نورا الجروي (@Noorajrwi) هي ناشطة سياسية إعلامية حقوقية يمنية.

الحرب الأخرى في اليمن
عنف رقمي مسلط على رقاب السياسيات اليمنيات

"لي أكثر من 200 ألف متابع على فيسبوك و50 ألفا على تويتر وأُعَدّ من أبرز سياسيات اليمن ... لكن لا يمر يوم إلا وأخوض معارك رقمية، فقط لأني قررت أن يكون لي صوت". نورا الجروي تروي تجربتها لموقع قنطرة.

لدي أكثر من مائتي ألف متابع على الفيسبوك وأكثر من خمسين ألف متابع على التويتر وأُعتبر من أبرز السياسيات اليمنيات على الساحة الوطنية على أرض الواقع وفي العالم الرقمي، ومع هذا لا يمر يوم إلا وأنا أخوض معارك مستمرة على الساحة الرقمية فقط لأني قررت أن يكون لي صوت.

يسمع العالم عن الحرب في اليمن والكارثة الإنسانية، ومؤخراً بدأت التقارير تتحدث عن الجرائم البشعة ضد النساء خاصة بما فيها الاختطاف والاغتصاب والتعذيب بعد أن عملت وزميلاتي جاهدات لإيصال هذه الجرائم للمستوى الدولي، واستطعنا التأثير من أجل إدراج مجلس الأمن للجرائم الجنسية -والقائمة على النوع الاجتماعي- في قائمة العقوبات المفروضة على اليمن وتم تسمية وإضافة أحد المسؤولين عن انتهاكات التعذيب والاغتصاب ضد النساء.

ونظرا لأن ما يحدث في أروقة المنصات الرقمية من عنف مسلط ضد النساء القياديات والسياسيات اليمنيات يجب أن يحظى بالاهتمام الكافي -أيضاً لأهميته وفداحة خطورته- فإننا نسعى لتوثيق هذا النوع من العنف وايصاله للمجتمع الدولي للضغط والمساءلة.

فالعالم الرقمي يعتبر واحد من أهم الوسائط التي فتحت آفاقاً واسعة للمشاركة بالشأن العام للمرأة اليمنية القيادية سواء داخل أو خارج اليمن. فبالرغم من أن نسبة الوصول للإنترنت بالمعايير العالمية في اليمن لا يتجاوز ثلث عدد السكان، إلا أننا رأينا كيف ساهمت الأحداث السياسية في عمل قفزة هائلة في عدد مستخدمي الإنترنت خاصة الفيسبوك حيث تضاعفت الحسابات اليمنية وارتفعت بنسبة 250% بين 2010 و2012 بسبب أحداث الربيع العربي في ذلك الوقت.

بعكس السياسيات اختباء نساء خلف حسابات ذكورية وأسماء وهمية في العالم الرقمي

ولا توجد إحصائية واضحة لعدد مستخدمات الإنترنت في اليمن ولكن يمكن قياساً الاعتماد على إحصاءات الفيسبوك التي تشير إلى أن 13% من أصحاب الحسابات في اليمن يُعرِّفون أنفسهم كإناث. ومن المتوقع أن الرقم أكثر بكثير وذلك لأن هناك الكثير من مستخدمات الإنترنت في اليمن لا يزلن يختبئن خلف حساب ذكوري واسم وهمي خوفاً من المضايقات والبعض خوفاً من الأهل من ذوى الخلفيات المحافظة التي ترفض استخدام نسائهن للإنترنت.

ولكن على عكس واقع عامة النساء في اليمن، فإن القياديات خاصة السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان منهن وضعن أسماءهن وصورهن بشكل واضح على منصات التواصل الاجتماعي، بل واعتبرن هذه المنصات فرصة تعوضهن عن الإقصاء من مساحات صنع القرار والتي يحتكرها المسؤولون الذكور والمتنفذون ويتم قصر الوصول للمعلومة في المنتديات للرجال فقط ومنها مجالس القات، حيث عادة ما يتم من خلالها التأثير على السياسات العامة.

 

نورا الجروي (@Noorajrwi) هي ناشطة سياسية إعلامية حقوقية يمنية. Noura Al Jarawi Yemeni activist Foto Screenshot womensolidaritynetwork dot org
الإنترنت فرصة لتعويض الإقصاء: إحصاءات فيسبوك تشير إلى أن 13% من أصحاب الحسابات في اليمن يُعرِّفون أنفسهم كإناث. ومن المتوقع أن الرقم أكثر بكثير وذلك لأن هناك الكثير من مستخدمات الإنترنت لا يزلن يختبئن خلف حساب ذكوري واسم وهمي خوفاً من المضايقات. وعلى عكس واقع عامة النساء فإن القياديات خاصة السياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان منهن وضعن أسماءهن وصورهن بشكل واضح على منصات التواصل الاجتماعي، بل واعتبرن هذه المنصات فرصة تعوضهن عن الإقصاء من مساحات صنع القرار والتي يحتكرها المسؤولون الذكور والمتنفذون ويتم قصر الوصول للمعلومة في المنتديات للرجال فقط ومنها مجالس القات، حيث عادة ما يتم من خلالها التأثير على السياسات العامة. وهناك عدد من السياسيات الناشطات اللاتي استخدمن المساحات الرقمية للتأثير ويتجاوز متابعوهن على الإنترنت مئات الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي لأنهن يعتبرن من أهم المصادر التي يلجأ إليها اليمنيون للحصول على المعلومات، ويتم تحويل تغريداتهن عادة إلى مواد إعلامية في صفحات إخبارية، واستطعن التأثير والضغط من خلال نشر آرائهن أو قيادة حملات مركزة سياسية أو متضامنة مع حقوق النساء.

