رغم سوء الأحوال الجوية، خرج آلاف الجزائريين إلى الشوارع، مرددين شعارات تنتقد تنظيم انتخابات مبكرة، ودعوا إلى "تحرير العدالة والإعلام" و"إعادة السلطة للشعب". وجاءت المظاهرات في وقت تحتفل فيه الجزائر بالذكرى 59 لعيد النصر.
الجزائر

الجزائر في الذكرى الثانية للحراك؟..."من يقوم بنصف ثورة كمن حفر قبره بيده"

تحتفل الجزائر دولةً وشعباً بيوم الحراك الشعبي، لكن على مستوى الشارع يستمر التوجس بين النشطاء وبين السلطة القائمة، فما جرى خلال سنتين من عمر الحراك يثير أسئلة كثيرة، خصوصا مع اتهامات المعارضة بأن النظام السابق لم يتغيّر.

فبراير/شباط، ليس مجرّد يوم في المعيش اليومي للجزائريين، فهو ذكرى انطلاقة الحراك الذي أجبر الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على عدم الترّشح لولاية خامسة ودفع الدولة إلى محاكمة الكثير من رموز النظام السابق منهم شخصيات كانت مرشحة لخلافة بوتفليقة، وأخرى كان لها نفوذ يفوق سلطة رئيس الدولة.

غير أن الذكرى الثانية تأتي في ظروف متناقضة، من جهة هناك جائحة كورونا التي لا تزال تلزم الجزائريين –وبقية سكان العالم- على تقليل التجمعات لدرء المزيد من انتشار العدوى، ومن جهة أخرى هناك الوضع السياسي المتقلب بين سلطة قائمة تنتمي للحرس القديم وطبقة سياسية منقسمة وحراك أدى الضريبة باعتقالات متكررة وبخلافات داخلية في طريقة التعاطي مع السلطة السياسية.

وما يميز أكثر الذكرى الثانية أنها تأتي في ظل "إصلاحات" أعلن عنها الرئيس عبد المجيد تبون، منها تعديل حكومي جزئي أدخل وزراء جدد إلى الحكومة وقلّص عددا من الوزارات، كما دعا الرئيس ذاته إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وأصدر العفو عن حوالي 60 معتقلا وناشطا سياسيا. ورغم إشادته بالحراك ومكتسابته، إلّا أن السلطات فرضت قيودا واسعة على المظاهرات في ذكرى الحراك وصلت حدّ عزل تام للعاصمة الجزائر، في إجراءات تطرح السؤال حول نوايا السلطة، خصوصا مع الإشادة المستمرة لوسائل الإعلام الرسمية بمؤسسة الجيش ذات النفوذ السياسي الكبير.

هل تخفّف الإصلاحات غضب الحراك؟

"لا أحد من الطبقة السياسية أو شخصيات الحراك متفائل بما يوصف بالإصلاحات" يقول رضا دغبار، أستاذ القانون الدستوري في جامعة البليدة بالجزائر، مضيفا أن النظام يتخبط ويريد إجراء تغييرات شكلية بغرض امتصاص الغضب الشعبي بدل تقديم حلول حقيقية. ويتحدث دغبار عن أن ما وُصف بالعفو عن المعتقلين، هو عبارة عن إفراج مؤقت إلى حين عرضهم مجددا على القضاء.

كما يقلّل المتحدث في تصريحاته  من أهمية التعديل الحكومي ويرى أنه كان شكليا ولم يمسّ إلا شخصية واحدة (يشير إلى وزير الصناعة المقال فرحات آيت علي). وفيما يتعلق بالانتخابات المبكرة، يقول دغبار: "إجراؤها في ظل الظروف الحالية التي يطبعها عدم ثقة الشعب الجزائري في السلطة سيكون تكراراً للانتخابات الرئاسية، أي أنها ستشهد عزوفاً كبيرا، ما دامت الهيئة المستقلة للانتخابات لا تحوز ثقة الشعب، وما دامت التعديلات على قانون الانتخاب لا ترقى إلى ما يمكنه إعادة الثقة".

 

 

ولا يزال سيناريو الانتخابات الرئاسية حاضرا، عندما لم تتجاوز نسبة المشاركة 41 بالمئة من مجموع المسجلين، وهي أقل نسبة على الإطلاق في هذه الاستحقاقات، كما لم تتجاوز نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور 24 بالمئة. وكان العزوف جوابا واضحا على رفض الكثير من مكوّنات الحراك تزكية طريقة السلطة القادمة في تدبير مرحلة ما بعد بوتفليقة.

من جانبه، يقول الصحافي الجزائري عثمان لحياني إن إطلاق سراح المعتقلين هو تصحيح لوضع غير طبيعي وقع خلال الأشهر الماضية، وليس استجابة لمطالب الحراك الأساسية التي تركز على محاربة الفساد وتغيير النظام السياسي القائم ووضع أسس لانتقال ديمقراطي.

 أما إعلان انتخابات مبكرة، فهو "قرار غير ناضج لأنه لم يتم تحديد تاريخها، كما لم يصدر القانون الانتخابي الجديد ولم يتم تنصيب الهيئة المستقلة للانتخابات وفق الدستور الجديد"، يقول لحياني، مضيفاً فيما يخصّ التعديل الحكومي، أنها خطوة "زرعت المزيد من الشك في السلطة" بسبب تعيين وزراء كانوا جزءاً من نظام بوتفليقة، وتحديداً محمد علي بوغازي، الذي كان مستشاراً لبوتفليقة وقارئ خطاباته في فترة مرضه.

ماذا تحقق للحراك؟

المسار الذي أخذته الجزائر بعد الحراك يبقى متفردا عمّا شهدته دول عربية كثيرة سواء في الموجة الأولى أو الموجة الثانية من الاحتجاجات. حققت الجزائر مكسبا بعدم الانزلاق إلى العنف وبخلق حوار سياسي ومحاكمة العديد من رموز النظام السابق وكشف ملفات فساد خطيرة تخصّ أموال الدولة، لكن في الآن ذاته ظهرت بعض المحاكمات كما لو أنها تصفية حسابات بين أجنحة متصارعة حول الحكم خصوصا مع استمرار السلطة بين أيادي محسوبين على النظام السابق، فضلا عن التضييق المستمر على نشطاء الحراك واعتقال عدد من وجوهه كخالد درارني ورشيد نكاز وكريم طابو.

"لم يحقق الحراك منذ انطلاقه كل مطالبه، لكنه أعاد مصالحة الجزائري مع التظاهر وأعاد اهتمام الجزائريين بالفعل السياسي" يقول عثمان لحياني، مبرزاً أن الحراك خلق نخبا ورموزا جديدة تستوعب متطلبات الجيل الجديد، كما أنتج دينامية جديدة يمكن أن تكون أساساً باتجاه التغيير".

 

 

لكن المتتبعين يُدركون أن هناك نوعا من الخفوت في حجم الحراك. يبقى الأمر عاديا نظرا لظروف كورونا وكذلك لصعوبة محافظة أيّ حراك على قوة مسيراته لفترة طويلة. ويضيف لحياني عاملا آخر: "هناك كتلة شعبية اقتنعت بخيارات السلطة، ومن هذه الكتلة من هو مستقل ومن هو منضوي تحت أحزاب وهيئات معينة". لكن مع ذلك، يستدرك المتحدث، بقي دور الحراك في الضغط على السلطة مستمرا.

هل ينجح الحراك في تحقيق أهدافه؟

"من يقوم بنصف ثورة كمن حفر قبره بيده"، يقول دغبار، مشيراً إلى أن الشعب الجزائري اتخذ قرارًا لا رجعة فيه ولن يتراجع حتى تتحقق مطالبه، ومن ذلك إنهاء دولة صراع الأجنحة، والانتقال إلى دولة مؤسسات تملك الشرعية الشعبية والسياسية عبر انتخابات حرة. ويعرب دغبار بشدة عن تفاؤله بنجاح أهداف الحراك، خاصة أن الأمر بالنسبة له هو مسار تاريخي ممتد، وأن الحراك هو امتداد لـ"نضالات شخصيات كثيرة في تاريخ البلاد".

بيد أنّ الحراك يحتاج إلى ما هو أكثر من التظاهر لتحقيق مطالبه، وهناك من يرى أن قادة الحراك مدعوون لاستخدام استراتيجيات متنوعة لمزيد من الضغط على السلطة. ووفق تعبير عثماني لحياني، فالعمل على أشكال نضالية موازية، ومن ذلك العمل على إنشاء أحزاب جديدة والبحث عن آليات تتيح لنشطاء الحراك الوصول إلى مراكز متقدمة في المؤسسات النيابية.

وأكبر ما نجح فيه الحراك في ذكراه الثانية هو خروج المظاهرات رغم استمرار نظرية المؤامرة التي تتحدث عنها قيادة الجيش باتهام جهات خارجية بالتحريض على التظاهر، وهو الخطاب الذي كررته منذ اندلاع الحراك، كما أن دفع الحراك للسلطة بإخراج المعتقلين منحه نفسا كبيرا، خاصة مع اعتراف الرئيس تبون بالانتقادات الشعبية الموجهة للسلطات. ومن شأن المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلد أن تزيد من الهوة بين الحراك وبين السلطة القائمة التي قد تعمل على المزيد من التنازلات في الفترات المقبلة.

 

 إسماعيل عزام

حقوق النشر: دويتشه فيله 2021

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة