التمييز العنصري في ألمانيا
ألمانيا ليست قدوة لأمريكا في مناهضة العنصرية

تكفير ألمانيا عن فظائعها النازية ومعالجة الألمان لماضيهم النازي - كثيرا ما يُمدَح ذلك، ولكن في ألمانيا: لا تزال توجد هياكل تتيح المجال للممارسات العنصرية وتربط الكينونة الألمانية بالبشرة البيضاء. فهل الألماني هو ألماني الحياة في ألمانيا أم ألماني اللون الأبيض؟ تحليل الباحثة في شؤون العنصرية أورسولا موفيت.

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات كثيرة تشيد بألمانيا باعتبارها قدوة حسنة في التعامل مع فظائع ماضيها النازي. هذه الرؤية ليست جديدة، ولكنها اكتسبت رواجًا أوسع منذ إسقاط نُصُب تذكارية تُخلد ذكرى جنرالات من الولايات الجنوبية الأمريكية وزعماء استعماريين وغيرهم من حقبة الحرب الأهلية الأمريكية.

منذ أن أدَّت الانتفاضات الطلابية في ستينيات القرن العشرين [في ألمانيا] إلى كسر الصمت المثقل بفظائع الحقبة النازية، أُقيمت العديد من النصب التذكارية لتخليد ذكرى الهولوكوست (المحرقة) وتم تحويل معسكرات الاعتقال النازية السابقة إلى مؤسَّسات تعليمية.

ما من شكّ في أنَّ هذه القرارات كانت صحيحة. ومع ذلك بينما نتصارع اليوم بشكل جماعي مع السؤال حول كيفية مشاركتنا في تشكيل المستقبل، تثبت ألمانيا حاليًا أنَّ التكفير عن خطايا الماضي لا يفيد كثيرًا إذا لم يتم تفكيك الهياكل التي سمحت باقتراف تلك الفظائع.

عدم مناقشة التاريخ الاستعماري الألماني

كنت قبل نحو عشرين عامًا طالبة في مشروع تبادل أكاديمي في ألمانيا وقد سكنت لدى عائلة ألمانية-تركية ساعدتني في التخلص من صورتي عن ألمانيا كدولة خالية من التنوُّع الثقافي. انتقلت بعد أعوام إلى برلين للإقامة فيها لعام واحد، ولكن مكثت فيها ثمانية أعوام. في الخريف الماضي (2019) عدت إلى الولايات المتَّحدة الأمريكية بعد حصولي على درجة الدكتوراه. وكان موضوع أطروحتي هو هوية ألمانيا الوطنية فيما يتعلق بالعرق والعنصرية.

 

الباحثة في شؤون العنصرية أورسولا موفيت.   Foto: privat
ترى الباحثة في شؤون العنصرية أورسولا موفيت أنَّ ألمانيا تثبت حاليًا أنَّ التكفير عن خطايا الماضي النازي لا يفيد كثيرًا إذا لم يتم تفكيك الهياكل التي سمحت باقتراف تلك الفظائع. وتطالب بـ "نقاش ثقافي وسياسي جديد - ليس فقط حول الهولوكوست، بل حول المساواة المباشرة بين مفهوم الكينونة الألمانية والكينونة البيضاء".

 

كنت أعمل أثناء عملي على الدكتوراه في تدريس طلَّاب قسم المعلمين في جامعة بوتسدام [الألمانية]، مع التركيز على موضوع عدم العدالة التاريخية والحالية. لم يتناول معظم الطلاب التاريخ الاستعماري الألماني من قبل. وكان القليلون فقط على استعداد لسدّ هذه الفجوة المعرفية. وكثيرًا ما تم طرح السؤال التالي: "دائمًا يُقال لنا كم كنا نحن الألمان فظيعين أثناء الحرب العالمية الثانية. فلماذا يجب علينا أن نتعلم فصولًا مظلمة أخرى من التاريخ الألماني؟".

الألمان البيض يلومون الأمريكيين

أصبحت مناقشة موضوع العنصرية جزءًا لا يتجزَّأ من منهجي التعليمي، على الرغم من أنَّ زملائي الألمان البيض كانوا يتَّهمونني بالمبالغة في ردّ فعلي وأنَّني أفسِّر الأشياء تفسيرًا خاطئًا. الألمانُ البيض يحبُّون اتِّهام الأمريكيين بأنَّهم مهووسون بمناقشة العِرْق. (لا يمكن مساواة مصطلح "العِرْق، العنصر" Race الإنكليزي بـ"العِرْق" Rasse في اللغة الألمانية لأنَّ المصطلح له دلالة مختلفة في الإنكليزية واستخدامه ليس عنصريًا).

ولكنني تعلمت في ألمانيا أنَّ حقيقة التكتُّم على العِرْق (العنصر) هي الطريقة الأفضل للحفاظ على الخط العنصري الفاصل في المجتمع. أقول "الألمان البيض" عمدًا. صحيح أنَّ مصطلح العِرْق قد تم حذفه من الاستخدام اللغوي بعد الهولوكوست، ولكن عمى الألوان الناتج عن ذلك خلق مجالًا للعنصرية الممنهجة، التي لا يمكن تحديدها والتعرُّف عليها وإدانتها إلَّا بصعوبة.

