كلما كانت أم قاسم في حاجة ماسة إلى الإلهام أتاها زوجها الراحل في الحلم وأخبرها بما ينبغي عليها فعله. بأسلوب أحمق حكيم مناسب، لسنا متأكدين تماماً إن كانت أم قاسم تعتقد أن هذه رسائل من العالم الآخر، أم أنها تعلم أنها تخترع هذه الرسائل لكي تمنح نفسها الإذن بفعل ما يحلو لها.

أم قاسم بهيئة روبنسون كروزو 

كما في جميع سرديات الجزر المعزولة، ينبغي على أم قاسم إعادة بناء حياتها من الصفر. وبينما كانت دائماً على الأرجح مثل فيلسوف، تسمح العزلة لأم قاسم بطرح أنواع الأسئلة الغبية-الحكيمة التي من الممكن أن تتحاشاها إن كان هناك قرويون آخرون حولها
 
 
 

ولأنها امرأة "عجوز" (رغم أنها ما زالت خمسينية في العقد السادس من عمرها)، لا يصدّق الجنود المتمركزون قريباً منها أنه يمكنها أن تخرج بفأس في يدها خلال عاصفة، لتنزع سواتر الجيش الترابية، وتجلب الإغاثة للأشجار والضفادع القريبة. وفي الوقت ذاته، تفتش عن الطعام للجنود، وتطبخ لهم، وتزرع شتلات الزهور وتُصلح المنازل التي قُصِفت. 

حين يمضي النوروز، تُستأنف الأعمال العدائية، وتُؤمر أم قاسم بالمغادرة. والأكثر من ذلك، عانت هي وقدم خير فزعاً شديداً من القصف. لكن ما الذي ينتظرها، إن عادت إلى النجف؟ 

وعلى الرغم من أن المجندين المتمركزين بالقرب من أم قاسم هم سادة لطفاء، إلا أن الرواية لا تنحاز إلى جانب. يعرف الجنود أنهم ليسوا "الأشخاص الطيبين" للقصة. أحدهم "تلفّت خشية وجود من يسمعه سواها" قبل أن يقول لأم قاسم: "نحن بدورنا دمرنا العديد من مدنهم الحدودية".

بيد أن هؤلاء الجنود، وفي ظل تأثير أم قاسم، لا يتّبعون الأوامر فحسب. بل هم أيضاً يزرعون، ويصلحون، ويصنعون دبس تمر. 

يبدو أن أم قاسم تجاوزت حدود ذاتها حين يفقد جندي شاب اسمه جاسم كفّه جراء القصف -وجاسم كان قد بدأ بمناداتها أمي. وكما في كل اللحظات الصعبة، جاءها زوجها في المنام. هذه المرة، يخبرها أن جاسم سيعود إلى الجبهة. 

 

 

بيد أن الملازم عبد الكريم غير سعيد بتكهنات أم قاسم التي تأتيها في أحلامها، مما يؤدي إلى مواجهة. من دون الكشف عن النهاية، تُختتم الرواية بعاطفة ونعمة.

كما أنها تضع نهاية سحرية لحياة الروائي المحبوب وصاحب الإنتاج الغزير إسماعيل فهد إسماعيل، الذي توفي في أيلول/سبتمبر من عام 2018 في الكويت، عن عمر ناهز الـ 78 عاماً. نأمل أن تكون كتبه، مثل أبو قاسم، حية دائماً.

 

 

مارسيا لينكس كويلي

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.