الدين والسياسة في المغرب

الفصل بين الدعوي والسياسي في التجربة المغربية

أعاد قرار حزب النهضة التونسي، فصل عمله السياسي عن نشاطه الدعوي، الحديث مرة أخرى عن علاقة الدين بالسياسة في العالم الإسلامي، وهل يمكن فعلاً الفصل بينهما؟ وهل هناك نماذج أو وصفات جاهزةٌ يمكن تمثلها، أو الاقتباس منها؟ الكاتب والمحلل السياسي علي أنوزلا يرصد حدود التماس بين الدين والسياسة في المغرب.

كتبت سابقاً أن تجربة حزب النهضة درس لكثيرٍ من حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وأن الحكم عليها مازال سابقاً لأوانه، لمعرفة ما إذا كان ذلك الفصل عملا تكتيكيا أم خيارا استراتيجيا لواحدةٍ من أهم تجارب الإسلام السياسي في المنطقة. ونهاية الأسبوع الماضي، وبمناسبة انعقاد المؤتمر الاستثنائي لحزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة المغربية، قال أمين عام الحزب عبد الإله بنكيران إن حزبه كان سباقاً إلى الفصل بين الدعوة والسياسة، من خلال عدة مراجعاتٍ تدريجيةٍ أدت إلى ميلاد ما وصفه بأنه حزب "سياسي مدني".  

جاء حديث بنكيران مشحونا بنزعة مزهوة، وهو يقول إن تجربة حزبه صارت مضرباً للمثل، ونموذجاً يحتذى به في باقي مناطق العالم، والحقيقة أن مثل هذا الخطاب غالباً ما نسمعه عند فاعلين سياسيين، عندما يتحدثون عن تجارب مغربية، من قبيل قولهم إن المغرب بلد ديمقراطي، وإن المغرب أنجز انتقاله الديمقراطي منذ سنوات، وكان سباقاً إلى إقامة مصالحة وطنية عبر آلية العدالة الانتقالية. وهذه كلها مقولات نسبية يطغى عليها طابع الخصوصية المغربية التي يعرف أصحابها أنها موجّهة إلى الاستهلاك الخارجي، بالدرجة الأولى، وإلى دغدغة المشاعر الوطنية عند بعض أتباعهم. وهذا موضوع آخر.

تداخل الدين والسياسة في المغرب

وبالعودة إلى علاقة الدين بالسياسة في المغرب، نجد أنها ملتبسة ومتداخلة، في كل مستويات السلطة، على مستوى هرم الدولة، بما أن الملك هو نفسه أمير المؤمنين، وداخل الحكومة حيث وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كما قال بنكيران، أخيراً، على الرغم من أنها جزء من حكومته، إلا أنها تبقى مجالاً محفوظا للملك.

ملك المغرب
توزيع للأدوار: مراقبة أداء حزب العدالة والتنمية وذراعه الدعوي، فإن ما يجمع بينهما أكثر مما يفرق بينهما، حتى ليبدو أن الأمر يتعلق فقط بنوعٍ من توزيع الأدوار بذكاء، حتى لا يبدو هناك تداخل بين ما بين ما هو دعوي وما هو سياسي.


وحتى على مستوى الحركة الإسلامية في المغرب، فهي نشأت، في أغلبها، في المجال الدعوي، وبرعاية وتشجيع في البداية من السلطة، أي من الدولة. وفي هذا، تختلف الحركة الإسلامية في المغرب، باستثناء تجربة "العدل والإحسان"، عن باقي تجارب الحركات الإسلامية في المشرق التي وجدت، منذ بداية نشأتها، نفسها في صراعٍ مع السلطة القائمة في بلادها. بينما نجد أن الحركة الإسلامية في المغرب، خصوصاً التيارات التي ساهمت في تأسيس حزب العدالة والتنمية، نمت وترعرعت في حضن السلطة، وبرعاية وعناية منها، لمواجهة المعارضة اليسارية في الماضي، ولملء الفراغ الذي أحدثه إضعاف الأحزاب اليسارية وتراجعها في الحاضر. وبما أن الطبيعة لا تحب الفراغ، لم تكن السلطة تسمح لمن سيملأه بدون إذن منها، وتحت رعايتها، وبتنشئة خاصة منها.

فمنذ البداية، سعت السلطة في المغرب إلى تبني استراتيجية الاحتواء، في تعاملها مع الحركة الإسلامية، بالترهيب أو بالترغيب، فما لا يأتي بالترغيب، تستعمل معه أسلوب الترهيب حتى يلين، ويأتيها متوسلاً متملقاً، كما يحصل اليوم مع رموز الحركة السلفية، الخارجين لتوهم من غياهب السجون والطامحين إلى تأسيس أحزابٍ سياسيةٍ، تعلن ولاءها للسلطة، ومستعدين للتحالف من أجل بلوغ ذلك الهدف، حتى مع الشيطان. وحتى لو كان هذا الشيطان ضابط مخابرات سابق، مازالت تلاحقه تهم التورّط في سنوات الرصاص التي عاشها المغرب في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وثمانينياته.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.