لقد حدَّد الانتماء العرقي لعدة قرون من الزمن السياسة ومفهوم الكينونة الألمانية. ولكن في عام 1999 أصدرت ألمانيا قانونًا لا يربط الجنسية الألمانية بالأصل. وبهذا فقد تم الاعتراف للمرة الأولى بتنوُّع المجتمع الألماني. ومع ذلك لم يتم إلَّا في عام 2014 إدخال الجنسية المزدوجة لأطفال المواطنين من خارج الاتِّحاد الأوروبي. وحتى ذلك الحين كان يجب عليهم الاختيار بين جنسية والديهم أو الجنسية الألمانية.

وضمن إطار أطروحتي للدكتوراه أجريت حوارات مع شباب ألمان-أتراك، اضطر معظمهم إلى الاختيار بين الجنسيَّتين وقد أغضبهم اضطرارهم إلى إثبات ولائهم للبلد الذي وُلِدوا ونشأوا فيه. وذكر جميعهم أنَّهم يشعرون بأنَّهم ألمان، ولكن جواز السفر الألماني لن يغيِّر شيئًا في حقيقة أنَّ الكثير من الألمان البيض ينظرون إليهم دائمًا على أنَّهم أجانب (غرباء).

كان من الطبيعي حتى مطلع القرن الحادي والعشرين الحديث عن الألمان والأجانب، الذين كان يُقصد بهم الأشخاص الذين كان يُنظر إليهم على أنَّهم غير ألمان. لقد صُدِمتُ في عام 2014 عندما ظهرت هذه المصطلحات في دراسة من جامعة بوتسدام حول الحياة المدرسية اليومية. تم إبلاغي بأنَّ هذا يتعلق هنا بالوضوح، لكي يتمكَّن الأطفال من التمييز بين الألمان والأجانب. انتقدت هذه العنصرية وتم الردّ على انتقادي بتنبيهي إلى كينونتي الأجنبية.

الثقافة الألمانية مقابل الكينونة البيضاء

تم من أجل التعداد السكَّاني عام 2004 إدخال مصطلح "خلفية مهاجرة" بغية تسجيل التنوُّع في المجتمع من دون ذكر العِرْق، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المصطلح منتشرًا في كلِّ مكان. غالبًا ما يتم استخدام صيغة هذا المصطلح المختصرة "مهاجر" بشكل حصري تقريبًا من أجل وصف الأشخاص الملوَّنين بمن فيهم الألمان الملوَّنون، من دون أخذ مكان ولادة الشخص بعين الاعتبار. والملفت للنظر في ذلك حذف انتماء هؤلاء الأشخاص لألمانيا.

يعتبر مفهومُ العِرْق في الولايات المتَّحدة الأمريكية هيكلًا اجتماعيًا له تأثيرات مادية ملموسة جدًا. ولكن في اللغة الألمانية لا يزال مصطلح العِرْق مُثقلًا بالإيديولوجية النازية والاستعمارية كمفهوم زائف علمي وبيولوجي.

 

 

صرَّح سياسيو حزب الخضر (التحالف 90) في دعوتهم لإزالة كلمة "العِرْق" من القانون الأساسي الألماني بقولهم: "لا توجد أعراق، يوجد ناس فقط". وعلى الرغم من حسن نوايا هؤلاء السياسيين، فإنَّ هذا النوع من عمى الألوان يُقلل من شأن مفهوم العنصرية. فهو يحافظ على العنصرية الهيكلية والمؤسَّساتية في المجتمع بدلًا من مكافحتها. ولذلك فإنَّ هناك حاجة إلى نقاش ثقافي وسياسي جديد - ليس فقط حول الهولوكوست، بل حول المساواة المباشرة بين مفهوم الكينونة الألمانية والكينونة البيضاء.

لا يزال تحديد مَنْ يحصل على الجنسية الألمانية ومَنْ يتم تهميشه باعتباره "مهاجرًا" ومَنْ يتم إيقافه من قِبَل الشرطة وتفتيشه متأثِّرًا حتى يومنا هذا بتصوُّرات الأصل العنصرية، التي لم تكن تحدِّدها فقط الاشتراكية الوطنية (النازية)، بل تم تشكيلها قبل ذلك بفترة طويلة من قِبَل المجتمع.

ولا تزال كذلك الإشادة بألمانيا على معالجتها ماضيها النازي تجعل العنصرية غير مرئية حتى يومنا هذا. لم يتم تشييد نُصُب تذكارية لتخليد الماضي النازي. ولكن لم يتم أيضًا وضع هذا الماضي ضمن السياق التاريخي المناسب لما قبله وما بعده. وهذا خطأ بإمكاننا التعلم منه.

 

أورسولا موفيت

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

أورسولا موفيت حاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة بوتسدام (الألمانية). وهي باحثة في جامعة نورث ويسترن (إلينوي) في الولايات المتَّحدة الأمريكية وتركِّز على تطوُّر الهوية ضمن السياق الثقافي.

 

......................

طالع أيضا

هل العرب عنصريون؟ انتفاضة إنسانية ضد العنصرية بعد مقتل جورج فلويد

العنصرية بكل أشكالها جريمة بحق الإنسانية - على خلفية مقتل أمريكي إفريقي تحت ركبة شرطي أبيض

دعم المجتمع المدني التونسي لحقوق الإنسان - تونس تقول لا للعنصرية المحلية والعالمية

......................

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة