الأهرام وخدمات الخيل والإبل

في اليوم التالي، كشفت أهرام مصر لي كم يعشق المصريون تاريخهم، تلقفتني في البداية مدينة المنصورية التي نمَت حول الأهرام، وباتت مدينة مليونية مكتفية في كل شيء، وفيها يسكن أغلب العاملين بمنطقة الأهرام.

ومرة أخرى تلقتني تذاكر خاصة للمصريين والعرب، وأخرى للأجانب والفرق بين قيمتها يصل الى عشرات الأضعاف، أسعار التذاكر وأوضاع الناس داخل مساحة الأهرام كشفت أيضا عن حجم الفقر في هذا البلد، حيث يطارد الزائرَ رجالٌ وفتيان يركبون الإبل والخيل، ويعرضون عليه خدماتهم بأثمان زهيدة، فيما تمتد محلات بيع التذكارات الفرعونية في كل مكان بين مساحات الأهرام.

ساسة الإبل والخيل والبائعون وحتى عناصر من الشرطة يركبون الإبل يلحون في عرض خدماتهم وبضاعتهم على السائح حتى يقرفونه، ويكرّهونه بالزيارة كلها.

تمثال إبراهيم باشا الكبير ممتطيا جواده في قلعة صلاح الدين - القاهرة - مصر. الصورة: ملهم الملائكة
تمثال إبراهيم باشا الكبير ممتطيا جواده في قلعة صلاح الدين.

{كم يعشق المصريون تاريخهم!}

أما المدارس فتأتي بالتلاميذ في رحلات إلى الأهرام (الواقعة في ضاحية من ضواحي القاهرة)، وقد انهمك هؤلاء في الغناء والرقص مبتهجين بمعرفة جدودهم الأقدمين، والأغنية الأكثر شيوعا بينهم "وحياة قلبي وأفراحو". وما برحوا يسألونني "فوتو مستر، بكتشر مستر"، فأجيبهم "أنتم فاكريني خواجه ليه؟ دانا أسمر أهو وبتكلم عربي زيكم" وأضحك فيضحكون. المصريون لا يتعمدون الإساءة قط، على الأقل هذا انطباعي السريع عنهم.

زوار المكان هم حرفياً قادمون من كل أنحاء العالم، وأغرب ما لفت نظري هو وفود من مدارس ماليزية وإندونيسية ومن مناطق آسيا الوسطى تزور مصر وتطلع على آثارها.

مقاهي الرصيف على الطريقة الإيطالية

ليلة ذات يوم، جلست في مقهى أم كلثوم. وبعد أن صورت الصور التذكارية والرسائل الخاصة بكوكب الشرق داخله، خرجت لأجلس على رصيف المقهى، لأمضي ليلة خريفية غير باردة، ومقهى الرصيف هنا هو واحد من سلسة مقاهي أرصفة تحتل منطقة العتبة، متفرعة عن شارع عدلي وعشرات الشوارع الشبيهة به المتشابكة في وسط البلد.

أغرب شيء في كازينو أم كلثوم في تلك الليلة أنه لا يقدم أغاني أم كلثوم، بل أغانيَ أخرى! وما لبثت أن عبرت أمام المشهد المكتظ بالناس 3 مراهقات إحداهن بحجاب، الأخريان بغير حجاب بيدهن دفوف ويعزفن ويغنين وسط الشارع. كانت الساعة تقترب من العاشرة ليلاً وهو مشهد لا يراه الناس غالباً في العالم العربي هذه الأيام.

ثم تنبّهت إلى شابة جميلة جالسة في مقهى على الرصيف المقابل أمام سينما" كايرو" وبيدها هاتفها الذكي، تكلم به (من افترضت أنا) أنه صديقها على سنابتشات كما يبدو وهي تغني وترقص له وهي جالسة، وتمسد على شعرها الأشقر المسترسل على جبينها، والأغرب أنّ أحداً لم يلتفت إليها ولم يُزعج خلوتها.

ميدان طلعت حرب - بالقرب من هنا تقع عمارة يعقوبيان الشهيرة - القاهرة - مصر. الصورة: ملهم الملائكة
ميدان طلعت حرب - بالقرب من هنا تقع عمارة يعقوبيان الشهيرة.

{الجمهور المصري ما زال يحافظ على تقاليد زيارة المسرح بأناقة الملبس وآداب الحضور الصامت أثناء العرض.}

وما زالت دور العرض السينمائية عاملة، وتعرض أفلاما مصرية وعالمية. وكذلك فإنّ دور المسرح ما زالت كثيرة قوية وتستقطب جمهوراً واسعا. والملفت للنظر أنّ الجمهور ما زال يحافظ على تقاليد زيارة المسرح بأناقة الملبس وآداب الحضور الصامت أثناء العرض مراعاة لمشاعر المتابعين للمسرحية. القاهرة لا تنام باكراً قط، ففي الليل وحتى الثانية عشرة بوسع المرء أن يجد أماكن للأكل ومقاهيَ بل وحتى مكتبات، حيث أن مكتبتَيْ الشروق ومدبولي الشهيرتين تبقيان مفتوحتين للزبائن حتى الثانية عشرة ليلاً.

أما الكورنيش وعلى امتداد ضفاف النيل، فتظهر فيه قوة المال وسلطته من نوع الفنادق والكابريهات الفخمة المقامة عليها، ويمكن للمرء أن يتعرف من سيارات الزبائن على مستويات دخلهم. وهناك فنادق عائمة تقيم حفلات ساهرة ليلية على امتداد الضفاف المقابلة للفنادق والكازينوهات.

مراقد ومساجد وكنائس ومعابد

وسرعان ما يستنتج زائر البلد أن العبادة لدى المصريين، عادة وتقليد متوارث، وهي جزء مهم في حياتهم بشكل مطلق، لكنها لا تلغي قط هذه الحياة، وهذا ما تكشّف لي عند زيارة المساجد المصرية، ففي مرقد الإمام الحسين لم أجد أيّ شيعي (عرفت ذلك من أوضاع المصلين)، ولم أجد كتاب زيارة ودعاء كما في مرقد الضريح بكربلاء، بل وجدت مصاحف فحسب. زوار المسجد تحلّقوا حول الضريح وهم يرددون دعاء يشبه أناشيد المولد النبوي في العراق والشام ومناطق أخرى.

مرقد ومسجد الأمام الحسين في مدخل منطقة خان الخليلي - القاهرة - مصر. الصورة: ملهم الملائكة
مرقد ومسجد الأمام الحسين في مدخل منطقة خان الخليلي.

{"في مرقد الإمام الحسين لم أجد أيّ شيعي (عرفت ذلك من أوضاع المصلين)، ولم أجد كتاب زيارة ودعاء كما في مرقد الضريح بكربلاء" - ملهم الملائكة.}

ومنطلقا من مرقد الحسين عبر حي الحسين يتعرج شارع خان الخليلي الشهير بتفرعاته غير المتناهية، وتزينه مساجد عدة، وفيه مقاه ومطاعم شهيرة لعل أشهرها "قهوة الفيشاوي" التي يتزاحم على أرائكها المتناثرة على أرصفة الأزقة السياح والعابرون.

قبالة مرقد ومسجد الإمام الحسين، يقع المسجد الأزهر الشهير الكبير، وأغرب ما لفت نظري فيه هو عدم وجود خدمة استلام أحذية عند مدخله، وزوار المسجد الشهير وأغلبهم تلاميذ مدارس من جنوب شرق آسيا، يتنقلون في باحاته وبين أعمدته وهم يحملون أحذيتهم بأيديهم! ولا أعرف سر هذا التميّز، فحين زرت مرقد الإمام الحسين ومرقد السيدة زينب الكبرى أخت الإمام  الحسين، استلمت خدمة المسجد مني الحذاء، وكذلك جرى الأمر في مرقد السيدة نفيسة بنت الإمام الحسن. ولفت نظري أنّ هذين المرقدين يقعان في أفقر أحياء القاهرة. وفي مرقد زينب، اصطفت النساء خلف حاجز خشبي وهن يرددن دعاء يشبه التلاوة.

