عرض عسكري ضخم في الجزائر العاصمة.

الجزائر في عيد استقلالها الـ60
انتهاء عهد خمول سياسة الجزائر الخارجية

لأول مرة منذ عام 1989 جالَ في الجزائر عرض عسكري ضخم للتأثير في قوى إقليمية منافسة. حدث سعى أيضا لتسليط الضوء على موقف الجزائر من فلسطين وإسرائيل. تقرير سفيان فيليب نصر لموقع قنطرة.

وسط ضجة كبيرة، احتفلت الجزائر في 5 تموز/يوليو (2022) بالذكرى الـ 60 لاستقلالها عن فرنسا، والذي نالته بعد حرب دامية ضد الاستعمار في عام 1962. في كل عام، يرافق الصخب القومي والخطاب العسكري الموالي للنظام "الاحتفال باسترجاع السيادة الوطنية"، في أعقاب 132 عاماً من الحكم الاستعماري الفرنسي الوحشي. لكن هذا العام، استغلّ نظام الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي سعيد شنقريحة الاهتمامَ الدولي الذي جذبته الذكرى الستين للاستقلال من أجل توجيه رسالة واضحة للقوى الإقليمية المنافسة وهي: انتهت أيّام النهج غير الفعّال للجزائر في السياسة الخارجية.

في هذا العرض العسكري الأول في الجزائر منذ ما يزيد عن 30 عاماً، عرض الجيش الوطني الشعبي عدداً لا يحصى من الأسلحة، بعضها تم الحصول عليها منذ عام 2005، كجزء من برنامج تسليح غير مسبوق، من الصين وأوروبا وفي المقام الأول من روسيا: مقاتلة وطائرات نقل، ومدافع مضادة للطائرات ومدفعية، دبابات وعربات مصفّحة، غواصات روسية وفرقاطة MEKO-A200 تم شراؤها من ألمانيا.

ويمكن تفسير إقامة العرض في المقام الأول على أنّه تحذير واضح للمغرب. فقد تصاعد مؤخراً الخلاف مع الدولة المجاورة، والذي يؤثّرُ بشدّة على العلاقات بين الدولتين منذ عقود، بعد إعلان ا

إسبانيا دعمها لموقف المغرب فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، التي تحتلها الرباط منذ عام 1975 في انتهاك للقانون الدولي. ومنذ الاحتلال المغربي للبلاد، كانت الجزائر أهم حليف لحكومة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية المنفية، ومقرها تندوف في جنوب الجزائر، ولا تزال تطالب باستقلال الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. لسنوات، بقي النزاع يشبه "الحرب الباردة". لكن الآن تلجأ كل من الجزائر والرباط إلى التهديدات العسكرية الواضحة.

إسرائيل سبب الخلاف

لم تستخدم الحكومة الجزائرية احتفالات الاستقلال وأول عرض عسكري للجيش الوطني الشعبي منذ عام 1989، من أجل إرسال رسالة واضحة للغاية إلى المغرب فحسب، بل أيضاً إلى أبو ظبي وإلى القاهرة وإلى تل أبيب وإلى تونس.

فالرئيس التونسي قيس سعيد معروف بخطابه المؤيد لفلسطين، لكن منذ استلامه، السلطوي والمثير للجدل إلى حدّ كبير، مقاليد جميع السلطات في تموز/يوليو 2021 وحل البرلمان، يبدو أنّه يعزّز علاقاته مع مصر والإمارات العربية المتحدة لدرجة أنّ الجزائر تخشى الآن أن تحاول مصر وأبو ظبي الضغط على تونس من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل أيضاً. بالنسبة للجزائر، سيكون هذا أمراً غير ممكن.

