إن أغلبية المواطنين الأوروبيين كانوا تحت حماية قانونية دبلوماسية، ولذلك تمكن القنصل الفرنسي من التأير المباشر بالتحقيق. وشارك بعض المسيحيين في اللعبة طمعاً في الحصول على امتيازات اقتصادية على حساب منافسيهم اليهود، في حين أن الوالي المسلم رفض إعطاء موافقته على تنفيذ حكم الإعدام. 

كان لهذه القضية وقع كبير في أوروبا، ودفعت بشخصيات يهودية كبيرة على مستوى دولي للقيام بحملة انتهت بإطلاق سراح المتهمين، لكنها أثرت سلباً في العلاقة بين المجموعات الدينية المختلفة. وحتى في شمال إفريقيا، فإن اليهود تحت الاستعمار الفرنسي كانوا يشعرون بالخوف من المستعمِرين الفرنسيين أكثر منه من جيرانهم المسلمين. كما ساهم مرسوم  لوزير العدل الفرنسي أدولف كريميو في عام 1870 في دق إسفين بين المجموعات الدينية. فبجرَّة قلم جعل من كل اليهود الجزائريين مواطنين فرنسيين، بدون أن يطلبوا ذلك بأنفسهم. 

وفي المقابل فإنه  كان من الصعب على المسلمين أن يحصلوا على حقوق المواطنة كاملة، رغم أن الجزائر أضحت جزءا لا يتجزأ من فرنسا الاستعمارية. وكان كريميو أيضا من المؤسسين للاتحاد الإسرائيلي العالمي، وهي منظمة تمتلك تأثيرا كبيرا، وتملك مكتبها الرئيسي في باريس، والتي كانت تدير مدارس في شمال إفريقيا، ومن بعدُ في الإمبراطورية العثمانية، من أجل ربط يهود المنطقة بـ "الحضارة"، والذين كانوا في نظرها متخلفين وفقا للمقاييس الأوروبية. وهكذا اغترب اليهود لغةً وعادات وكفاءات عن جيرانهم المسلمين.

أدولف كريميو: محامٍ ونصير لليهودية. Lithographie von Faustin Herr, 1840; Quelle: Wikipedia
أدولف كريميو: محامٍ ونصير لليهودية. كابن لتاجر حرير يهودي من مدينة نيم، اهتم بقضايا اليهود في فرنسا وخارجها. وكوزير فرنسي للعدل (الحقانية)، تسبب في دق إسفين عبر مرسومه عام 1870 بين الجماعات الدينية المختلفة. وبجرة قلم جعل من اليهود الجزائريين مواطنين فرنسيين، دون أن يتقدموا بأنفسهم بطلب لتحقيق ذلك.

اليهود العثمانيون كموطنيين أوفياء

ظل أغلب اليهود العثمانيين، وحتى سقوط الإمبراطورية العثمانية، وطنيين أوفياء. لقد كانت العلاقة وطيدة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة، وسكنوا جنباً إلى جنب في أحياء سكنية حديثة، والتقوا في المدارس وغرف التجارة والمحافل الماسونية. وبعد الحرب العالمية الأولى، ناضل الجيل الشاب من خلال الأحزاب لأجل تحقيق نظام اشتراكي، حر من الحدود الدينية أو لأجل تحرير الأمة العربية من نير الإمبريالية. 

لكن وتيرة الاعتداءات على اليهود في الدول العربية ازدادت خلال الثلاثينيات، وترافق ذلك مع المقاومة ضد مد الصهيونية في فلسطين. وبدت فكرة أن يتم التنازل عن بلد خضع أكثر من ألف عام لسيطرة المسلمين، لصالح اليهود، مغرقة في العبثية، كما أن المشروع الصهيوني كان يعرف طريقه إلى التحقق في ظل الهيمنة الإمبريالية البريطانية التي كان الحقد عليها في المنطقة كبيرا. 

ولما أعلن اللورد بلفور عام 1917  موافقة الحكومة البريطانية على بناء "وطن لليهود" في فلسطين، فإنه نفسه لم يكن يعتقد بإمكانية تحقيق ذلك. ولم يستمر الأمر أكثر من عقدين، حتى تمكن الصهاينة في فلسطين من بناء منظمة قوية ومعقدة. وفاقمت وتيرة الهجرة اليهودية إلى المنطقة من الضغط على الفلسطينيين، حتى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في عام 1936، ولتصنع من القضية الفلسطينية، قضية عربية. ولما قضى الجيش البريطاني على التمرد قبيل الحرب العالمية الثانية، كان المجتمع الفلسطينين قد تحول إلى حطام، وانهزمت نخبه، وانتهى به المطاف إلى السجون أو المنافي.  ولم يحدث أن ارتاح الفلسطينيون يوما من فشل تمردهم ذلك. 

أحد هؤلاء المنفيين كان المفتي الكبير للقدس، الشيخ أمين الحسيني. عمد البريطانيون إلى تسليمه ذلك المنصب المؤثر في عام 1921، لكنه تحول إلى أحد معارضيهم الكبار. وقد حولت البروباغندا الصادرة عنه الأماكن المقدسة في القدس في الثلاثينيات إلى رمز للتهديد الصادر عن الصهيونية، هذه الحركة التي كانت أيضا تعبيراً عن التطلعات الإمبريالية الجديدة للغرب في العالم الإسلامي. 

أغلب المفكرين العرب كانوا معادين للنازية 

وقد جمعت أمين الحسيني في ذلك الوقت علاقات بدبلوماسيين ألمان، وفي عام 1941 قادته تلك العلاقات في النهاية إلى برلين، حيث ظل في خدمة النازيين حتى نهاية الحرب. فقد تم بث خطبه عبر الراديو في الشرق الأوسط، ونالت اهتماما كبيرا، لكن دون أن تنجح في تأجيج التمرد ضد البريطانيين. 

إن تلك الخطابات والنصوص للبروبغندا النازية تضمنت قراءات للقرآن، نتنتشر اليوم أيضا في أوساط الأصوليين الإسلامويين، إذ يتم انتزاع آيات معادية لليهود من سياقها وربطها في نوع من التحريض بالخطابات الغربية المعادية للسامية.  لكن غير المؤكد إن كان المفتي نفسه من كتب خطابات الراديو تلك، فالألمان المتخصصون، والذين كان من بينهم مستشرقون يعرفون القرآن، مَن وَقَفَ لا ريب خلف هذه البروباغندا المعادية للسامية. فالتفسير المعادي للسامية للآيات القرآنية المنتزعة من سياقها لم تكن ممارسة معروفة حينها في الشرق الأوسط. 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.