دكتاتورية جديدة بدلا من دكتاتورية نظام الشاه

ان قدوم الباحث الفرنسي أوليفييه روا في هذه الفترة، يترافق مع بروز جيل آخر من الباحثين الغربيين المتخصصين بالشرق الأوسط. ففي الوقت الذي كان فيه المستشرق الأمريكي برنارد لويس مثلاً يصر على موضوع دراسة مفاهيم الإسلام التقليدية لفهم ما يجري، (وهذا بالمناسبة ما فعله قسم كبير من المثقفين العرب) كان هؤلاء الباحثون القادمون من خلفيات مختلفة يقتحمون المشهد العام، ليعيدوا تشكيل معرفة جديدة وعميقة بالإسلام في المنطقة، وبالتالي كنا أمام انهيار حقل الاستشراق التقليدي، والاعتماد بدلاً من ذلك على باحثين ميدانيين.

مع مرور الأيام، تعمقت معرفة الباحث الفرنسي أوليفييه روا بالداخل الإيراني، وفي عام 1992 سينشر كتابه الشهير «فشل الإسلام السياسي» وهنا سيلاحظ أنه رغم دعوات الخميني لدور واسع للعلماء، إلا أنه كان يستعين بالإسلامويين والعلماء صغار السن لمواجهة أي دور لهذه المرجعيات الكبيرة.

كما يؤكد من خلال قراءته الأنثروبولوجية أنّ الثورة لم تكن ثورة آيات الله، بل هي ثورة علماء صغار من مرتبة دنيا، كان قد درس بعضهم لدى الخميني، وقد أرفدوا بشبان إسلاميين من أصل علماني، ولذلك، خلافا لمن بحث عن إيران الخمينية في التشيع التراثي، وجد روا أنّ الأصح هو أن نذهب عكس هذا الاتجاه، عبر التركيز على دراسة التشيع الدنيوي في المنط، بدءاً من القرن العشرين وحتى السبعينيات.

آلاف الإيرانيين يحتشدون في طهران لإحياء ذكرى الثورة الإسلامية
"الثورة الإسلامية لم تجد لها صدى في الخارج، سوى في المناطق الشيعية، التي شهدت بالأساس سيرورة معاصرة لتشكّل طبقة أكليروسية (طبقة رجال الدين) وقبل ذلك جرى تحول اجتماعي حديث العهد، أزال التأطير التقليدي والعلماني لهذه الجماعات بفعل الهجرة الريفية، ومسار الإفقار، وهذا أمر يصح على جنوب لبنان وعلى العراق"، وفق تحليل الباحث الفرنسي أوليفييه روا.

"الثورة الإسلامية لم تجد لها صدى في الخارج، سوى في المناطق الشيعية على غرار على جنوب لبنان وعلى العراق"

أول ما سيلاحظه الباحث الفرنسي روا في هذا السياق، أنّ إيران عرفت نوعا من الاشتباك بين أفكار الماركسية والإسلام، أكثر تقدما من نظيره في العالم السني، كما سيلاحظ في سياق بحثه عن الزمن المفقود (اليومي) أنّ الثورة الإسلامية لم تجد لها صدى في الخارج، سوى في المناطق الشيعية، التي شهدت بالأساس سيرورة معاصرة لتشكّل طبقة أكليروسية (طبقة رجال الدين) وقبل ذلك جرى تحول اجتماعي حديث العهد، أزال التأطير التقليدي والعلماني لهذه الجماعات بفعل الهجرة الريفية، ومسار الإفقار، وهذا أمر يصح على جنوب لبنان وعلى العراق، وبالتالي لم يكن المشهد، كما يصور عادة بوصفه تصديرا للثورة الإيرانية، بل هو تثوير للتشيع الشرق الأوسطي، وإعادة تشكيل اجتماعي لنطاق مفكك البنية، حديث العهد بالتمدين على يد أكليروس محلي تكون قبل الثورة.

وثمة مثال على لا إقليمية الأكليروس الشيعي، يتمثل في الإمام موسى الصدر في لبنان ونشاط محمد باقر الصدر في العراق، فالموجة الإسلامية عمت التجمعات الشيعية كافة في العالم، انطلاقا من كربلاء والنجف في الخمسينيات، على أسس وكوادر محلية. ومع قدوم الثورة الإيرانية تشكل وهم لدى الدارسين، بأن هذه الحركات ما هي إلا امتداد لما حدث في طهران، وإن كان روا يؤكد أنّ الطابع الإيراني سيضفي ثقافته على الشيعة غير الإيرانيين في عاداتهم وملبسهم (الشادور) وراياتهم وأسمائهم، مع ذلك سيبقى هذا الطابع يصطدم ببعض البنى المحلية التقليدية في العراق، أو ببعض الحركات الشيعية المحلية مثل أمل في لبنان.

"الدولة في إيران تقرر مكانة الديني وليس العكس، وتحول الدين إلى أيديولوجيا رسمية أفرغه من كل روحانيته"

في عام 1995 زار روا مدينة قم، وقدّم أمام مجموعة من الملالي محاضرةً عن نظريته حول فشل المشروع الإسلامي، وقدرة الدستور على فرض شروطه على الشريعة وليس العكس، وأثناء الحديث طلبوا منه تفسير فكرة الفشل، وعندما شرحها، كان ردهم، أنّ ولاية الفقيه قد حلت ذلك، فرد عليهم، لكن من يحدد ولي الفقيه، فقام حينها ملا شاب من قاع الصالة، وصاح متوجها إلى الجميع: الكلاشينكوف.

وبعد هذه الحادثة بسنوات، سيكتب روا، مع تكرار زيارته لإيران مرة أخرى، كتاباً مع فرهارد خسرو، عالم الاجتماع الإيراني الفرنسي، بعنوان «ما السبل للخروج من ثورة دينية؟» يومها سيعيد ويؤكد روا ما قاله في كتابه السابق، أنّ الدولة في إيران هي من تقرر مكانة الديني وليس العكس، وأنّ تحول الدين إلى أيديولوجيا رسمية أخذ يفرغه من كل روحانيته، ويزيح التدين نحو أنماط أخرى من الحياة الدينية (الصوفية، التلفيقية) وهذا ما نراه مع المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، الذي بات يتحدث عن أفكار جلال الدين الرومي بوصفها تمثل جوهر التدين الحقيقي.

أمام هذا التطور لا يبقى «التدين الخميني» على قيد الحياة إلا بالموت، وبعبور الحدود الذي يبقى الأسلوب الوحيد للحفاظ على النقاء والخروج من استعصاء الإسلام السياسي، ولذلك فإنّ الثورة الدينية تدمر نفسها بنفسها.

 

محمد تركي الربيعو

حقوق النشر: محمد تركي الربيعو 2021

محمد تركي الربيعو كاتب وباحث سوري مختص باحث سوري متخصص بالدراسات الأنثربولوجية.

 

 

المزيد من المقالات من موقع قنطرة:

"الملالي هم قدر إيران حتى آخر الزمان"؟

الشرق الأوسط وإيران من منظور ألماني

القصة غير المحكية لحصار الحرم المكي الشريف في العام 1979

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة