*تختزنين في ذاكرتك قصصاً كثيرة لنساء، تنشغلين بحكايتهن وتسردينها بأسلوب خاص وعاطفي، كما قرأنا في "الراويات"، كيف ترسمين الحد الفاصل بين العاطفة والمحافظة على مستوى الإبداع؟

مها حسن: بالعودة إلى بداياتي، هناك رواية لي بعنوان "تراتيل العدم"، هذه الرواية لاقت صعوبة في التلقي من قبل القارئ العربي، والناقد أيضاً. أحد أساتذة الأدب العربي في جامعة باريسية، انتقد الرواية، وقال إنه أستاذ ومختص بتدريس الأدب، لكنه شعر بأنه بحاجة إلى قاموس ليقرأ هذه الرواية، وصديق آخر، قال إنه يفهم هيغل، ويعجز عن فهم روايتي، وهناك أمثلة كثيرة حصلت لي مع هذه الرواية. هكذا بدأت، سرداً شائكاً (الوصف لأحد الذين كتبوا عن الرواية)، وأعتقد أن جذر كتابتي يقبع هناك... كل هذا الكلام، أريد أن أخرج منه بأنني أمتلك مادة خاماً تحميني برأيي من الانزلاق في طرح رواية (سهلة). أنا مغرمة بالتكنيك واللعب داخل النص، لهذا لا أخاف على نفسي، من طرح كتابة تبدو مخلوطة بالعاطفة، التي أمتلك قدرة توجيهها (كما أظن)، وأهدف منها التأثير في القارئ، لكسب صداقته، وتقريبه من عالمي.. أعني أننا نستطيع أن نلعب في الكتابة، دون أن نتنازل عن المستوى الذي نطمح دائماً في الحفاظ عليه في سرد يكون دائماً جيداً وجديداً.

رواية "مترو حلب" للكاتبة السورية مها حسن
«مترو حلب» هي الرواية العاشرة للكاتبة والروائية السورية مها حسن ، وفيها تقيم توازيات عديدة وتعددية، مكانية وزمانية، بين مدينتَيْ باريس وحلب؛ عبر سلسلة من الشخصيات السورية والفرنسية التي تتوازى بدورها، وتتقاطع، وتتولى تنويع طرائق السرد من جهة، وزوايا إبصار المعضلات الإنسانية والمستويات الشعورية من جهة ثانية.

* في "الراويات" تطرقت إلى ثورة 25 يناير في مصر، كذلك تناولت الأحداث السياسية السورية في روايتك "طبول الحب"، ألا يضر الحضور السياسي المباشر بالرواية، كعمل إبداعي له شروط مختلفة يستمدها من عناصره نفسها؟ -

مها حسن: أعتقد أنه لا يمكن للكتّاب العرب اليوم، تجاهل ما يحدث حولهم. الواقع السياسي يفرض نفسه على الإنسان، والروائي يحاول ملامسة ألم الإنسان وطرح معاناته دون أدلجة. نحن نعيش في عصر متقلّب بشدة، وهناك مراهنات فاشلة على الحقوق والعدالة والحريات، وهذا كله يدخل في هاجس الرواية، التي هي بشكل ما، أرشفة لتاريخ الشعوب، أرشفة صادقة دون خلفيات أو مصالح سياسية.

هناك روايات مهمة، ضفرت الهاجس الفني مع السياسي، ولم تقع في البساطة أو الفجاجة. إيزابيل الليندي مثلاً، إحدى البنات الوفيات للواقعية السحرية، تمكّنت من تقديم أعمال ساحرة، تمزج فيها بين الفانتازيا، وبين مواقفها من الاستبداد السياسي. الرهان في آخر الأمر، هو جودة النص. ربما حضرت ثورة 25 يناير في نص "الراويات" الفانتازي إلى حد ما، للتأكيد على ارتباط المرأة ـ الراوية بالواقع حولها، وربما تقنياً، كان لا بد من تطعيم تلك الفانتازيا، ببعض الواقع.

أما "طبول الحب"، فهي تجربة مختلفة، وذات حساسية خاصة بالنسبة لي، كتبُتها تحت ضغط عاطفي عنيف، وهي تؤرشف الثورة السورية روائياً، وأرى أنها كانت يجب أن تكتب، بما تحمله من مباشرة، بسبب التقلبات الشديدة والسريعة التي حدثت للمشهد السوري، بحيث ينسى العالم اليوم، كيف ولماذا خرج السوريون. أظن أن الرواية هي أيضاً ذاكرة الشعوب، واليوم، يصعب على الروائي السوري توثيق ذاكرة السنة الأولى للانتفاضة الشعبية، بسبب انشغاله بالتقلبات التي ذكرتها للتو. في هذه الرواية، لم يكن لدي رفاهية الاسترخاء لتقديم عمل (يستمد عناصره من نفسه) وفق صيغة السؤال. كان الواقع السوري، ولا يزال، من المباغتة والإدهاش، بحيث نحّى المخيلة، وفرض عليّ كتابة رواية لا تشبه رواياتي الأخرى، لتبدو هذه الرواية، كأنها رواية مريضة، كأنها طفل أُنجب في ظروف قبيحة، فلا يُرغب بمجيئه، ليأتي مريضاً وهشّاً، ويصبح لاحقاً الطفل الأثير، ربما بسبب هشاشته ذاتها.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.