ولفت نظري دخول جنازة إلى مرقد السيدة نفيسة، المحاط بشوارع تالفة وبيوت فقيرة حيث تسابق الحاضرون والواقفون خارج المسجد إلى المشاركة في حمل الجنازة، والطواف بها حول ضريح السيدة وهم يكبّرون طمعاً في ثواب يصيبهم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : القاهرة تكشف محاسنها لصحفي عربي مهاجر

حقاً لا تكفي زيارة ولازيارات لتكشف مصر عن و
جهها . شكرا للجولة الصحفية التي نقلتنا إلى مصر مختلفة عما يقوله الإعلام. أظن الكاتب سيعود قريباً إلى أم الدنيا.

عباس الخشالي24.12.2018 | 17:11 Uhr

المحاسن التي تكلم عنها التحقيق الصحفي الرشيق، تثير ألما عندنا نحن المصريين..فنحن لا نستطيع أن نتذوق ما في بلدنا بسبب الغلاء. المصري مواطن يسحقة التضخم. بالنسبة لمن يأتي من أوروبا كل شيء رخيص وسهل وجميل، اما بالنسبة لنا، فكل شيء صعب وغالي، والمصري يشتغل في عملين او ثلاث يوميا ليضبط امور حياته الأساسية. يعني الايجار والخبز واللحم المواصلات والكهرباء والماء. الطبقة الوسطى التي تكلم عنها المثقف المصري والتي حفظت مصر من"الربيع العربيط على حد وصفه، لا تملك ان تأكل لحمة إلا مرتين أو ثلاثة في الشهر، وهذا ليس من المحاسن إلا للغرباء الذين بوسعهم ان يأكلوا اللحم 3 مرات يوميا لو شاؤوا، اما أهل ابلد فينتظرون محاسن الله عليهم.

معن عبد العزيز معن25.12.2018 | 12:23 Uhr

مصر اكثر عراقة انها موغلة في القدم، عندما تسير فيها تاخذك لاحداث التاريخ لان شواهده مبنية بالحجر ولم تختفي، الا ان المطبخ المصري لا يعادل المطبخ الشامي والعراقي، هو لذيذ لكنه ليس مثيرا مثل البقية.

Hazim Al-Sharaa26.12.2018 | 13:24 Uhr

في منطقة الهرم،أصحاب الجمال والخيول عصابات، ويجب الحذر في التعامل معهم، فهم يفعلون كل شي في سبيل المال، والناس تتذكر واقعة الجمل في القاهرة عام 20111، حيث منح كل منهم 50 دولارا ليحول ساحة التحرير إلى ساحة حرب. هؤلاء عار على بلدنا

لميا خضر27.12.2018 | 14:46 Uhr

الكاتب يتحدث عن القاهرة كأنها مدينة غربية! يجب أن يزور الفسطاط والباطنية واحياء مصر القديمة وعشوائيات القمامة ليعرف حقيقة القاهرة. إنها مدينة قذرة يعلوها الزبالة والغبار، وتعاني من اختناقات مرورية في كل مكان، ولكي تصل من مدينة نصر إلى قلب القاهرة تحتاج ساعتين. والأزمة الاقتصادية تخنق الناس.

توفيق رشاد وفيق03.01.2019 | 16:58 Uhr

للمعلقين معن عبد العزيز معن، لميا خضر، توفيق رشاد وفيق..الشكر متصل لقراءتكم وتعليقكم، وأنا لا أدعي أنّ مصر خارقة المحاسن، بل أقارنها ببلدان عربية عديدة زرتها، ومن بينها بلدي الأم، فوجدت مصر متفوقة بنسبة كبيرة. لا يمكن مقارنة مصر باوروبا، لكن يمكن مقارنتها بمن حولها، وهي في نظري متقدمة عليهم جميعا في كثير من الميادين. يهمني حقا أن أسمع المزيد لآخذ كل التعليقات بنظر الاعتبار في ريبورتاجي المقبل عن مصر.

ملهم الملائكة 04.01.2019 | 16:18 Uhr