الحكومة والقضاء في العراق

حين تُغيَّب الديمقراطية وتسود الطائفية يسقط القانون - العراق نموذجاً

في رؤيته التالية يجيب الكاتب العراقي كاظم حبيب عن السؤال: إلى متى سيبقى العراقيون يطرحون الأسئلة على القضاء ويطالبون بالإجابة ويلاحقون الادعاء العام في العراق؟

أشيع في العراق بأن النخبة الحاكمة بكل مكوناتها الراهنة تريد الخلاص من الطائفية السياسية ومن المحاصصة في تشكيل الحكومة العراقية، وأنها تسعى لتشكيل حكومة تكنوقراطية وبناء مجتمع مدني ومحاربة الفساد والإرهاب.

هذه الإشاعة -التي روّج لها كثيرون، حتى ممن يقف بالضد من الطائفية ومحاصصاتها المذلة للشعب والمواطنة- غابت عنهم مسألة بديهية، ولكنها مهمة وأساسية هي: أن النخب الطائفية والفاسدة المرتبطة بالأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية التي مارست التمييز الديني والطائفي، وغرقت حتى قمة رأسها في مستنقع الفساد المالي والإداري والاجتماعي، ولعبت ميليشياتها الطائفية المسلحة دوراً إرهابياً مريعاً في محافظات العراق ضد المجتمع، وساعدت على خرق استقلال العراق وسيادته للجارة إيران، وسمحت بتدخل كثير من الدول في شؤون العراق الداخلية، وجوعت نسبة عالية جداً من شعب العراق وحرمتهم من أهم الخدمات الأساسية طيلة السنوات المنصرمة، لا يمكن لمثل هذه النخب الحاكمة تشكيل حكومة غير طافية وغير فاسدة أو مستقلة.

كما لا يمكنها التخلي عن ميلشياتها الطائفية المسلحة والإرهابية، إذ إنها سند استمرار وجودها وحكمها وبقائها، ولا يمكنها بأي حال من حيث المبدأ والواقع أن تقيم مجتمعاً مدنياً يستند إلى مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة وترفض الدمج بين الدين والدولة، لأن ذاك يتناقض مع أيديولوجيتها الدينية المشوهة ومصالحها، بل ستبقى حبيسة دائرتها الضيقة المقيتة والمميتة وأفكارها السقيمة والرجعية والمتخلفة وممارساتها المخلة بكل ما هو إنساني ونبيل.

"حكومة بطعم العلقم ورائحة العفونة الطائفية"

كانت هذه الإشاعة التي أطلقتها النخبة الحاكمة للتعتيم على نهجها ليست فقط خاطئة، بل وكذبة كبيرة حاول حتى البعض المدني إقناعنا بصوابها. وها نحن وهم والجميع نواجه حقائق الوضع العراقي في تشكيل حكومة من "گرگري" يرأسها "عادلوي"، حكومة بطعم العلقم ورائحة العفونة الطائفية تفوح منها وتزكم أنوف العراق والعالم كله.

حتى إن بعض من دعا إلى تشكيلها بدا اليوم يؤكد طائفيتها. رئيس الوزراء المكلف بتشكيلها كان جزءاً من النخبة الحاكمة طيلة الفترة المنصرمة، ولم يكن مستقلاً عنها أو حيادياً في نهجه وسياساته ومواقفه.

مقاتلون عراقيون
"الإشكالية في طبيعة النظام": يكتب كاظم حبيب أن الإشكالية ليست في هذا الوزير أو ذاك فحسب، بل بالأساس في طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم في العراق، برئيس الوزراء الطائفي ذاته، وبالقوى السياسية المشكلة للسلطة التنفيذية، فهي قوى صادرت الحريات العامة والديمقراطية من خلال سياساتها اليومية وسلوك قادتها وميليشياتها الطائفية المسلحة طيلة الفترة المنصرمة وما تزال. يمكن للإنسان العراقي الحر أن يكتب مقالاً في الصحافة وينتقد هذه النخبة أو تلك أو الميليشيات الطائفية المسلحة، ولكنه سيبقى مستهدفاً للانتقام بصيغة ما، بما في ذلك القتل عبر تلك الميليشيات الطائفية المسلحة، وحين يعتقل ويعذب، أو حين يقتل لن تُكتشف الجهة التي اعتقلته وعذبته، أو الجهة التي قتلته، وستوجه تهمة ضد مجهول ويحفظ الملف ولن يُعثر على الجهة أو القاتل أبداً، لأنها أو لأن القاتل منهم.

إن الإشكالية ليست في هذا الوزير أو ذاك فحسب، بل بالأساس في طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم في العراق، برئيس الوزراء الطائفي ذاته، وبالقوى السياسية المشكلة للسلطة التنفيذية، فهي قوى صادرت الحريات العامة والديمقراطية من خلال سياساتها اليومية وسلوك قادتها وميليشياتها الطائفية المسلحة طيلة الفترة المنصرمة وما تزال.

يمكن للإنسان العراقي الحر أن يكتب مقالاً في الصحافة وينتقد هذه النخبة أو تلك أو الميليشيات الطائفية المسلحة، ولكنه سيبقى مستهدفاً للانتقام بصيغة ما، بما في ذلك القتل عبر تلك الميليشيات الطائفية المسلحة، وحين يعتقل ويعذب، أو حين يقتل لن تُكتشف الجهة التي اعتقلته وعذبته، أو الجهة التي قتلته، وستوجه تهمة ضد مجهول ويحفظ الملف ولن يُعثر على الجهة أو القاتل أبداً، لأنها أو لأن القاتل منهم.

هكذا قتل في الآونة الأخيرة عدد من النساء والرجال، وقبل ذاك قتل المناضل كامل شياع وهادي المهدي، وقتل ابن أختي (أحمد جواد الهاشمي) وزوجته وابنته ذات الأربعة عشر ربيعاً، حيث ذبحوا في دارهم بمنطقة الطارمية من الوريد إلى الوريد... وحيث اغتيل عشرات بل والمئات من المختصين والعلماء والصحفيين والآلاف من العرقيات والعراقيين، وهكذا ستستمر هذه السياسة في ظل هذه الحكومة المباركة من "القيادة الإيرانية والأمريكية" في آن!

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.