 

فهناك عدد من السياسيات الناشطات اللاتي استخدمن المساحات الرقمية للتأثير ويتجاوز متابعوهن على الإنترنت مئات الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي لأنهن يعتبرن من أهم المصادر التي يلجأ إليها اليمنيون للحصول على المعلومات، ويتم تحويل تغريداتهن عادة إلى مواد إعلامية في صفحات إخبارية، واستطعن التأثير والضغط من خلال نشر آرائهن أو قيادة حملات مركزة سياسية أو متضامنة مع حقوق النساء.

ولكن اليوم هناك تراجع مخيف للإنجازات التي حصلت عليها المرأة اليمنية في المجال العام خلال الفترات الماضية أبرزها من خلال المشاركة الفاعلة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل. فإقصاء النساء من مواقع اتخاذ القرار لا يقتصر على التشكيلات الحكومية بل إن هناك إقصاء منظماً من المشاركة في العملية السياسية برمتها بما فيها مباحثات السلام بالرغم من دور القياديات الواضح في السلم المجتمعي والمساعدات الإنسانية.

وبالرغم من هذا التهميش نحاول أن نخلق لأنفسنا مكان في الساحة السياسية عن طريق قيادة مبادرات متعددة على رأسها الإعداد المشترك لخارطة الطريق النسوية للسلام في اليمن والتي شاركتُ في إعدادها من ضمن 30 امرأة قيادية بالتعاون مع مؤسسة مبادرة مسار السلام، ووضعت أسساً منهجية لتحقيق التوازن والمشاركة الحقيقية للمرأة في العملية السياسية في كافة المستويات.

هذه الخارطة إذا تم تبنيها ستشكل فارقا جوهريا في واقع المرأة السياسية اليمنية بل ستسارع في تحقيق السلام العادل والمستديم في اليمن لأنها تضع إطاراً ارشادياً مبنيا على منهجية حقوق الإنسان. ولكن تبني مثل هذه المبادرة بحاجة إلى تغيير حقيقي في عقلية قادة العملية السياسية وتقبلهم لدور المرأة بشكل صادق، وأن لا يكتفوا بطرح الخطابات الرنانة والوعود الوردية والابتسام في وجوهنا، دون ترجمة ذلك إلى واقع ملموس لتمكين النساء، وأن يتخذوا قرارات صارمة ضد العنف الرقمي وخطاب الكراهية والتحريض ضد النساء عبر تجريم هذا العنف ومساءلة المسؤولين عنه.

من التحرش الرقمي إلى الحرب الرقمية - استهداف ممنهج للنساء القياديات 

فالنساء القياديات اليمنيات اليوم يعشن استهدافاً ممنهجاً ضدهن يتم فيه استخدام أساليب الحرب الرقمية من تجييش لحسابات الشخصيات المعروفة إلى تجييش الذباب الإلكتروني والحسابات الوهمية وتكنولوجيا التزوير وقلب الحقائق وتوجيه الاتهامات الباطلة أو التحرش الرقمي بالإضافة إلى الدخول في الأعراض وحشد الضغط المجتمعي ضدهن، عبر نشر الأخبار المزيفة واستهداف حياتهن الخاصة واختراق حساباتهن والبحث عن أسرارهن وصورهن لنشرها في المواقع باستخدام المنتجة الصورية وتكنولوجيا الديب فيك - التزوير العميق.

والحرب الرقمية تستهدف النساء القياديات أينما كُنَّ داخل أو خارج البلد، فهي لا تعرف حواجز جغرافية وتمتد آثارها إلى كل مكان يصل إليه الإنترنت. ولذلك هناك حاجة للتحرك الجاد من قبل الدولة وأهمية أن تتبنى سياسات للحماية الرقمية لمكافحة ومناهضة العنف الرقمي وخطاب الكراهية والتحريض ضد النساء، وتفعيل المؤسسات القضائية للتعامل مع الجرائم الرقمية التي أصبحت أداة من أدوات الحرب.