قبل احتفالات يوم الاستقلال بأيام قليلة، أفاد موقع "Algerie Part "، وهو موقع إلكتروني قريب من جهاز الأمن الجزائري، أفاد أنّ الجزائر ستبقي على الحدود التونسية-الجزائرية مغلقة لأسباب سياسية. فقد كانت الحدود مغلقة بشكل كامل تقريباً أمام حركة المسافرين منذ بداية جائحة كورونا. وزعم الموقع أنّ إغلاق الحدود قد استمر لأنّ تونس لم تقدّم "ضمانات ملموسة وصلبة" فيما يتعلّق برفضها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

 

الرئيس التونسي قيس سعيد. Tunesiens Staatschef Kais Saied; Foto: Fethi Belaid/AFP/Getty Images
خلال زيارة الرئيس التونسي إلى الجزائر العاصمة بمناسبة احتفالات استقلال الجزائر مؤخرا (في يوليو / تموز 2022)، أعلن سعيد وتبون بشكل مفاجئ إعادة فتح الحدود ابتداءً من في 15 تموز/يوليو. حين استولى سعيد على السلطة، أعربت الجزائر عن موافقتها السلبية، على ما يبدو على أمل التغلب على المأزق السياسي الذي طال أمده مع الدولة المجاورة، من خلال تدخل سعيد السلطوي. ومنذ ذلك الحين، خسرت الجزائر الساحة السياسية لصالح مصر والإمارات العربية المتحدة، اللتين كانتا تحاولان منذ سنوات الحصول على موطئ قدم أقوى في تونس، مما أثار عدم ارتياح للحكومة الجزائرية، التي لا تزال تعتبر تونس أساسية في حماية مصالحها في المنطقة.

 

ولسنوات عديدة اعتمد قطاع السياحة التونسي بشكل متزايد على السياح الجزائريين، الذين يسافر مئات الآلاف منهم خلال أشهر الصيف إلى هذا البلد المجاور، ويجلبون الأموال إلى تونس ويضمنون الحفاظ على الوظائف. ووفقاً لموقع Algerie Part، فإنّ الجزائر تستخدم قضية إغلاق الحدود كوسيلة لممارسة الضغط على تونس.

لعبة الشد والجذب على تونس

خلال زيارة الرئيس التونسي إلى الجزائر بمناسبة احتفالات عيد الاستقلال الجزائري في الأسبوع الماضي، أعلن سعيد وتبون بشكل مفاجئ إعادة فتح الحدود والمقررة في 15 تموز/حزيران 2022. وفي العرض العسكري، جلس رئيس الدولة التونسية بين تبون والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبالتأكيد ليس من باب الصدفة.

في غضون ذلك، استقبل تبون لاحقاً سوية عباس وإسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس والمنافس الرئيسي فيما بين الفلسطينيين لحركة فتح بزعامة عباس، وذلك في اجتماع حظي بتغطية إعلامية كبيرة. وصفته وكالة الأنباء الجزائرية التي تملكها الدولة بأنه "لقاء تاريخي"، لتقدّم مرة أخرى الحكومة الجزائرية ليس على أنها تقف مع الفلسطينيين بوضوح فحسب، بل بوصفها قادرة أيضاً على التوسّط بين الفصائل الفلسطينية المنقسمة.

وحين يتعلق الأمر بتونس، لم يعد النظام الجزائري يترك أي شيء للصدفة، ولذلك كان النهج أكثر عدوانية. حين استولى قيس سعيد على السلطة، أعربت الجزائر عن قبول سلبي، كما يبدو على أمل أن يساهم هذا التدخل السلطوي لسعيد في التغلّب على الأزمة السياسية التي طال أمدها مع الدولة المجاورة. ومنذ ذلك الحين، خسرت الجزائر الساحة السياسية في تونس لصالح مصر والإمارات العربية المتحدة، اللتين كانتا تحاولان منذ سنوات الحصول على موطئ قدم أقوى في تونس، مما أثار عدم ارتياح الحكومة الجزائرية، التي لا تزال تعتبر تونس أساسية في حماية مصالحها في المنطقة.

وفي هذا السياق، لم تكتف الجزائر بدعوة الرئيس التونسي إلى الجزائر للاحتفال بذكرى الاستقلال، بل أيضاً دعت الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي. ومنذ استيلاء سعيد على السلطة من جانب واحد، اعتُبِر الطبوبي أحد المعارضين الرئيسيين لسعيد. ولذلك فإنّ لقاء الطبوبي مع تبون في اليوم التالي للاحتفالات يمكن اعتباره محاولة من الجزائر للتدخل بشكل أكثر فعالية في الشؤون الداخلية التونسية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة