يونيو 2022: مظاهرة  ضد ارتفاع أسعار الوقود. بيشاور - باكستان.

الذكرى الـ75 لاستقلال باكستان
دولة إسلامية نووية هل يكفيها ذلك للنهضة؟

بعد 75 عاما على انبثاقها هي والهند من الراج البريطاني تبدو باكستان دولةً متعددة الإمكانيات لولا توترات مستمرة مع جارتها الهندية ومشاكل اقتصادية محلية عديدة. استجلاء هارون جانجوا من إسلام أباد.

مع احتفال باكستان بمرور 75 عاماً على الاستقلال في (16 آب/أغسطس)، لم تخطط إسلام أباد لأي شيء خاص، باستثناء حفل رفع العلم وعروض ألعاب نارية في العاصمة، إضافة إلى طرح ورقة 75 روبية جديدة (0.34 يورو/0.35 دولار).

لكن الـ 75 روبية لم تعد تشتري ما كانت تشتريه من قبل. إذ أظهرت بيانات التضخّم الصادرة في تموز/يوليو 2022 أنّ مؤشر أسعار المستهلك الباكستاني قد ارتفع بنسبة 25% تقريباً مقارنة بالعام الماضي. ويكافح المستهلكون لتحمّل التكاليف الباهظة للمواد الأساسية مثل الغذاء والطاقة.

يلقي الاضطراب الاقتصادي بالكثير من الضغط على كاهل الحكومة الباكستانية الجديدة، التي تجري حالياً مفاوضات طويلة الأمد مع صندوق النقد الدولي بشأن صفقة إنقاذ لتفادي تخلّف كارثي في سداد الديون الخارجية.

دورة الضائقة الاقتصادية

أوضح السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، حسين حقاني، أنّ الخلل الاقتصادي الباكستاني مُتجذّر في مشاكل هيكلية عميقة يعود تاريخها إلى عقود. فكما يقول حقاني: "التفسير الشائع لأداء باكستان الاقتصادي الضعيف

نسبياً هو أنّ ثروات البلاد تُنهب بشكل منتظم من قبل السياسيين والبيروقراطيين الفاسدين، مما يجعلها تبدو أفقر مما هي عليه". لكنه قال إنّ المشاكل الاقتصادية الباكستانية أعمق من مجرد الفساد.

إذ لا تزال باكستان مستورداً صافياً للسلع والخدمات، بينما تصنيعها لم يتوسّع بما يكفي لسدّ الفجوة. وتُعَدُّ النسبة بين معدلات تحصيل الضرائب والناتج المحلي الإجمالي وكذلك بين الصادرات والناتج المحلي الإجمالي لباكستان من بين أدنى المعدلات في العالم. وهذا يعني أنّ الحكومة تواجه نقصاً مستمراً في الإيرادات وأنّ البلاد تعاني من نقص دائم في النقد الأجنبي.

 

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. Pakistan's Prime Minister Shehbaz Sharif (photo: AFP/Getty Images)
مشاكل اقتصادية عميقة: لا تزال باكستان مستورداً صافياً للسلع والخدمات، بينما تصنيعها لم يتوسّع بما يكفي لسدّ الفجوة. تُعَدُّ النسبة بين تحصيل الضرائب والناتج المحلي الإجمالي وكذلك بين الصادرات والناتج المحلي الإجمالي لباكستان من بين أدنى المعدّلات في العالم. وهذا يعني أنّ الحكومة تواجه نقصاً مستمراً في الإيرادات وأنّ البلاد تعاني من نقص دائم في النقد الأجنبي. وبينما تتفاوض حكومة شريف مع صندوق النقد الدولي حول تخفيف الديون، ألغى شهباز شريف دعم الوقود سعياً لزيادة الإيرادات العامة. وقد اتهم المنتقدون شريف ببيع الباكستانيين العاديين من أجل مصلحة الدائنين الأجانب.

 

وقد قال حقاني، وهو الرئيس الحالي لشؤون جنوب ووسط آسيا في معهد هدسون، مؤسسة بحثية في العاصمة واشنطن: "اتّخذ القادة الباكستانيون المتعاقبون خيار الاعتماد على المساعدات الخارجية أثناء بناء القدرات العسكرية، متجاهلين أساسيات الاقتصاد".

ولم يكن الأمر هكذا فيما سبق. ووفقاً للاقتصادي الشهير كايزر بنغالي، سعت باكستان إلى تحقيق تنمية متينة وخلقت كمية كبيرة من الأصول الاقتصادية في السنوات التي أعقبت الاستقلال في عام 1947.

وكشف بنغالي أنه بعد انفتاح باكستان بشكل أكبر على المصالح الأجنبية في حوالي العام 2000، بدأت الواردات والإنفاق الحكومي بتجاوز عائدات الضرائب والصادرات، والفجوة التي سببتها القروض الأجنبية. فكما يقول: "اليوم، تؤخذ القروض لسداد القروض السابقة فحسب، وليس لأي مشروع تنموي".

عدم الاستقرار السياسي المستمر

يعني انخفاض الإيرادات الحكومية تضاؤل الموارد للخدمات العامة، مما يساهم بدوره في عدم الاستقرار السياسي. في نيسان/أبريل (2022)، أطيح برئيس الوزراء السابق عمران خان من منصبه عبر اقتراع لسحب الثقة، بعد أن ألقي عليه باللوم لسوء إدارة الاقتصاد خلال السنوات الثلاث التي قضاها في المنصب. أما خان فقد زعم أنه قد "أُطيح به" من قبل "حكومة مستوردة مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية". ونزل أنصاره إلى الشوارع احتجاجاً ويُعتقَد أن خان قوة سياسية مُزعزِعة للاستقرار.

وقد واجه خليفة خان، شهباز شريف، معركة شاقة مع نظام حكم ممزّق واقتصاد متخبّط. وبينما تتفاوض حكومة شريف مع صندوق النقد الدولي حول تخفيف الديون، ألغت دعم الوقود سعياً لزيادة الإيرادات العامة. أما منتقدو شريف فقد اتّهموه ببيع الباكستانيين العاديين من أجل مصلحة الدائنين الأجانب.

وفي أيار/مايو 2022، قال المعلّق السياسي رضا رومي: "نتيجة عدم الاستقرار السياسي في باكستان أصبح مستقبل البلاد الاقتصادي غير واضح. كما أنّ تزايدَ الاستقطاب السياسي والاحتجاجات من قبل خان قد أثقلا الحكمَ، ولا سيما القرارات الصعبة للوفاء بشروط صفقة الإنقاذ مع صندوق النقد الدولي".

الجيش في المعادلة

لعقود طويلة من الزمن، كان الجيش الباكستاني قوة سياسية واقتصادية فعّالة. إذ أنه يتمتّع بنفوذ كبير على المؤسسات المدنية، مما يساهم في تشكّل التصورات العامة حول الفساد الحكومي.

واتّهم معارضو خان رئيس الوزراء السابق بأنه "دمية" بيد الجيش، كما يقول بعض المحللين الليبراليين إنّ الجيشَ قد تلاعبَ بالانتخابات العامة في عام 2018 من أجل إيصال حزب خان "حركة الإنصاف الباكستانية" إلى السلطة، وهو ادعاء نفاه كل من الجيش وخان.

وقد أكّد المحلل السياسي المقيم في كراتشي، توصيف أحمد خان، في مقابلة في عام 2021 أنّ: "عمران خان هو الوجه المدني لدولة عسكرية".

أما مليحة لودي، وهي دبلوماسية باكستانية سابقة، فتعتقد أنّ عدم الاستمرارية السياسية "ساهم بشكل كبير" في مشاكل باكستان لأنّ البلد "تناوب بين الحكم العسكري والحكم المدني في نمط دوري".

وأضافت: "كما ترك ذلك إرثاً من التفاوت في ميزان القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة".

كما قالت لودي أيضاً: "تحديات الحكم هي أيضاً نتيجة رد الفعل السلبي من الارتباطات الجيوسياسية الطويلة التي شهدتها البلاد خلال الحرب الباردة وما بعدها، وتأثير تنافسات القوى العظمى والانقسامات في الجغرافيا السياسية في المنطقة".

 

عرض عسكري في إسلام أباد - باكستان - في مارس / آذار 2022. Military parade in Islamabad, Pakistan in March 2022 (photo: Xinhua/picture-alliance)
علاقة مدنية عسكرية مشوّهة: مليحة لودي، وهي دبلوماسية باكستانية سابقة، تعتقد أنّ عدم الاستمرارية السياسية "ساهم بشكل كبير" في مشاكل باكستان لأنّ البلد "تناوب بين الحكم العسكري والحكم المدني في نمط دوري". والنتيجة: عدم تناسق القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة. كما أضافت: "تحديات الحكم هي أيضاً نتيجة رد الفعل السلبي من الارتباطات الجيوسياسية الطويلة التي شهدتها البلاد خلال الحرب الباردة وما بعدها، وتأثير تنافس القوى العظمى والانقسامات في الجغرافيا السياسية في المنطقة".

 

وقال المحلّل حقاني: "أربع ديكتاتوريات عسكرية ومناورات سياسية وراء الكواليس من قبل الجيش قد خلقت علاقة مدنية عسكرية مشوّهة".

ويضيف: "قيادة الجيش الباكستاني لم تثق قَطُّ بالسياسيين المدنيين للتصرف فيما يعتبرونه "مصالح البلاد" ولذلك فقد تدخلوا مراراً وتكراراً لإبعاد القادة المدنيين سواء من خلال انقلابات عسكرية أو قضائية".

التركيز على الخصم اللدود (الهند)

منذ عام 1947، حين نالت باكستان الاستقلال بعد حلّ الراج البريطاني وانفصالها، ركّزت السياسة الخارجية لإسلام أباد على خصمها اللدود، الهند.

وكما قال حقاني: "كانت الدبلوماسية والسياسة الخارجية لباكستان يقودها نموذج قائم على الأيديولوجية، ركّز على التكافؤ مع جارتها الأكبر". وأضاف أنّ: "العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب الباردة، مع الصين، وحتى مع دول العالم الإسلامي الأكبر، ركّزت على عامل الهند، بدلاً من ضمان الأمن القومي وتعزيز التنمية الاقتصادية".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة