فلنتخيل أن هناك شاباً وفتاة مصرييْن في سن الـ 18. يشاهد الفتى في التلفزيون شبابًا في مثل سنه يشربون الخمر ويدردشون مع الفتيات، ويتصرفون ضد إرادة آبائهم ويغادرون المنزل في سن الـ 18 للسكن في مكان آخر، ويغيّرون عقيدتهم ويستكشفون العالم بأنفسهم.

والفتاة ترى أمثالها يتجولن في الأنحاء بالشورت بدون مشاكل، ويتقرَّبن إلى أصدقائهن في العلن، ويسافرن مع صديقاتهن خارج البلاد بدون إشراف، ويبحثن عن وظيفة بجانب الدراسة ويقررن بشأن مستقبلهن. ثم يغلق الشاب والفتاة شاشات التلفزيون ويتعيَّن عليهما مواجهة واقع المجتمع المصري.   
 
"أنت لا تعرف مصلحتك، مازلت صغيرًا، لذا عليك أن تسمع كلامي"

إن الشباب في المجتمع المصري لا يثورون بتصرفاتهم ضد آبائهم فحسب (وهو أمر طبيعي في مرحلة سنية معينة)، بل كذلك ضد أعراف وعادات اجتماعية قديمة قدم الدهر. 

ثم يشكو الآباء ويقارنون وضعهم في شبابهم بوضع أبنائهم، ويتوصلون في النهاية إلى النتيجة المعتادة والتي يمكن تلخيصها في العبارة الآتية: "لم نكن صعاب المراس إلى هذا الحد". ولكنّ التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هي مسألة إرادة أن يتصرَّف شخصٌ على نحوٍ معين لأنه لا يعرف بدائل أخرى؟

أب وَ أم مع طفلهما في ماكدونالدز في الإسكندرية.  © Goethe-Institut Kairo/Sandra Wolf
هكذا يتولَّد الصراع بين الآباء والأبناء: "الآباء المساكين يواجهون في وقت ما صعوبة في تحمُّل كل هذا، أولئك الذين كانوا يرون في ماك دونالدز ومايكل جاكسون والجينز أقصى درجات العصرية. ومن منطلق المَثَل "ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه"، يشعر الجيل الأكبر سنًا باليأس والغربة إزاء الوتيرة السريعة والطبيعة المادية للقرن الـ 21. وبالتالي يحاولون تربية أبنائهم وفقًا لأسلوب حياتهم القديم، أو "الصحيح" من وجهة نظرهم. غير أن الأبناء يرفضون العيش في زمانٍ غير زمانهم، وهو ما يخيب أمل الآباء بشدة. وهكذا يتولَّد هذا الصراع بين الآباء والأبناء منذ السنوات المبكرة، ويتفحَّل إبَّان سنوات المراهقة، حتى أنه يتسبب في بعض الأحيان في حدوث "تنافر" دائم بين الطرفين.

العالم يتغير، وعلى أساليب التربية أن تواكب هذا التغيُّر  

تضع الثقافات الشرقية، بما فيها الثقافة المصرية، أهمية كبيرة على سلوك الأبناء تجاه الآباء، وذلك لأسباب دينية في المقام الأول. إلا أن هناك مفهوماً خاطئاً شائعاً بين المصريين والمصريات يختزل حسن السلوك في الطاعة، وتحديدًا في الطاعة العمياء. 

"أنت لا تعرف مصلحتك، مازلت صغيرًا، لذا عليك أن تسمع كلامي"، إنها أشهر العبارات المستخدمة من قبل الآباء المصريين التقليديين، ولكنهم يغفلون في هذا الصدد عن حقائق أخرى هامة؛ أولها أن الجيل الحالي وُلِد بأعينٍ مفتوحة، وأننا نعرف بالفعل أكثر بكثير عن العالم، مقارنة بما كانوا يعرفونه وهم في مثل سننا. وأن طفولتنا لم تكن في منتهى البراءة والسذاجة سوى في السنوات القليلة الأولى من حياتنا، وهي ظاهرة طبيعية في القرن الـ 21. 

وليست قضيتنا الآن أن نحدد ما إن كانت ظاهرة حسنة أم سيئة، الشيء الأهم هو أن الجيل الحالي، لنقل من سن 16 سنةً مثلًا، بحاجة إلى خبرة في المقام الأول وليس إلى معرفة. ولكن آباءنا الأعزاء يريدوننا أن نظل قابعين في المنازل ونستذكر دروسنا المدرسية فحسب. من أين سنحصل على الخبرة إذن؟

لهذا بالتحديد يشعر أغلب الشباب المصري بالضياع والحيرة بعد التخرُّج من المدرسة، بل وبعد التخرُّج من الجامعة أيضًا في بعض الأحيان، وذلك لأنهم لم يكتسبوا أية خبرات عملية عن "العالم الخارجي" سواء في المدرسة أو حتى في المنزل.
 
التربية البديلة  

ينبغي على الآباء تشجيع أبناءهم على استكشاف العالم بدلاً من البقاء في المنزل للمذاكرة يوميًا من أجل اختبارات الثانوية العامة. ينبغي عليهم أن يسمحوا لهم بارتكاب الأخطاء وأن يتوقَّفوا عن انتقادهم باستمرار.

"يحبنا آباؤنا حين نفعل الصواب فقط." أو "كثيرًا ما أشعر بالخوف من أبي وأمي"، هكذا هو شعور العديد من الأبناء في مصر، لأن آباءنا غالبًا ما يقابلون أخطاءهم بعدوانية لفظية وجسدية.

ما من شك أن الآباء يحبون أبناءهم حتى وإن ارتكبوا الأخطاء، ولكنهم ينسون أنه ينبغي التعبير عن الحب وإظهاره، بما في ذلك حب الآباء للأبناء.

ومن هنا تنشأ فجوةٌ بين الآباء والأبناء، فيلتمس الأبناء المشورة لدى أشخاص آخرين من الكبار، كالمعلمين على سبيل المثال. ثم يشتكي الآباء أن أبناءهم لم يعودوا يخبرونهم بشيء، وبدلًا من أن يتناقشوا معهم لحل المشكلة بهدوء، يصبح الآباء متشككين وبالتالي أكثر عدوانية، لتبدأ القصة برُمّتها من جديد وكأنهم يدورون في حلقةٍ مفرغة. 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.