"النار ما تورث غير الرماد"

"عادت الفئران تحومُ حول قفص الدجاجاتِ أسفل السِّدرة وحسب. تسلَّلت إلى البيوت. كنتُ أشمُّ رائحةً ترابية حامضة، لا أعرف مصدرها، إذا ما استلقيتُ على أرائك غرفة الجلوس. ورغم أنّي لم أشاهد فأراً داخل البيت قط، فإن أمي حِصَّه تؤكد، كلما أزاحت مساند الأرائك تكشف عن فضلاتٍ بنيةٍ داكنة تقارب حبَّات الرُّز حجماً، تقول إنها الفئران.. ليس ضرورياً أن تراها لكي تعرف أنها بيننا!

أتذكَّر وعدها. أُذكِّرها: "متى تقولين لي قصة الفيران الأربعة؟". تفتعل انشغالاً بتنظيف المكان. تجيب: "في الليل". يأتي الليل، مثل كلِّ ليل. تنزع طقم أسنانها. تتحدث في ظلام غرفتها. تُمهِّد للقصة: "زور ابن الزرزور، إللي عمره ما كذب ولا حلف زور.."!

طاعون الفرنسي الحائز على "نوبل" ألبير كامو
"الطاعون هنا، كأنه يحيل إلى طاعون الفرنسي الحائز على "نوبل" ألبير كامو، ويحدث في مدينة جزائرية أثناء الاحتلال الفرنسي يصيبها الموت الأسود (الطاعون) فيأتي على الأخضر واليابس، ويقتل القوي والضعيف والطفل والشيخ، ليعود أبطال الرواية إلى طباعهم الإنسانية الأولى بعيداً عن الاحتلال وحسابات القوى والضعف، فالكل أمام الطاعون واحد".

والطاعون هنا، كأنه يحيل إلى طاعون الفرنسي الحائز على "نوبل" ألبير كامو، ويحدث في مدينة جزائرية أثناء الاحتلال الفرنسي يصيبها الموت الأسود (الطاعون) فيأتي على الأخضر واليابس، ويقتل القوي والضعيف والطفل والشيخ، ليعود أبطال الرواية إلى طباعهم الإنسانية الأولى بعيداً عن الاحتلال وحسابات القوى والضعف، فالكل أمام الطاعون واحد.

الرواية ذات بعد فلسفي وإنساني، وليست مجرد أحداث متلاحقة فقط، فالبعد الفلسفي والإنساني يلعب دوراً كبيراً في الأحداث التي تحيل إلى التراث، فالأم حصة تمثل "زرقاء اليمامة" التي تستشرف وتحذّر.

الرواية كذلك، رغم أحداثها الغزيرة والمختلطة، إلا أنّ كاتبها يسيطر عليها بهندسية صارمة، وهو ما يتبيّنه القارىء من خلال تقسيمات "12 ساعة Fm " و"إرث النار"؟

وفي هذه الغضون، لا يخشى السنعوسي من الإغراق في المحليّة، فالرواية، برمتها ممهورة بأسماء أماكن وشوارع ومدارس كويتية، وملظومة بوصف دقيق ومسهب للأحياء والأزقة والجدران، كأنما يهجس بقتل ثنانية المركز والهامش، ويتطلع إلى نقل الجغرافيا المحلية إلى أفق العالمية، كما فعل رفيق "الحرافيش" نجيب محفوظ الذي جعل الناس تعرف القاهرة بكل حيثياتها وأزقتها ومقاهيها من خلال رواياته التي تحولت غالبيتها مسلسلات وأفلاماً سينمائية.

"فئران أمي حِصة" لا تنشغل بافتعال الفانتازيا، فكل ما حولها وما تتنبأ به غارق في الغرائبية. حسبُ الكاتب أن يرصد الوقائع العربية بشكل حَرفي أو فوتوغرافي حتى يخرج عمله فانتازياً..

ورغم أنه لا يعبأ بالنهايات السعيدة، ويرى أن روايته انفتحت على أفق متفائل، إلا أنّ الرواية حفلت بما يمجّد الاستسلام: المجد للظلام. الموت للقلم، لكل ريشة وفم..!

 

 

موسى برهومة

حقوق النشر: قنطرة 2016

كاتب وإعلامي أردني. حاصل على دكتوراه في الفلسفة من الجامعة الأردنية عمان. مراسل في شؤون السياسة والثقافة والقضايا الاجتماعية في عدة صحف ومجلات. رئيس تحرير صحيفة الغد اليومية الأردنية 2008- تموز(يوليو) 2010. نشر له كتاب "هذا كتابي- نصوص نثرية" وكتاب"التراث العربي والعقل المادي".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.