الثقافة في العراق - عراقيون يغيرون جغرافيا ثقافتهم

ولادة حاضنات ثقافية للسلام في قلب بغداد

أماكن نبيلة. مشروع سلام للعاصمة العراقية. يتوحد فيها كل العراقيين، بعيدا عن الطائفية السياسية. هجرة ثقافية من شارعَيْ المتنبي والرشيد -اللذين أدركهما خريف العمر- إلى الكرادة الشرقية. مثقفون عراقيون انتقلوا مع كتبهم وألوانهم وآمالهم وأشعارهم -بحثا عن جغرافيا أكثر رفقا بوعيهم وصحتهم- ومثلهم دور نشر باحثة عن عالم أنظف للهجرة. ملهم الملائكة يتتبع في بغداد لموقع قنطرة خارطة الثقافة العراقية الجديدة.
طالما ارتبط المثقفون العراقيون بشارع الوراقين الموروث من العصر التركي وبشارع المكتبات وشارع الرشيد العريق في قلب بغداد والتي ازدهرت وعُرفت بعد الاحتلال البريطاني مطلع القرن العشرين بمكتباتٍ وفنادق ومقاهٍ وصالاتِ عرضٍ سينمائي وبيوت لذةٍ وكباريهات وكازينوهات.
 
هنا سكنت وغنت أم كلثوم حين زارت بغداد، ومحمد عبد الوهاب حين غنى في ضيافة الملك فيصل الأول الهاشمي عاهل العراق آنذاك، وفايزة أحمد ومحمد عبد المطلب حين اشتغلا في كباريهات الأوبرج والأندلس ببغداد وعشرات الأسماء الأخرى في سماء الإبداع العربي. ولمن لا يعرف المنطقة فالمتنبي زقاق يتفرع عن شارع الرشيد، ويفصله عن نهر دجلة مبنى القشلة وهي بقايا قصر الوالي التركي، وشارع السراي وهو امتداد لشارع الوراقين الذي يسميه العراقيون سوق القرطاسية.
 
لكنّ شارع المتنبي والمنطقة برمتها قد غلفها الإهمال فانسدت مساراتها والطرق المؤدية إليها، وفارق المتنبي الأمان بعد تفجيرين مجهولي الفاعل مزقا أحشاء مكتباته وأسالا دماء رواده، فتوارى ألقه وغادرته العافية. أما المقاهي الثقافية التابعة له، مقهى الشابندر، مقهى حسن عجمي، مقهى البرلمان، مقهى الزهاوي والمنتشرة في شارع الرشيد وهو الشارع الأم الذي يتفرع عنه المتنبي فقد تآكل عمرانها، وباتت مبانيَ آيلة للسقوط تفتقر إلى النظافة وتعوزها تسهيلات الاتصال الحديثة ولا تجتذب جيل الشباب المرتبط بإعلام منفتح عبر وسائل الاتصال العصرية وعالم المعلوماتية والسايبر.
 
وهكذا ولدت في "الكرادة الشرقية داخل"، وهو حيٌ أنيق من العاصمة، حاضنات ثقافية وفنية أخرى بعد التغيير في عام 2003، فتوالت بسرعة فائقة مقاهي، ابن رضا علوان، ونازك الملائكة، وقهوة وكتاب. كما دبت في الشوارع المؤدية إلى شريان الكرادة الرئيسي مجتمعات ومراكز نشاط اجتماعي وثقافي غير ربحية يصنعها ويديرها ناشطون شباب يرومون التغيير بعيدا عن أروقة السلطة والاستقطاب الطائفي والعرقي والسياسي.
 
 
مقهى ابن رضا علوان
 
عام 2012 حقق ابن رضا علوان الأصغر علاء نقلة كبرى إلى الأمام حين حوّل جزءاً كبيراً من أسواق رضا علوان التي طالما تبضع منها العراقيون على مدى أكثر من نصف قرن إلى ملتقى ثقافي مضيفاً إليها طابقاً ثانياً ومساحة واسعة كمقهى للرصيف، فيما بقي على ضفة الزقاق الأخرى محل بيع القهوة الشهير التابع لأسواق رضا علوان القديمة والتي عُرفت في بغداد كماركة معروفة يفضّلها كثيرون، وهو ما يفخر به مؤسس المشروع علاء في حديثه لموقع قنطرة.
 
وفي تعريفه لفكرة المشروع يقول علاء: "كنت أعيش في لبنان منذ عام 1994، وعدت الى العراق عام 2012 حيث كان حلمي أن أؤسس مقهى للمثقفين في بغداد، لأنّ سنوات الحروب التي عاشها البلد في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وفي العقد الأول من الألفية الثالثة حَرمت الناس من أجواء كهذه".
 
وأشار علاء رضا علوان الى أنّه قد سمع من ذويه أن ظاهرة النوادي الثقافية كانت مألوفة في خمسينيات وستينات وسبعينات القرن العشرين، ولها روادها الدائمون، لكنها ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في أيلول / سبتمبر عام 1980 تلاشت واندثرت.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ولادة حاضنات ثقافية للسلام في قلب بغداد

رغم اني عراقي وعمري وصل الى اربعن سنة الا اني لم اسمع بهذه المكانات، طبعا انا لست ابن بغداد العاصمة، بل من محافظة ذي قار. سازور هذه الاماكن الجميلة في رحلتي المقبلة الى بغداد. هذه الاشياء تريح النفس، وتخرجنا من صراعات السياسة والفساد والكهرباء والموت...والجو المغبرالحار. ربما لاتعرفون ان الغبار يلف العراق لمدة ثلاثة شهور تقريبا كل سنة؟

محسن علي حسين 30.05.2018 | 16:34 Uhr

الكرادة ، تبقى القلعة المدنية الوحيدة في بغداد بعد انحسار شارع الرشيد العريق . بالرغم من تدينها التقليدي (حسينيات) (كنائس) (جوامع) (كنس يهودية ) تبقى الكرادة بصيص ضوء في ظلام بغداد الخانق و لوحة جميلة في وسط الرثاثة التي تحاول التهام كل شيء . شكرا لك ملهم

عمار التميمي03.06.2018 | 13:29 Uhr