"الصالحون بين الأمم"

لم يستطع النازيون في تونس تحقيق أهدافهم الرهيبة إلَّا بشكل جزئي - لأسباب من بينها أنَّهم أقاموا في تونس فترة قصيرة جدًا ولأنَّ بعض الفاعلين الإيطاليين والتونسيين قد أثبتوا شجاعتهم في مساعدة اليهود. هناك تونسي مسلم يدعى خالد عبد الوهاب أنقذ في الفترة بين عامي 1942 و1943 ما مجموعهم خمسة وعشرين تونسيًا يهوديًا من النازيين في المهدية. وقد تم ترشيحه بعد عقود من الزمن مرتين من أجل الحصول على لقب "الصالحين بين الأمم" في إسرائيل، ولكن من دون نجاح.

العدد الدقيق لضحايا الاحتلال الألماني النازي في تونس غير معروف. يُعتَقد أنَّ نحو ألفين وخمسمائة شاب يهودي كانوا يعملون في الفترة من كانون الأوَّل/نوفمبر 1942 حتى أيَّار/مايو 1943 في معسكرات العمل القسري النازية في تونس في ظلّ ظروف غير إنسانية. عدة مئات منهم لقوا حتفهم. وكذلك تم ترحيل عدد غير معروف إلى معسكرات الإبادة في أوروبا.

في رواية دانيال شبيك ينجو عازف البيانو اليهودي فيكتور بصعوبة من القتل على يدّ المحتلين النازيين. وقد أنقذه بالذات موريتس راينكه. كذلك تم إنقاذ ياسمينا ووالديها، ولكنهم فقدوا منزلهم في منطقة حلق الوادي. الحيُّ اليهودي التقليدي في مدينة تونس القديمة، "حارة اليهود"، ليس بديلًا وذلك لأنَّ اليهود باتوا معرَّضين للاضطهاد في كلّ مكان في تونس. تنجو ياسمينا ووالداها بعد أن أخفاهم معارفهم المسلمون في مدينة تونس عند جيران مسلمين.

 

 دانيال شبيك كاتب الرواية الألمانية "صقلية الصغيرة" في شمال إفريقيا - حين احتلت ألمانيا النازية فرنسا وتونس.  Foto: dpa
دانيال شبيك، المولود في ميونيخ عام 1969، يبني بقصصه جسورًا بين الثقافات. يلتقي في رحلاته بأشخاص تُعتبر مصائرهم مصدر إلهام لكتابة رواياته. كتب سيناريوهات من أبرزها فيلم "ماريا، هذا لا يعجبه" وكذلك "تسيمتشتيرن أوند هالبموند" (نجمة القرفة والهلال). حصل عن سيناريو فيلم "حفل زفافي التركيّ الجُنونيّ" على جائزة غريم وجائزة التلفزيون البافاري.

 

واليوم، لا يزال يعيش نحو ألف وخمسمائة يهودي ويهودية في تونس، من بينهم ألف يهودي في جزيرة جربة وحدها. وتوجد في الجزء الأكبر من موقع الحيّ اليهودي السابق في المدينة القديمة بتونس العاصمة عماراتٌ سكنية حديثة من سبعينيات القرن الماضي.

التراث اليهودي المنسي؟

العديد من الكُنس اليهودية القديمة تم تدميرها أو تحويلها إلى مقاهي. هل أصبح التراث اليهودي في مدينة تونس القديمة طيّ النسيان؟ "لا"، مثلما تقول ليلى بن قاسم، التي تعمل كمهندسة وتملك دار ضيافة في المدينة القديمة. تُقدِّم ليلى بن قاسم جولات سياحية يستطيع خلالها الزوَّار أيضًا التعرُّف على التراث اليهودي في مدينة تونس القديمة.

تقول ليلى بن قاسم: "في الماضي كان تقريبًا خمس سكَّان المدينة من اليهود. أمَّا اليوم فلم يعد يعيش أي يهودي هنا. ولذلك من المهم أن نعرف ما كان يوجد هنا، ومن المهم أن نعرف التاريخ جيِّدًا". وتضيف أنَّها لديها اهتمامًا كبيرًا في رواية دانيال شبيك.

تقول ليلى بن قاسم: "عندما نتحدَّث عن الاحتلال في تونس، فعادة ما يتعلق الأمر بفرنسا. الاحتلال الألماني في تونس كان قصيرًا جدًا بالمقارنة مع الاحتلال الفرنسي. نحن نعرف القليل جدًا حول ذلك. ولكن منذ أن سمعتُ عن هذه الرواية، بدأتُ أتذكَّر الكثير مما أخبرني به والدي عن الحرب: أنَّه عندما كان صبيًا صغيرًا، كان يختبئ في قريته الواقعة بالقرب من تونس أثناء سقوط القنابل، وكان ببساطة يخاف كثيرًا".

تتمنى ليلى بن قاسم أن تتم قريبًا ترجمة رواية دانيال شبيك إلى العربية أو الفرنسية أو الإنكليزية، حتى تتمكَّن من قراءتها بنفسها. وتقول: "أنا مُتشوِّقة لقصة السيِّدتين نينا وجويل. ولكن ربَّما تكون الرواية أكثر من هذه القصة: مناسبة لكي يهتم التونسيون والألمان بشكل أكثر من ذي قبل بالاحتلال النازي 1942-1943 وعواقبه".

 

 

مارتينا صبرا

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 
رواية دانيال شبيك:  "صقلية الصغيرة" Piccola Sicilia، صدرت عن دار النشر: فيشَر، في فرانكفورت، سنة 2018، في 624 صفحة، تحت رقم الإيداع:

 

ISBN-13: 9783596701629

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.