الذكرى السنوية الأولى لوفاة جورج فلويد

حين تتمادى قوات الأمن في انتهاك حقوق المواطنين

وافق الـ 25 / 05 / 2021 مرور عام على مقتل الأمريكي ذي الأصل الأفريقي جورج فلويد إثر جثوم شرطي على عنقه مشعلاً احتجاجات عارمة أمريكية وعالمية. محمد بدوي مصطفى يتذكر الحادثة كي لا ننسى، مشيرا إلى ثورات ضد الظلم لن تخمد ما دامت أصواتها تدوي، وتنادي في المشارق والمغارب: هل من مزيد!

كنت أشاهد في الأيام القليلة الماضية نشرة الأخبار الألمانية وكان أحد المواضيع عن إحياء ذكرى جورج فلويد وتفاعل الشباب في ألمانيا معها أيضًا عن التفلتات الأمنية للشرطة الأمريكية وما آل إليه حال البلد من سوء؛ وإذا بناشطة اجتماعية وخبيرة في هذا الحقل تصرح بالآتي: "إن أردت أن تقتل وتستعمل السلاح دون مساءلة فعليك بالشرطة الأمريكية".

وهذه الجملة تفسر بكل دقة ما وصل إليه حال هذا البلد منذ سنين عددا من ظلم واستبداد، وقهر واضطهاد، وضغط واستعباد، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الأقليات المتباينة التي تجاهد وتناهض وتصارع من أجل مطالبها ومن أجل الأمن والأمان لأفرادها. فمع موت جورج فلويد العام الماضي انبثقت الصرخة الأخيرة التي تنادى ملئ شدق بشعار "كفى" و "بلغ السيل الزبى" لكن هل من مجيب ...؟

حرصت أفواج الشباب في كل مدن العالم، وحتى في مدينتنا  الحالمة الناعسة الصغيرة كونستانس الألمانية، على إحياء الذكرى الأولى لوفاة الأمريكي جورج فلويد، كما وأراد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، في هذا اليوم التاريخيّ المهم، ليس الوقوف بجانب تلك الحشود فحسب لكن التموقع في مقدمة صفوف هؤلاء الشباب الذين أرادوا بكل صفاء وبكل نكران ذات إسماع العالم أصواتهم المدوية وأن يصل كل صوت لكل من لقي حتفه ظلما وبهتانا أو مات على ترهات الطرق وفي متاهات الزحام ضحية مجهولة لم يحفل بها أحد، نفدت روحها تحت قسوة وظلم الشرطة وعناصرها عندما تتمادى في انتهاك حقوق الأفراد، لا سيما أولئك الذين ينتمون للأقليات الإثنية المتعددة بالولايات المتحدة الأمريكية. 

 

وغرد في هذا السياق الرئيس الأسبق براك أوباما على حسابه بموقع تويتر، قائلا: "قُتل جورج فلويد منذ عام واحد، ومنذ ذلك الحين، لقي مئات الأمريكيين حتفهم في مواجهات مع الشرطة - آباء وأبناء وبنات وأصدقاء أُخذوا منا في وقت قريب جدًا. بيد أنّ العام الماضي منحنا أيضًا أسبابًا للأمل (والتفاؤل)". وأضاف أوباما قائلاً: "أصبح المزيد من الناس وفي أماكن متعددة بالعالم يرون الأشياء أكثر وضوحًا مما كانوا عليه قبل عام. إنّه (دون أدنى شكّ) تقدير لجميع أولئك الذين قرروا أن تكون هذه المرّة مختلفة عن سابقاتها، وأنهم بطريقتهم الخاصة سيساعدون حتمًا في جعلها مختلفة".

وتابع مستطردًا: "عندما يتعمق الظلم، يستغرق التقدم وقتًا. ولكن إذا تمكنا من تحويل الأقوال إلى أفعال والأفعال إلى إصلاح ذي مغزى، فسنتوقف، على حد تعبير جيمس بالدوين، عن الهروب من الواقع ونبدأ في تغييره".

موجة عارمة وغير مسبوقة من التظاهرات

ولقد كان يوم الثلاثاء 25 / 05 / 2021 يوافق الذكرى الأولى لوفاة الشهيد جورج فلويد. وكما شهدنا في الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي المتباينة فقد أشعلت ذكرى حادثة وفاته موجة عارمة وغير مسبوقة من التظاهرات والاحتجاجات الوازنة التي انتشرت في مختلف مدن الولايات المتحدة الأمريكية، بل عمّت كل أنحاء العالم، والتي شارك فيها الشباب من كل الإثنيات والأعراق والديانات بدون فرز، ليثبتوا للعالم أنّ هذا الجيل مستعد لمواجهة الصعاب وعازم كل العزم على اجتياز كل التحديات التي ولّدتها هذه الألفية الثالثة ووضعت عقباتها على قارعة الطريق التي يسيرون عليها.

 

نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي. وهي تلتقي بعائلة جورج فلويد في واشنطن.
في الصورة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي وهي تلتقي بعائلة جورج فلويد: استغل أقارب فلويد زيارتهم إلى واشنطن في ذكرى وفاته للضغط على بايدن والكونغرس لسن تشريع يضمن أن تعامل سلطات إنفاذ القانون الأقليات معاملة عادلة. وفي مارس آذار 2021 أقر مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية مشروع قانون، يُطلق عليه قانون جورج فلويد للعدالة في الشرطة لحظر أساليب مثيرة للجدل تستخدمها الشرطة مثل "الإمساك بالخنق" وتسهيل مقاضاة أفراد الشرطة بتهمة السلوك غير القانوني. وعملت مجموعة من الكونغرس من الحزبين للتوصل إلى حل وسط لكسب ما يكفي من الدعم الجمهوري لضمان تمريره في مجلس الشيوخ، حيث يتمتع الديمقراطيون بهامش سيطرة ضئيل للغاية. وقال فيلونيس شقيق فلويد بعد لقائه هو وخمسة من أفراد الأسرة ببايدن ونائبته "إذا كان بإمكانك سن قوانين اتحادية لحماية الطائر (الوطني)، وهو النسر الأصلع، فيمكنك سن قوانين اتحادية لحماية الملونين". وقال بايدن في بيان "علينا أن نتحرك...كانت المعركة من أجل روح أمريكا بمثابة شد وجذب مستمرين بين المثل العليا الأمريكية في المساواة والواقع القاسي المتمثل في أن العنصرية مزقتنا لفترة طويلة".

 

والجدير بالذكر وكما ذكر الرئيس الأسبق أوباما في أعلى المقال أن جرائم الشرطة ضد أصحاب البشرة السمراء لا تزال على أجندة الأحداث اليوميّة وتتكاثر يومًا تلو الآخر في محافل دور العدالة وأنها على العكس، لم تقل بل طفقت في ازديار ملحوظ - لا سيما بعد فترة حكم الرئيس الأسبق دونالد ترامب، مما جعل المطالب السياسية والشعبية ترتفع وتزداد حاثة على ضرورة إصلاح الشرطة وإقرار قوانين تحقق ذلك.  

وكان مقتل فلويد، قد أثار نقاشا حاميا حول دور الانتماء العرقي في دور العدالة الجنائية وفي حقل الاقتصاد والتعليم وجوانب أخرى للحياة في أمريكا. للأسف فإن الحديث بشأن العنصرية المنهجية لم يتحول إلى إجراءات على أرض الواقع ولا حتى في مساطر التشريع للحد منها، لكن بحلول الذكرى الأولى لوفاة فلويد تفجرت مجددًا موجة احتجاجات هائلة في الولايات المتحدة وحول العالم، ينادي فيها النشطاء بالعدالة للكل ويذكرون فيها السياسيين الذين أيدوا التغيير أنهم قد فشلوا في تطبيقه فشلًا ذريعًا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة