إبراهيم نصر الله ، كاتب و شاعر و أديب من مواليد عمّان، الأردن،عام 1954م من أبوين فلسطينيين، هُجِّرا من أرضهما في قرية البريج (فلسطين)،28 كم غربي القدس عام 1948م، يعتبر اليوم واحداً من أكثر الكتاب العرب تأثيراً وانتشاراً، حيث تتوالى الطبعات الجديدة من كتبه سنوياً، محققةً حضوراً بارزاً لدى القارئ العربي والناقد أيضاً، ومن اللافت هذا الإقبال الكبير من فئة الشباب على رواياته وأشعاره، كما تحظى أعماله بترجمات إلى لغات مختلفة، وإلى ذلك الكتب النقدية الصادرة عن تجربته، ورسائل الماجستير والدكتوراه المكرسة لدراسه انت
الروائي الاردني الفلسطيني إبراهيم نصر الله ونص الدم

"الحرب هي قلم التاريخ"

في تحفة روائية وتجريبية وفانتازية تكاد تكون مختلفة تماماً عن كل مسيرته الكتابية السابقة يقودنا الروائي الاردني الفلسطيني إبراهيم نصر الله في نص «حرب الكلب الثانية» إلى رحلة فلسفية عميقة تلج إلى المستقبل القريب مُرحلاً إليه بعضاً من حاضرنا البائس، ومُقحماً فيه بعضاً آخر من مستقبل متشظٍ لا يقل بؤساً عن الحاضر، على رغم تبجح ذاك المستقبل بتكنولوجيته وغرائبيته.

تَحاربَ البشرُ منذ فجر البشرية لأنهم مختلفون. صارت الحربُ قلمَ التاريخ، الذي كتبَ بدماء البشر فصول مسيرتهم وخلط فيها الغموض مع البؤس والشقاء والدهشة والإنجاز. وراء أقعنة مسوغات الحروب بتنوعاتها قبعت مصالح ومطامع ورغبات وشهوات وتوسعات، لكن ظل زعم «الاختلاف» يتلبس تلك المسوغات، نقاتل بعضنا بعضا لأننا مختلفون. ماذا إذن لو لم نعدْ مختلفين، لو تشابهنا تماماً، لو صرنا اشباه لبعضنا البعض، لو صرنا نُسخاً متماثلة، حتى لو كانت مملة، فلا يختلف أحدنا عن الآخر، ولا شعب عن الآخر، هل تختفي عندها الصراعات والحروب والأحقاد؟

قد نقول إن المكان الملائم لهذا السؤال التأملي الصعب هو سجالات الفلسفة لا غير. بيد أن إبراهيم نصر الله يفاجئنا بمغامرة الإبحار في متاهة كبرى كهذه، ويبعثر ذلك الجانب الآمن المتكاذب من افتراضات البشر، الزاعم بأن لو لم نكن مختلفين لكنا اكثر سلاماً وأمنا.

في تحفة روائية وتجريبية وفانتازية تكاد تكون مختلفة تماماً عن كل مسيرته الكتابية السابقة يقودنا الروائي الاردني الفلسطيني إبراهيم نصر الله في نص «حرب الكلب الثانية» (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2016) إلى رحلة فلسفية عميقة تلج إلى المستقبل القريب مُرحلاً إليه بعضاً من حاضرنا البائس، ومُقحماً فيه بعضاً آخر من مستقبل متشظٍ لا يقل بؤساً عن الحاضر، على رغم تبجح ذاك المستقبل بتكنولوجيته وغرائبيته.

الحروب التافهة تخط اقدار البشر

في الزمنين، ماضي الرواية (حاضرنا) ومستقبلها، ليس ثمة إلا الحروب التافهة تخط اقدار الناس، جماعات وأفراداً وحكومات. في الماضي اندلعت حرب أهلية هائلة، «حرب الكلب الأولى»، وانتشر دمارها وطاول كل شيء وكل فرد وكل حلم. سببها كان تافهاً مثل أسباب كل الحروب التافهة، خلاف على سلوك كلب. طالت الحرب سنوات طوال ولم يبق اخضر تأكله ولا يابس تتركه.

حلل المتأملون تلك الحرب واستنتجوا ان الجذر الحقيقي لها ولكل الحروب هو أن الناس مختلفون، وأن ثمة رغبة دفينة تدفع كل منهم، وكل مجتمع، وكل طائفة، وكل حضارة، وكل حزب، وكل دين، إلى محاولة جر الآخرين نحوه لكي يصير أولئك الآخرون أقرب إلى صورته. الخدعة الكبرى في هذه الرغبة الدفينة المُلتبسة تقول للجميع ما يلي: لو أننا تخلصنا من الاختلاف وصرنا متشابهين لما قامت الصراعات والحروب بيننا.

لكن على السطح ظل عار الحرب يصم الجميع لأن سببها كان تافها وكلبياً. أصدرت «القلعة»، الدولة، قرارا بمحو الماضي والذاكرة حتى ينسى الناس تلك الحرب ويتخلصوا من الخجل والعار الذي لحق بهم.

يلتقي ابراهيم نصر الله في استخدامه تقنية قرار السلطة بإلغاء الذاكرة والماضي مع الروائي البريطاني كازوو اشيغورو الحائز على جائزة نوبل للآداب السنة الماضية، 2017، في روايته الفانتازية المُبدعة «العملاق المدفون» The Burried Giant، والتي صدرت في سنة صدور رواية نصر الله ذاتها، وفيها لطخت الحروب عقول الجماعات المتصارعة في العصور السحيقة في الجغرافية التي صارت تُعرف لاحقا ببريطانيا. ذائقة وبراعة وصنعة نصرالله الروائية في نصه الفانتازي لا تقل في مستواها عن النصوص التي تفوز بأرقى الجوائز، وهي التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية للرواية هذا العام.

طُويت حرب «الماضي» وفرضت «القلعة» انظمة صارمة على ناس «المستقبل». في هذا «المستقبل» نتابع سيرة أهم شخوص الرواية وقد تسلل من «الماضي» حين كان مناضلاً صلباً لم يسقط أو يعترف أمام هول التعذيب وصنوفه.

في «المستقبل»، يتصاهر المناضل السابق مع أحد ضباط «القلعة» ويتشكك أصلاً ذلك الضابط وبقية القيادة في «القلعة» من رغبة المناضل السابق الذي توقف أساساً عن النضال في مصاهرة من تفننوا في تعذيبه سابقاً. ظل صموده السابق يعري ساسة «القلعة» ويعلي من كعبه الاخلاقي المنصرم، بيد ان تشفياً داخلياً ظل يتنامى في دوائر «القلعة» وهم يراقبوان المناضل السابق وهو يقترب من سفالاتهم شيئاً فشيئاً ويصير شبيهاً لهم. الشبيه الجديد يقع في حب سكرتيرته فائقة الجمال والتي تناظر جمال زوجته فيقرر أن يحول العشيقة على صورة الزوجة كي يتستر على علاقته بها فلا أحد يشك به أو بها عندما يكونان معاً.

«تقنيات» تحويل أي فرد إلى شبيه تُصبح متاحة امام الجميع، إذ ما عليك سوى جلب صورة لمن تريد أن تكون شبيهاً له، أو شبيهةً لها، والذهاب إلى عيادات متخصصة تطورت طبيعياً عن عيادات التجميل التي كانت في «الماضي»، وهناك يعيدون تشكيلك وفق الصورة التي تريد. وللمزيد من التطور والتعقيد، فإن تلك العيادات تستطيع أيضاً أن تجعلك صورة مطابقة للأصل في الصوت والمزاج وبقية الصفات إن استطعت توفير ما له علاقة بـ DNA الأصل كالشعر أو اللعاب أو غيره.

وهكذا لم تمض سوى فترة قصيرة حتى طفقت في البلاد موضة «الشبيه» و «الشبيهة»: أفراد يريدون أن تتحول صورهم إلى أشباه لفنانين أو فنانات أو مشاهير أو ممثلين أو ممثلات كبار، أو نجوم أو غير نجوم. وأفراد آخرون تمكنوا من ان يصيروا اشباه لضباط ومسؤولين كبار من قيادات «القلعة»، وسائقو تكسي تمكنوا من التحول إلى اشباه لرجالات من الطبقة العليا في المجتمع، وهكذا. المناضل السابق كان في مركز هذه الفوضى، متنقلاً بين زوجته «الأصل» وعشيقته «الصورة» وبينهما الضابط شقيق زوجته الذي اشتاط غضباً عندما ادرك الخدعة الماكرة التي استخدمها المناضل لخيانة شقيقته. لكن الضابط نفسه ذا العلاقات النسائية العديدة اكتشف أيضاً أنه في أوقات غزواته الغرامية تلك، كان ثمة شبيها له يزور بيته ويخدع زوجته التي كانت تظنه زوجها.

المناضل السابق الذي كان يسبق الجميع بخطوات في ذكائه وقع ضحية التشابه ايضاً، ذلك أن جاراً له أصبح يشبهه أيضاً، فطار صوابه خشية أن تختلط الأمور على زوجته أثناء غيابه وتظنه زوجها. دبت الفوضى في البلد وما عاد يُعرف من هو الأصل ومن هو الشبيه، وانتشر القتل مع تلك الفوضى، قتل في كل الاتجاهات. كل أصل يريد أن يقتل شبيهه حتى لا يتمثله ويستولي على منصبه وزوجته وحتى اولاده، وكل شبيه طامع في منصب أو ثروة أو زوجة الاصل يريد قتل الاصل والتخلص منه للتنعم بكل ما سوف يسطو عليه. بلغت الفوضى ذروتها عندما ظهر شبيه للقائد الاعلى في البلاد فخشي الجميع ان يتمكن ذلك الشبيه من اغتيال الاصل والحلول مكانه وخداع الجميع. انتفض القائد نفسه وأحس بخطر شديد وتمكن من الإجهاز على شبيهه، أو على الأقل هذا ما أراد الجميع الاقتناع به!

"عندما صار الجميع يشبهون بعضهم بعضاً، وتفاقم القتل، اندلعت «حرب الكلب الثانية» وأسبابها أكثر تفاهة من أسباب الحرب الأولى".

وإذا كان المحللون قد وضعوا إصبعم على الاختلاف بين الأفراد كجذر للحرب الأولى، فإن أولئك المحللين أو من حل في مكانهم، أو صار شبيهاً لهم، وضعوا إصبعهم الشبيه على جذر الحرب الثانية بكونه التشابه التام بين الافراد. في الحرب الاولى كان التخلص من الاختلاف والأمل بالتشابه هو المخرج من طور الحرب، وفي الحرب الثانية صار التخلص من التشابه هو المخرج والوصول إلى الإختلاف هو الفضيلة الناقصة التي يفتقدها الجميع!

حول هذه الثيمة المركزية برع نصر الله في نسج خيال باذخ يغذيه الميول والكتابات السينمائية التي عُرف بها وأغنت وتغني كتابته ونصوصه، وحولها أيضاً يدير حكايات اساسية وفرعية عديدة ترتكز على ترميز كثيف لأمكنة الرواية وازمنتها. الضابط والمناضل السابق ومن هو اعلى منهما يعملون ويستثمرون أموالهم في سيارات الاسعاف والمستشفيات التي تمص دماء الناس والمرضى وتدور بهم من مشفى لآخر في مطاردة واهمة لـ «الأمل». سيارات الإسعاف والمستشفيات تصبح أدوات القتل، في مناخ يفيض بالعفونة. القلعة وضباطها واشباهها من قدامى المناضلين انهمكوا في رأسمالية صناعة وتدوير «الأمل» الكاذب، وفي خضم انشغالهم ذاك كانت صناعة «الشبيهين» تهيئ المناخ للحرب، وحبال موتها تطاول أعناق الجميع.

 

خالد الحروب

حقوق النشر: حقوق النشر 2018

خالد الحروب كاتب واكاديمي فلسطيني معروف.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.