 

 

ويمكننا القول إن الحملة التي كانت موجهة ضد النساء المنددات بالتشكيل الحكومي في 2020 والذي كان خالياً من أي حصة للنساء ولأول مرة منذ عشرين عاماً تعتبر نقطة تحول إلى الأسوأ في العالم الرقمي للمرأة اليمنية السياسية، حيث تم استهداف النساء القياديات اللواتي دشن حملة #لا_مشروعية_لحكومة_دون_نساء، وتم تجييش شخصيات عامة معروفة وأخرى وهمية لمهاجمتهن بالتشكيك حول طبيعة عملهن أو توجيه اتهامات لا أخلاقية أو استخدام أساليب استقلاب الماضي والبحث عن مواقف سياسية تم مشاركتها سابقاً واستخدامها في سياق مغاير للواقع للتشويه والضرب في المصداقية، فالنساء محاسبات على كل ما يقلنه في أي وقت وموقف ولكن يُعذَر الرجال عن مواقف قديمة أو منشورات سابقة.

المشكلة في خطاب التحريض والعنف الموجه ضد السياسيات اليمنيات أنه خطاب لا يتحدث عن أفكارهن السياسية أو عن القضايا التي يدافعن عنها بل يستهدفهن شخصياً ويستهدف أعراضهن ويُجير النقاش إلى اتهامات بأفعال مشبوهة بهدف تأليب المجتمع عليهن.

تهديد رقمي يستهدف السمعة - "أنا شخصيا أجد نفسي عرضة للضغط"

 هذا يحدث بشكل مستمر وأنا شخصياً نشر عني أحدهم في صفحة وهمية اتهامات بشعة تم تناوله ونشره من قبل الكثير من الرجال وحتى بعض النساء، ولكن بالرغم من هذا تم لومي عندما دافعت عن نفسي ولم يتم لوم صاحب المنشور.

وعندما يتم التبليغ عن المنشور المسيء في مواقع التواصل الاجتماعي كثيراً ما يتم رفض البلاغ بسبب عدم قدرة من يديرون المنصة على استيعاب اللهجة اليمنية أو بسبب كون أنظمة الذكاء الاصطناعي المعنية غير متطورة بما فيه الكفاية لرصد هذه الخروقات باللغة العربية، لذلك هناك حاجة ملحة لتحسين سياسات الحماية لفهم السياق المحلي لدى منصات التواصل الاجتماعي الدولية التي بإخفاقها بمعالجة هذه القضية تصبح جزءاً من المشكلة.

فأجد نفسي عرضة للضغط من عائلتي التي تطلب مني أن أتوقف عن الظهور إعلامياً والمدافعة عن القضايا التي تهمني، بل إن الوسط الاجتماعي يبدأ تدريجياً بالتهميش والعزل إلى درجة الإقصاء من الفعاليات الاجتماعية. هذا الضغط لا يأتي فقط من المحيط الأسري والاجتماعي بل يأتي أيضا من الوسط السياسي "الصديق" فمثلا تصلني بشكل متكرر دعوات على شكل نصائح من زملاء قياديين بأن التزم الصمت وأتوقف عن الخوض في نقاشات قوية. هؤلاء أنفسهم لا يقومون بالدفاع عني عند التعرض للهجوم وفي نفس الوقت يقومون بأنفسهم بالخوض في القضايا المختلفة أو تشجيع الذكور من السياسيين على عمل منشورات جدلية على الإنترنت في ازدواجية ذكورية مقيتة.

وقد أدت الشراسة والعنف الرقمي في استهداف النساء على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الدفع بالكثير من النساء إلى التواري والاحتجاب وعدم المشاركة في الخوض في مواضيع حساسة أو جدلية، ليس خوفا على سلامتهن الجسدية بل خوفاً من ردة الفعل، فهناك المئات من الناشطات يتواجدن في أماكن آمنة مثل أمريكا وأوروبا ولكن الخوف من التهديد الرقمي الذي يستهدف سمعتهن يدفعهن لعدم الخوض في معارك حقوقية أو حتى في الدفاع عن أخريات متواجدات في اليمن ممن قد يتعرضن للملاحقة الجسدية والانتهاك الفعلي، أو مساندة السياسيات اللاتي يتصدرن المشهد، وذلك لأن الهجوم يمتد إليهن ويتم توجيه اتهامات لهن أيضاً، وهذا يؤدي إلى عزل السياسيات الشجاعات حتى من محيطهن النسائي ليكن أكثر عرضة للأذى.

وقد كانت القياديات في الخارج يشكلن صفاً للحماية وخطاً للدفاع عن الناشطات في اليمن ممن يعشن تحت رحمة دكتاتورية سياسية وتسلط ذكوري، ولكن هذه الحماية تتلاشى سريعاً بسبب هذه الحملات الممنهجة ضدهن. ناهيك أن هذه السياسة من العنف الرقمي مجحفة في حق الشابات الطموحات ممن لم يبدأن سيرتهن العملية وذلك لأن تشويه صورة القياديات هو سياسة متعمدة تهدف للحد من طموح الصغيرات لكي لا تكون هناك قدوة للشابات والطموحات وتوأد احلامهن حتى قبل الولادة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة