ونتيجة لذلك ازدادت بشكل كبير الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والاختطاف في جميع أنحاء العراق.

مسؤولية الغرب 

يتحمَّل "الغرب" جزءًا من المسؤولية عن كثير من مشكلات العراق. تذكر سفينسون على سبيل المثال برنامج "النفط مقابل الغذاء"، الذي ظهرت ضمن سياقه اتِّهاماتٌ بالفساد واسعة النطاق ليس آخرها ضدَّ شركة سيمنز الألمانية. أو كذلك السجن الأمريكي "معسكر بوكا"، الذي يعتبر بحسب سفينسون "مهد الإرهاب"، وذلك لأنَّه كان قد تحوَّل إلى حاضنة كوادر تنظيم الدولة السنِّي وكذلك الحشد الشعبي الشيعي.

أمَّا فيما يتعلق بالمشكلات الأخرى فقد لعبت ديكتاتورية صدام حسين وعجز السياسيين العراقيين ومحسوبيتهم دورًا أكبر بكثير. ولعب النفط بطبيعة الحال دورًا مركزيًا أيضًا. في الواقع من المفترض أن يكون العراق واحدًا من أغنى دول العالم بسبب احتياطاته من النفط والغاز الطبيعي. ولكن مع ذلك فقد كان النفط في عام 2003 سببًا رئيسيًا لدخول الجيش الأمريكي إلى العراق وبات اليوم يعزِّز الفساد المستشري في جميع أنحاء العراق.

بعيدًا عن السياسية

تُصنِّف سفينسون هذه التطوُّرات على نحو يُبَيِّن أنَّها واسعة الاطلاع. بيد أنَّ تجاربها الشخصية بشكل خاص تجعل هذا الكتاب يستحق القراءة. تكتب: "كلما ابتعدنا أكثر عن مسرح الأحداث بدا الواقع أكثر قتامة، لا أحد تقريبًا يمكنه أن يُصدِّق أنَّنا نخرج في المساء ببغداد وأنَّ الفعاليَّات الثقافية تزدهر وأنَّ حتى حالة الطوارئ التي استمرت طيلة أعوام يتم رفعها ويتم تفكيك الحواجز الخرسانية".

وكذلك جاء وصفها لأطعمتها المفضَّلة -مثل طبق السمك المشهور "السمچ المسكوف" و"الكيمر"، وهو عبارة عن قشطة سميكة مصنوعة من حليب الجاموس يتم مزجها مع دقيق الذرة- مفيدًا بالنظر إلى نشر التقارير المرعبة طيلة سنين من العراق. وذلك لأنَّها تُقدِّم من خلاله لمحة عامة عن حياة الناس، غالبًا ما نفتقدها.

حتى وإن كان الأمر يبدو مختلفًا في عهد إرهاب داعش، إلَّا أنَّ بيرغيت سفينسون لديها آمال كبيرة بالعراق. يعود سبب تفاؤلها من ناحية إلى الشباب - فهناك أعداد متزادة من الشباب الذين يتغلَّبون على الانقسامات الطائفية، وهذا يظهر على سبيل المثال من خلال حالات "الزواج المختلط" بين السنّة والشيعة. ويعود من ناحية أخرى إلى النساء: مثل السيِّدة ذكرى علوش، التي تعتبر بصفتها أمينة بلدية بغداد أوَّل امرأة تشغل هذا المنصب في عاصمة عربية. أو لشاعرات -مثل أمل إبراهيم- نشرت بالتعاون معهن بيرغيت سفينسون مجموعة المختارات الشعرية "بعَيْنَيْ إِنَانَا" (باللغة الألمانية).

وهنا تنقشع في النهاية السماء، المذكورة في العنوان الفرعي للكتاب. يقول رعد، وهو مزارع من الأهوار في جنوب العراق: "جنة عدن لم تجف بعد!"

 

 
 
 
كريستوفر ريش
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2018

 

كتاب الصحفية الألمانية بيرغيت سفينسون: "الحرِّية القاتلة - خمسة عشر عامًا بين السماء والجحيم في العراق"، صدر باللغة الألمانية  عن دار نشر هيردر-فرلاغ، سنة 2018، في 237 صفحة، تحت رقم الإيداع:
ISBN 978-3-451-38177-5

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : كتاب "الحرية القاتلة" - العراق...جنة عدن لا تجف

جاءت الحفله الاستعماريه الهدم الحلاقه الاسلاميه فى تركيا واحتلت العالم الاسلامى وقسمت الشرق العربى إلى دول ومناطق نفوذ بعد سلسله من الحروب الصليبيه مما ترك فى نفوس مسلمى المشرق العربى احقادا دفينه على الغرب بل كان سعى فرنسا لطمس الهويه العربيه الاسلاميه الاثر القوى لاستدعاء خطاب وفكر متطرف فى مواجهة التطرف الغربى الذى تعززت قوته بفضل الثوره الصناعيه التى ادت لامتلاك الغرب ادوات فتك وقتل عجز عن مواجهتها أهل الشرق العربى الاسلامى من حملة حضارات عريقه بائده وارث ثقافى ضارب الجذور ومهد الاديان السماويه مما شكل رغبة انتقام دفينه غذتها خطابات دينيه غير متسامحه خاصة بعد زرع كيان غريب اسمه اسرائيل فى الجسد العربى المثقل بالجراح الاستعماريه...رغم انه تطرف مبرر من قبل المتعطشين للانتقام....لم تسطيع قوى مستنيره ان تستخدم عبارات اكثر حرفيه وتحصر فى الخطابات الدينيه والسياسيه....فمثلا كان من المفترض أن يقال اتحاد بدلا عن الحلاقه والاتحاد الأوروبى واتحاد الولايات المتحده...وغيرها...كان على الغرب احترام الثقافه الاسلاميه ليس فقط لانها شرع من عند الله بل لأنها قيم تحافظ على ثقافة قدسية الاسره والزواج بين رجل والمرأه وليس المثليه المتفشيه فى الغرب وثقافة توزيع الارث وتعدد الزوجات وتحريم مذهبات العقل من الشروبات والماكولات...بل اجتهد المستشرقون فى النيل من ثقافة هذه المجتمعات

محمد محمود09.12.2018 | 21:10 Uhr

رائع

Anonymous15.12.2018 | 05:49 Uhr