"من السذاجة الاعتقاد أن واشنطن أو إسرائيل ستوقفان التهديد الإيراني إزاء الدول العربية، من أجل عيون هذه الدول"

استخدمت الولايات المتحدة الأميركية العراق الصاعد في عهد صدام حسين، للتقليل من طموح  طهران الخمينية التي بدأت معادية للغرب وإسرائيل بالدرجة الأولى، فقضت على العراق، وساهمت في حرف الثورة الإيرانية الشعبية عن أهدافها، ودفعها نحو التطرّف الطائفي والمذهبي. وها هي تسعى من جديد إلى استخدام ما تبقى من الموارد العربية المالية والسياسية من أجل تطويع إيران، ودفعها إلى الخضوع لأهداف السياسة الأميركية والإسرائيلية. خلال ذلك، لن يتقدّم موقف العرب شعرةً واحدة، على أي صعيد. فإذا قبلت طهران التفاوض على مشروعها التخريبي لن تفاوض مع العرب، وإنما مع واشنطن وإسرائيل اللتين تشكلان مصدر القوة الحقيقي التي تهدّدها، وعلى حساب العرب.

وإذا قرّرت طهران الاستمرار في المواجهة، سوف يعني ذلك توسيع دائرة الحرب على الأرض العربية وبزيادة تكاليفها التي لن يقدّمها سوى العرب، بشريةً كانت أو سياسية أو مادية واستراتيجية، من أمنهم واستقرارهم وفرص تنمية اقتصاداتهم معا.

لن يحل مشكلة العرب شراؤهم تأييد الدول الأخرى ودعمها بتنازلاتٍ سوف تزيد من ضعفهم وتشتتهم وانقسامهم. وفي النهاية، إضاعتهم لأي أملٍ في الاحتفاظ بصدقيتهم، واستقلال دولهم، وربما بقائها. لو كانت واشنطن تريد بالفعل مساعدة العرب، بل مشاركتهم، ولو قليلا في تكاليف المواجهة، لفرضت على تل أبيب تعديل موقفها من المسألة الفلسطينية، وإذا لم يكن ذلك بالاعتراف بالدولة الفلسطينة الموعودة إلى جانب إسرائيل، على مبدأ حل الدولتين، فعلى الأقل بالوقف النهائي لحركة الاستيطان، وما تعنيه من تغيير الطابع الديمغرافي للأرض.

ولو كانت تسعى بالفعل لإنقاذ الشرق الأوسط من المحرقة التي وضعته فيها حربان، قادتا إلى تسعير العداء بين العرب والإيرانيين، وتفجير حرب تاريخية بينهما، خصوصا بضرب القوة العراقية ووضع نظام طائفي في بغداد مكانها، لاتّبعت سياسة أخرى مختلفة تماما، وتبنّت خياراتٍ من شأنها مساعدة العرب والإيرانيين على نزع فتيل الحرب الدائرة عمليا من ثلاثة عقود، وتوجيه جهودهما إلى تنمية شعوبهما، وتقديم ضماناتٍ للطرفين بعدم التوسع والاعتداء، وفتح مجال التعاون بينهما.

مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن، فدريكا موغريني (يسار)
هل هو مؤتمر مناهض لإيران؟ أم يتعلق الأمر بإحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط؟ مؤتمر وزاري في وارسو يقسم الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ويتسبب في خصام داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن وقف الحرب في المنطقة وتخفيف حدّة التوتر بين دولها ليس أبدا من أهداف السياسة الأميركية أو الإسرائيلية. بالعكس، المطلوب تسعيرها لقطف ثمارها من الطرفين، واللعب عليها لإخضاعهما وإجبارهما على الركوع معا أمام الإرادة الأميركية والإسرائيلية.

تتحمّل طهران مسؤولية كبرى في رمي الخليج على إسرائيل، بعد تعلقه بأذيال الحماية الأميركية عقودا، لكن للخليج ودول جامعة الدول العربية عموما مسؤولية كبيرة أيضا في تبنّي سياسة واشنطن ضد إيران والجري وراء مخططاتها التي تستهدفهم أكثر مما تستهدف إيران في نظري، لمصالح استراتيجية وإسرائيلية معا، بدل بلورة سياسة عربية مستقلة، ولو نسبيا، تسمح بإعادة التوازن مع إيران، وتفتح باب التسوية مع شعبها.

ومن دون بلورة هذه السياسة، وصوغ أجندة عربية مشتركة للمنطقة وللعلاقات مع الجوار، وبناء قوة استراتيجية تضمن تطبيقها والدفاع عنها، لن يعمل الارتماء العربي على القوى الأخرى الخارجية، سواء كانت الولايات المتحدة أو أوروبا، أو الصين غدا، إلا على إضعاف موقفهم بشكل أكبر، والسماح للقوى المدافعة أن تقطف هي نفسها ثمار مواجهتها إيران وغيرها أو حل التناقضات الإقليمية معها. لا توجد دولةٌ تعمل لصالح دولة أخرى، وإنما تستغل جميع الدول ضعف الدول الأخرى، حتى لو كانت حليفتها، وإذا أمكن تزيد في ضعفها وحاجتها إليها من أجل تعظيم مكاسبها، سواء هنا باستتباعٍ أكبر للعرب، ومص دمائهم أو بإضعاف إيران وفرض التنازلات القاسية عليها لصالح الولايات المتحدة.

"المطلوب أميركيا وإسرائيلياً تسعير الحرب لقطف ثمارها من الطرفين، واللعب عليها لإخضاعهما وإجبارهما على الركوع"

والخلاصة أن إيران معضلة كبرى بالنسبة لعرب المشرق، خصوصا الذين يتعرّضون لهجوم كاسح منها، عسكري وسياسي ومذهبي، في إطار صراعها هي نفسها مع الغرب، ولجرّ الغرب إلى معركةٍ معها يرفض الغرب خوضَها بنفسه، ويريد أن يحمل العرب من جديد، باسم مساعدتهم على درء خطرها، مسؤوليتها وتكاليفها.

مواجهة المخططات الإيرانية تحدّ كبير للعرب، ولا يمكن أن يردّ عليه رهن العرب إرادتهم لدول أخرى، لها مصالح علنية في إضعاف مناعتهم وإخضاعهم لأجندتها القومية.

ما يرد عليه هو تطوير دفاعات العرب الذاتية، والعمل على أن يتحولوا، هم بذاتهم، إلى طرف حقيقي في المعادلة الاستراتيجية الإقليمية، يُحسب حسابهم ويُعترف لهم بنصيب من القرار الإقليمي والحد الأدنى من السيادة والاحترام والمعاملة الندّية. وهذا ما تعمل الحكومات العربية، والخليجية منها بشكل خاص، كل ما تستطيع لتجنب التفكير فيه والعمل من أجله.

فمثل هذا الخيار لا يمكن أن ينفصل عن خيارٍ يعادل في نظر عديدين من أعضاء نخبها الحاكمة تجرع كأس السم. فهو يتعلق حصرا بحل مشكلة العلاقة مع شعوبها، ومواجهة المسألة السياسية والقبول بتنازلاتٍ تدريجية، ولكن جدّية في نمط توزيع السلطة، والسيادة، الذي يتوقف عليه توزيع أفضل لفرص التقدم والترقّي والثروة. وهنا بيت القصيد وكعب أخيل الذي ترفض النخب التي تعودت احتكار السيادة مناقشته حتى الآن.

 

برهان غليون

حقوق النشر: العربي الجديد 2019

موقع قنطرة يعيد نشر المقال بالاتفاق مع الكاتب.

أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض، من مؤلفاته: "بيان من أجل الديمقراطية" و"اغتيال العقل" و"مجتمع النخبة".

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.