استمراء الاستبداد السياسي المغلّف بإطارات علمانية

العلمانيون، أيضاً، لا يشذّون كثيراً عن هذه القاعدة فلديهم تقسيماتهم ومخاوفهم وهواجسهم، رغم الاعتقاد الرائج أو المفترض بأنهم أقرب ميلاً إلى حرية التفكير والتعبير. ففي حيّز الممارسة يتكشف كثير من هؤلاء، مثلهم مثل قطاعات من اليساريين والإسلاميين والقوميين، عن مستبدين من نوع آخر، إذ يستكثرون على غيرهم الحرية وحتّى الديمقراطية، وحتى أن بعضهم يصل حدّ استمراء الاستبداد السياسي المغلّف بإطارات علمانية، كونه يضمن نمط عيشهم على الديمقراطية التي قد تحرمهم من ذلك (كما يحصل مع كيانات «يسارية» اليوم).

ومعلوم أن العلمانية تختلف عن الإلحاد، وهي سليلة ثورات الإصلاح الديني والعقلانية والحد من سلطة رجال الدين ومن تدخلهم في شؤون الدنيا، بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وعدم تسييس الدين أو تديين السياسة.

هذا يحصل مع التيار الديمقراطي الذي ينبذ الحرية بدعوى ان الديمقراطية هي مجرد حق الانتخاب، وحق اختيار الحكام، وأن الديمقراطية هي حكم الأغلبية، التي تبيح له التسلط على الأقلية، في حين أن الديمقراطية من دون حرية أفراد، ومن دون مكانة المواطنة الفردية والمستقلة، ومن دون احترام حقوق اية أقلية، أو أي فرد، تغدو مجرد ديمقراطية جماعات، طائفية أو اثنية، على نحو ما يجري في لبنان وفي العراق، أي انها مجرد غطاء لسلطة اقلية.

يستنتج من ذلك أن الديمقراطية في البلدان العربية ستبقى ناقصة، إذا لم تتطعّم بحمولات ليبرالية تتعلق بالحرية والمواطنة والاستقلال عن الانتماءات القبلية، الجماعية، وإعلاء الإنسان الفرد، وضمن ذلك ضمان حقه في الاختيار والمساواة وتكافؤ الفرص، بحيث يتم النص على ذلك في الدستور، ويعتبر في مكانة مركزية بالنسبة للتشريعات القانونية.

 الحرية في الفكر الإسلامي

لا ديمقراطية بدون حرية ليبرالية

وفي الواقع فإن هذا الاضطراب، أو النبذ، لفكرة الحرية (الليبرالية) عندنا، ونحن نقصرها هنا على الجانبين السياسي والحقوقي، أي بمعزل عن الليبرالية الاقتصادية المختلف عليها، هو نتاج حرمان المجتمعات العربية من السياسة، ومن الحقوق والحريات، والافتقاد لمجتمع المواطنين.

كما يمكن تفسير ذلك بأن المجتمعات العربية تتوخّى الدخول مباشرة في الثورة الديمقراطية، على خلاف التجربة الأوروبية، أي من دون المرور في ثورة العلمنة وتحرير العقل، ومن دون الدخول في الثورات الليبرالية التي أدّت إلى تحرير الفرد بوصفه قيمة عليا وإلى اعتبار المواطن الوحدة الأساسية في المجتمع، بعيداً عن أية تنمطيات أو انتماءات أخرى (على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو الوضع الطبقي)؛ وهما أمران لا يبدو أن بمقدور الثورات الراهنة تحقيقهما في ظل هيمنة سياسات الهوية والتنميطات الجمعية العمودية.

وإذا كان يمكن القول بأن الثورات التحريرية («الليبرالية») في أوروبا استوعبت أو هضمت العلمانية، أو هذبتها، فإن فكرتي الحرية والمواطنة الفردية/المدنية لم يكن بالإمكان هضمهما أو تجاوزهما في الديمقراطية، التي تتعلق بكيفية تنظيم العلاقات وإدارتها في المجتمع وبين المجتمع والدولة، إلا من خلال الديمقراطية الدستورية، أو من خلال ما بات يعرف بالديمقراطية الليبرالية، لأن الحمولات الليبرالية هي التي ترشّد الديمقراطية وتضبطها بحيث لا تتحوّل إلى نوع جديد من استبداد أكثرية، برلمانية أو تصويتية (دينية أو اثنية أو عرقية) بأقلية، وبحيث يتم ضمان حريات المواطنين الأفراد، ومساواتهم أمام القانون بصفتهم المدنية.

ماجد كيالي كاتب وباحث سوري معروف يكتب لعدد من الصحف العربية وله دراسات متنوعة حول الفكر السياسي المعاصر في العالم العربي.
ماجد كيالي كاتب وباحث سوري معروف يكتب لعدد من الصحف العربية وله دراسات متنوعة حول الفكر السياسي المعاصر في العالم العربي.

المعنى من ذلك أن الديمقراطية المتوخاة في البلدان العربية ستبقى ناقصة، وقد تنطوي على ما يثير المخاوف، إذا لم تتطعّم بحمولات ليبرالية، تتعلق بالحرية والمواطنة وإعلاء شأن الإنسان الفرد، وضمن ذلك ضمان حقه في الاختيار والمساواة وتكافؤ الفرص. طبعاً، هذا ليس مديحا أو إعلاء لشأن التيارات التحريرية («الليبرالية») التي تناضل من اجل الحرية والمواطنة المدنية، لأن هذه التيارات ثمة فيها أيضاً من ينتقص من قيمة الديمقراطية أو من قيمة العدالة الاجتماعية؛ لكن هذا يحتاج إلى نقاش آخر.

قصارى القول نحن هنا إزاء إشكالية كبيرة وعميقة بشأن معنى الحرية في الثورات العربية تنبثق من عدّة مستويات، بعضها سياسي نابع عن الغياب التاريخي للمشاركة السياسية ولتقاليد العمل السياسي والحزبي، وعن الخضوع لأنظمة استبدادية لقرون. وبعضها اجتماعي ـ اقتصادي ناجم عن ضعف التمدين وعن تخلّف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية. وبعضها ناجم عن سياسات «الهوية» في هذه المنطقة، التي تعمل على ترسيخ الانقسامات العمودية (الدينية والاثنية)، وإضعاف مسارات الاندماج المجتمعي في البلدان العربية، وتغييب المواطن الفرد.

هذا يعني أن التخلّص من النظم الاستبدادية شيء، وتحقيق المتوخّى شيء آخر، وأن النظم التي شكّلت حاجزاً أمام تطوّر الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي قد ترحل، لكنه يفيد أيضا أن الأحوال لن تتغيّر بسهولة أو دون تعقيدات ومعوقات.

 

ماجد كيالي

حقوق النشر: قنطرة 2016

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.