أما النظام فيمتلك، من جهته، أدوات عديدة تتعدّى بكثير المشاحنات العلنية. فهو يُسيطر على جميع وسائل الإعلام، وكذا عندما يُعبّر علماء الأزهر عن آرائهم حول السجالات الدينية عبر إصدار بيانات بهذا الصدد، يمكن أن يُطلَب من وسائل الإعلام تجاهل تغطيتها أو حذف هذه التغطية. هذا ما حدث مؤخراً، بعدما شنّت هيئة كبار علماء الأزهر هجوماً علنياً على مشروع قانون تونسي ينص على المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، مُعتبرةً أنه مخالفٌ للنصوص الدينية الواضحة بهذا الخصوص. وهنا، ربما طُلِب من وسائل الإعلام الموالية للنظام في مصر عدم تغطية البيان الصادر عن الهيئة.

وثمة أدوات أخرى أيضاً. فقد نظّمت القوات المسلحة المصرية مؤخراً ندوتها العاشرة لطلاب الأزهر، وكان الهدف منها، وفق ما أُفيد، "زيادة الوعي لدى طلاب المدارس والجامعات بشأن الأعمال البطولية التي تقوم بها القوات المسلحة للقضاء على الإرهاب". إذاً، في نظر النظام المتأهّب جيداً، قد يكون شيخ الأزهر مزعجاً (والسيسي قال كلاماً بهذا المعنى)، لكنه ليس مصدر تهديد.

قضية القدس بين الأزهر والرئاسة المصرية
الأزهر والرئاسة المصرية.. اتفاقات ظاهرة وخلافات مستترة: لا ينسى أحد تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: "تعبتني يا فضيلة الإمام" والذي جاء على خلفية مشاحنات مكتومة بين مؤسستي الأزهر والرئاسة في قضيتين هما رفض الأزهر لموضوع الطلاق الشفهي الذي عرضته الرئاسة المصرية، والآخر جاء في صورة رسائل عبر الإعلام المصري حملت مؤسسة الأزهر مسؤولية ما قالت إنه تلكؤ في تجديد الخطاب الديني وسط حملة هجوم عنيفة على الأزهر وشيخه. كما رفض شيخ الأزهر لقاء نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، اعتراضاً من شيخ الأزهر على اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل.

الدين يقع في صلب الخلاف بين مؤسسة الأزهر والنظام الحاكم

إذن هل التشنجات مردّها إلى سياسة النفوذ فقط، وليس إلى المبدأ؟ واقع الحال هو أن الدين يقع في صلب القضية المطروحة، والخلاف الظاهري – حول التشكيك بالحديث – مرتبطٌ بصورة كبيرة بالمسألة، حيث أنّ الرئيس يركّز على التهديدات الأمنية المتصوَّرة، ويطلب الدعم بالتالي في محاربة الأفكار المتشدّدة، معتبراً أن القيود والإلهاءات الناجمة عن التقيُّد بحرفية النصوص تتسبب بتعطيل هذه الجهود.

أما في نظر الطيب فالسنّة أمرٌ أساسي، ويجب إبداء الاحترام والطاعة للأشخاص المتخصصين بتفسير هذا التقليد الفكري الذي يعود إلى أكثر من ألف عام. الإصلاح أمرٌ ضروري جداً، لكن بالنسبة إلى الإمام الأكبر، الوفاء للنصوص هو دليل تقوى وخبرة وصلاح، لا دليل ظلامية. ومَن يرغبون في استخلاص تفسيرات جديدة انطلاقاً من ذلك التقليد، لا يمكنهم صرف النظر عن النصوص القرآنية الواضحة التي لا لبس فيها أو عن الحديث الموثوق بها.

باختصار، الخلاف بين السيسي والطيب دينيٌّ وسياسي على السواء، يتمحور حول القيادة والأدوار النسبية لكل من السلطات المدنية التي تقود المنظومة السياسية، والعلماء الدينيين المدرَّبين على تفسير النصوص. لا يخوض الرئيس والإمام الأكبر حرب مناورات دراماتيكية، بل حرباً طاحنة في المواقف من الإشراف على الخطب الدينية في المساجد، إلى إصدار الفتاوى، وإصلاح المنهاج المستخدَم في تدريب الأئمة.

وهذا المجال الأخير – أي مضمون ما يُدرَّس – قد يكون، في الواقع، ساحة المعركة الأهم في المدى الطويل، على الرغم من أن السجال أكثر تعقيداً وهدوءاً، فيما يحاول النظام انتزاع المسألة من أيدي الأزهر.

وفي هذا الإطار، تدفع وزارة الأوقاف الدينية باتجاه مبادرة لتدريب الأئمة في الأكاديمية الوطنية الملحقة بالرئاسة، بدلاً من تدريبهم في الأزهر. وقد أعلنت الوزارة مؤخراً أنها انتهت من تحضير مناهجها الدراسية، وسوف تبدأ بتدريب الأئمة في الأكاديمية بحلول أواخر كانون الثاني/يناير 2019. ولن تتضمن المناهج، وفق ماأُفيد، علوماً دينية وحسب، إنما أيضاً مواد عن القانون والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس. والسبب هو أنه غالباً ماانتقد المسؤولون البرامج التدريبية التي يعتمدها الأزهر لاقتصارها فقط على العلوم الدينية التي يقولون إنها لاتُشجّع التفكير المستنير.

في المرحلة المقبلة، قد يكون على النظام مضاعفة محاولاته لإخضاع الأزهر عن طريق وسائل أكثر ليونة، بغية عدم الضغط مباشرةً ضد مؤسسة لاتزال تحظى بتقدير واسع في المجتمع المصري والعالم الإسلامي. كما أن الطيب يتمتع باستقلالية ذاتية وقواعد شعبية ما يمنحه صوتاً مستقلاً، وهذا يؤدّي إلى تجدُّد احتمال ظهور نوبات دورية من التشنّجات السياسية في الحياة السياسية والدينية المصرية.

 

ناثان براون وكاسيا باردوس

المصدر: مركز كارنيغي للشرق الأوسط 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مصر: ما هو سر الخلاف بين الأزهر ونظام السيسي؟

المشكلة من وجهة نظرى ان الاسلام الصحيح ضد الدكتاتورية ؛ ولا يمكن ان يطالب بالتنوير احد ويهمل السياسة ؛ والوضع فى مصر هو ذلك؛فمن يطالب بالتجديد يطالب به فى مجال الدين فقط.

عصفور الشرق08.01.2019 | 10:14 Uhr

الخلاف بين المرحوم الازهر والسيسى
وما علاقة السيسى بالازهر او بمصر السيسى رجل موظف يقوم بتنفيذ الاوامر ولا يستطيع مخالفتها , يوجد الكثير ممن ينتقدوا السيسى دون سبب ودون جدوى فحتى السيسى ليس لة من الامر فى شئ ولا يملك حتى نفسة ,,, تصدر الاوامر فيجب تنفيذها ,والسادة مصدرى الاوامر سواء اسرائيل او امريكا او فرنسا وعلى راسهم الفاتيكان فكل لة تخصصة ولا يتعدى على الاخر , فملف الازهر خاص بالجميع وشيخ الازهر بين قبضتى السيسي ممثل المجموعة وبين ما يفرض علية دينة وواجباتة , لا يستطيع السيسى تجاهل الاوامر والا مصيرة سيكون مثل صدام او القذافى ولن يترك شيخ الازهر او الازهر دون تقويمة ووضعة على طريق الضلال , فيجرى منذ فترة الغاء علاقة الازهر بالدين الاسلامى فقريبا سيتم نقل مقرة ثم جعلة تاريخا واما هدمة واما تحويلة الا شئ اخر لا علاقة لة بالعلم او الدين ....... فالسيسى ليس لة من الامر فى شئ ولا يملك حتى نفسة فلا تظلمو:

Ahmed Saleh08.01.2019 | 10:39 Uhr