاضها في السجن شباب صهاينة عراقيون، يتم وصفها من دون رثاء بطولي. تنتهي القصة هنا في هذه الرواية أيضًا بالهجرة الجماعية لشخصيات الرواية اليهود إلى إسرائيل. كما أنَّ عزرا زافاني يعمل بالفعل على كتابة قصة ثانية، وهي قصة حبٍّ بين ناشطة صهيونية شابة وشاب مسلم في بغداد الأربعينيات.

لقد اعترفت وزارة الخارجية الإسرائيلية بهذا الاتِّجاه العام وأنشأت صفحة على موقع فيسبوك اسمها "إسرائيل باللهجة العراقية". تتناول هذه الصفحة بالإضافة إلى القواسم الثقافية المشتركة، أيضًا موضوع صدمة اليهود العراقيين، التي تم التعبير عنها مثلًا في الفيلم الوثائقي "ظِلٌّ في بغداد" (2013).

في هذا الفيلم، تستعين الصحفية الإسرائيلية المولودة في عام 1950، ليندا منوحين عبد العزيز، بمساعدة زميل عراقي يبقى من دون الكشف عن هويته، من أجل البحث ولكن من دون جدوى عن آخر آثار والدها، الذي اختفى من دون أي أثر في عام 1972 في بغداد. توجه كلامها في هذا الفيلم إلى المشاهدين العراقيين بقولها: "أهيب بكم أيها الإخوة العراقيين، لتوفير معلومات عن أبي المحامي يعقوب إبراهيم عبد العزيز". إنهم إخوةٌ من ماضٍ منصرم، لكنه لا يزال حيًّا.

 

 
 
جوزيف كرواتورو 
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 
 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.