من أجل تهدئة بوادر الاستياء وسط الشعب، تعهد نظام بوتفليقة بصياغة دستور جديد يؤسس لجمهورية ثانية ويستطيع منافسة أكثر دساتير العالم في الديمقراطية، وبإجراء إصلاحات جذرية في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تضع خطوطها العريضة جمعية وطنية يتم إنشاؤها خصيصا لهذا الغرض. غير أن بوتفليقة بقي وفيا لنفسه ونكث وعده مجددا.

في الأثناء، ورغم ضعف الرئيس الواضح للعيان، تمكنت عصابة بوتفليقة الحاكمة المكونة من سياسيين ورجال أعمال ينحدرون من المنطقة الحدودية الجزائرية المغربية، من حسم صراع -يدور منذ سنين- لصالحها. بمساعدة قائد أركان الجيش الجنرال أحمد قايد صالح أسقطت حاشية الرئيس في خريف 2015 رئيس جهاز المخابرات الجنرال محمد مدين الذي كان معظم الجزائريين يخافون حتى من ذكر اسمه. ورافق سقوط من كان يلقب برب الجزائر تهميش معظم حلفائه في أجهزة الدولة وعالم الاقتصاد.

بصيص أمل غير متوقع

في 2016 عدل الدستور الجزائري بالفعل، لكن عوض أن يصبح أحد الدساتير الأكثر ديمقراطية في العالم كما تعهد بذلك النظام قبل عامين، فصلت التعديلات على مقاس بوتفليقة وعززت سلطته بشكل غير مسبوق، فيما انتشر اليأس وسط خصومه.

 

احتجاجات ضد بوتفليقة في 10 مارس / آذار 2019 في الجزائر العاصمة.  Foto: Reuters
تنظيم جيد وسلمية تامة: في 22 فبراير / شباط 2019 خرج مئات الآلاف من الجزائريين في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك العاصمة التي تحظر فيها التجمعات، وطالبوا بالتراجع عن ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة. بعد تعنت النظام وتهديده بالعودة إلى الحرب الأهلية، خرج في الجمعتين التاليتين ما يقارب العشرين مليون جزائري ضد هذه القرارات وصاروا يطالبون بإسقاط النظام بأكمله. الاحتجاجات تتسم بالتنظيم الجيد وبالسلمية التامة وتعمها أجواء من الأهازيج والفرح، يسير فيها مختلف فئات المجتمع جنبا لجنب ويحملون لائحات بشعارات تعبر عن تيارات كان النظام يصورها على أنها متعادية فيما بينها، بحسب ملاحظة بشير عمرون.

 

{تفاجِئ الجزائر المتابعين بمجتمع مدني واع وواثق من نفسه، تعلم من تجاربه ومن تجارب الدول العربية الأخرى. وهي تجارب تؤكد على خطورة الثقة في الأنظمة الحاكمة. هناك شبه إجماع في الجزائر على ضرورة مواصلة الاحتجاجات حتى الإطاحة بالعصابات الحاكمة. - كما يرى بشير عمرون}

 

منتشية بنصرها الحاسم، مضت عصابة بوتفليقة قدما في ترشيحه لولاية خامسة، رغم أنه بقي مغيبا طوال السنوات الست الأخيرة وضربت عرض الحائط كل التحذيرات من العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن ذلك. وعند ظهور مؤشرات الاحتجاجات الأولى، عول النظام على اعتقال الناقدين وتخويف الشعب بالأوضاع في سوريا وليبيا وبأهوال الحرب الأهلية التي عايشها في التسعينيات من أجل احتواء الوضع. لكن السلطات أخطأت حساباتها في هذه النقطة بالذات.

في 22 فبراير / شباط 2019 خرج مئات الآلاف من الجزائريين في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك العاصمة التي تحظر فيها التجمعات، وطالبوا بالتراجع عن ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة. بعد تعنت النظام وتهديده بالعودة إلى الحرب الأهلية، خرج في الجمعتين التاليتين ما يقارب العشرين مليون جزائري ضد هذه القرارات وصاروا يطالبون بإسقاط النظام بأكمله.

الاحتجاجات تتسم بالتنظيم الجيد وبالسلمية التامة وتعمها أجواء من الأهازيج والفرح، يسير فيها مختلف فئات المجتمع جنبا لجنب ويحملون لائحات بشعارات تعبر عن تيارات كان النظام يصورها على أنها متعادية فيما بينها.

ونظرا لهذا الوفاق والعدد غير المسبوق من المحتجين في تاريخ البلاد، بدأ النظام يناور من أجل كسب الوقت. فألغى الانتخابات الرئاسية ومدد لولاية بوتفليقة الحالية من أجل أن يسهر على تأسيس جمهورية ثانية ووضع دستور جديد يلبي مطالب الجميع. وعندما قوبل كل ذلك بالرفض الجماهيري، بدأ النظام يلمح إلى إمكانية عزل بوتفليقة عن منصبه بطرق دستورية.

لكن المحتجين رفضوا حتى ذلك ويصرون على رحيل كل النظام ولم يرضوا حتى بتعيين ممثلين للتفاوض معه، لأنهم لا يرون فيه شريكا في الحوار. وبذلك تفاجئ الجزائر المتابعين بمجتمع مدني واع وواثق من نفسه، تعلم من تجاربه ومن تجارب الدول العربية الأخرى. وهي تجارب تؤكد على خطورة الثقة في الأنظمة الحاكمة.

هناك شبه إجماع في الجزائر على ضرورة مواصلة الاحتجاجات حتى الإطاحة بالعصابات الحاكمة، وبعدها سيبدأ النقاش لاختيار شخصيات معروفة بنزاهتها تكلف بإدارة مرحلة انتقالية، تتمخض عن تأسيس جمهورية ثانية، يريدون لها أن تكون ديمقراطية بالفعل هذه المرة. طموحات تبدوا واقعية في ظل إجبارهم النظام لتقديم تنازلات متتالية.

 

 
بشير عمرون
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : أفول سياسي محتال - احتجاجات الجزائر ضد بوتفليقة

لو ان الغرب جاد فى مساندة ثورات الربيع العربى بقدر جديده فى تحرر الدول الاشتراكية من حلف وارسو ودعمه للتحول الديمقراطى فى دول أوروبا الشرقيه لربنا ديمقراطيات عربيه و.ول حره تنقذ الغرب من طوفان المهاجرين من الجنوب إلى الشمال

محمد محمد31.03.2019 | 20:54 Uhr