الأبويّة والعنف الجنسيّ ضد النساء

أن يكون العنف الجنسيّ ضد النساء عنفًا بنيويًا يعني أنّه يرتكز على بنى معرفيّة واجتماعيّة ومؤسسيّة أنتجته وتعيد إنتاجه باستمرار. لا عجب إذن أنّه ثمّة ارتباط أصيل بين العنف الجنسيّ ضد النساء والنظام الأبويّ، حيث الأخير، وهو الذي يستمد قوّته من المأسسة والاعتياد والرسوخ بفعل الزمن وتوارث الأجيال لقيمه، وإعادة إنتاجها لها، يُعدّ نظاما مؤسّسًا للأوّل. تكمن خطورة الأبويّة في كونها سرديّة قديمة جدًّا ومتأصّلة في بنى مجتمعاتنا الثّقاقيّة والاجتماعيّة، وفي سيولتها ولا مرئيّتها في أحيان كثيرة، وفي إعادة إنتاجها لنفسها، وفي اشتراك الجميع، رجالا ونساءً، في إعادة إنتاجها، أحيانًا حتّى تحت مسميّات مقاومتها ونقدها. وتاليًا أحد الأمثلة لجزء من حملة نعُتت بالـ«تنويريّة»، غير أنّها بالأساس تعيد إنتاج ما ادّعت، أو تمنّت، مجابهته.

 

 

تحت شعار «الرجولة أدب»، رفع مغنّ شابّ ضمن حملة أطلقتها مجلة «What Women Want» العام الماضي لافتة تقول: «لو أذيت الست اللي بتربّي ولادك هتأذي ولادك». لافتة تنتمي، على عكس ما يظن رافعها والقائمون على الحملة ومن أثنوا عليها، لجوهر المنطق الذكوريّ وخطابه. إذ تتمثّل فيه المرأة كـ«وظيفة»، «الست اللي بتربّي ولادك»، وتنطلق الدعوة للنهي عن العنف تجاهها لا من كونه عنفًا، مرفوضًا كمبدأ، ولا من كونها إنسانًا لا تستحقّ العنف لأيّما سبب، بل لغاية أخرى، لهدف «أسمى»، كي لا يتأذّى أولادك، فلا نظرة للمرأة هنا، كما في الخطاب الأبويّ عامة، إلّا على أنها «أداة». ولكونها تؤدّي وظيفة فحسب، لا يريدونها أن تخفق في أدائها، لا لأجلها، بل من أجل الرجل ومن أجل الأولاد، أولاد الرجل. وضلًا عن أنّ الخطاب هنا ينطلق من الرجل إلى الرجل وعن الرجل، فـ«الرجولة أدب»، والتمسّك بها يحفظ أدبكَ، والنهي عن الأذى لا ينطلق إلّا من كونه حفاظًا على أدب الرجل، وعلى أولاده. وحتّى نسب الأولاد في اللافتة ليس جامعًا، النسب للرجل فحسب، هي تربّي الأولاد كي يصيروا أولاده هو، في افتراض صريح أن مسؤوليّة تربية الأولاد هي مسؤوليّة المرأة وحدها، وكل ما يجب على الرجل فعله، تفضًّلا، هو ألّا يفسد على المرأة «وظيفتها».

تكمن الإشكالية الرئيسة أساسًا في بنية اجتماعيّة كاملة تنتج، وتحمي، وتعيد إنتاج كلّ ما يمثّله عمرو وردة من ثقافة راسخة من شرعنة التحرّش وتمكينه

مركزيّة الرجل في الخطاب الأبويّ، متمثّلة في «جملة» قصيرة كهذه، قد تكون مثالًا موضحًا لكيف يؤسس النظام الأبويّ للعنف الممارس ضد المرأة، ماديًّا ورمزيًّا، من القولبة والتنميط، إلى علاقات القوّة غير المتكافئة، إلى اعتبار المرأة مُلحقة بالرجل، وموضوعًا لرغباته ورؤيته، إلى الرغبة في حيازة جسدها ومراقبة ومصادرة اختياراتها، واستحقاق حركتها وحريّتها واختياراتها الشخصيّة في المجالين العام والخاص. ينطلق العنف ضد المرأة، جنسيًّا وغيره، ماديًّا ورمزيًّا، كأمر «طبيعيَ»، «اعتياديّ»، وكجزء أصيل من البنى والمؤسسات الثقافيّة والاجتماعيّة، وكقيم يستدخلها الجميع، رجالًا ونساءً، ويعيدون إنتاجها كأمرٍ لا خلاف عليه.

ليس هذا المثال بعيدًا عن سياق الحديث عن العنف الجنسيّ ضد النساء، فارتباط هذا العنف بالثقافة الأبويّة يعني أنّ الإشكالية الكبرى لا تكمن في متحرّش بعينه كعمرو وردة، لكنّها تكمن بصورة رئيسة في بنية اجتماعيّة كاملة تنتج، وتحمي، وتعيد إنتاج كلّ ما يمثّله وردة من ثقافة راسخة لشرعنة التحرّش وتمكينه.

من هنا يمكن القول إنّ ما أثارته مؤخّرًا وقائع تحرّش عمرو وردة بعدد من النساء وما تثيره كلّ الوقائع الشبيهة من حجم القبول والتسامح الاجتماعيّ الواسع مع العنف الجنسيّ ضد النساء، وما ينطوي عليه من تبرير وتمرير له، يستدعي الانتباه إلى تأصّل «ثقافة الاغتصاب» في بنى مجتمعاتنا، وإلى أثرها الكبير في تأبيد التحرّش والعنف، وإلى أنّ مجابهة هذه الثقافة تبدأ بتسمية التحرّش والعنف الجنسيّ باسمه، وبالاعتراف بأنّه جريمة، كأيّ جريمة، لا مبرّر لها، وتقع مسؤوليّتها على مرتكبها وحده.

 

أميرة عكارة

حقوق النشر: حبر 2019

باحثة في مجال علم اللغة التطبيقيّ، مهتمّة بدراسات التحليل النقديّ للخطاب، والإنسانيّات الرقميّة، ودراسات الجندر والجنسانيّة.

1. ورد مثلا أنّه في ظل قوانين حامورابي كانت المرأة المُغتصَبة والمغتصِب يقيّدان ويرميان في النهر، إلّا أن تكون المرأة المُغتصَبة بكرًا، فتعدّ القضيّة حينها جريمة ملكيّة في حقّ والدها.

Gillespie, L. K., & King, L. (2014). Legislative origins, reforms, and future directions. In T. N. Richards & C. D. Marcum (Eds.), Sexual victimization: Then and now (pp. 15-32). California, CA: Sage Publications

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.