السودان

هل يغرد الجيش السوداني خارج سرب الجيوش العربية؟

وقع المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في السودان وقوى الحرية والتغيير المعارضة اليوم على وثيقة تمثل المرحلة الأولى من "الاتفاق السياسي" بين الجانبين. المحلل السياسي شفيق ناظم الغبرا يعتبر أن النخب السياسية والاقتصادية والأمنية ينبغي أن تصل إلى قناعة بأن الديمقراطية والحقوق والحريات والتداول على السلطة هي الحل الأفضل لمستقبل البلاد.

لا شك أن اتفاق بين قوى الحرية والتغيير من جهة، والمجلس العسكري الانتقالي من جهة أخرى، يشكل بداية لنقلة نوعية في مسار التوافق بين القوى السياسية في السودان. بل إن الاتفاق على مجلس مشترك يتشكل من قادة الجيش وقوى الحرية والتغيير يمثل حالة أكثر تقدماً للتعامل مع قضايا الانتقال لصالح المشاركة الشعبية والحكم المسائل.

لقد وصل النظام الديكتاتوري العسكري في السودان، في ظل حكم عمر البشير، إلى طريق مسدود. فمنذ انقلاب 1989 الذي قام به البشير على حكومة منتخبة، ساءت أوضاع الناس؛ فقد انتشرت في عهده أكثر من حرب أهلية، واتهم بجرائم حرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى تدهور الاقتصاد السوداني. بفضل هذا النمط من الحكم، وصلت النخب الحاكمة في السودان إلى لحظة عجز وفوضى داخلية.

"رفضت الانتفاضة والثورة السودانية استبدال نظام استبدادي كنظام البشير بمجلس عسكري يعيد إنتاج حكم الجيش."

وما ميز السودان في حراكه الثوري، الذي بدأ في ديسمبر/كانون الأول 2018 أن قطاعاً كبيراً من الشعب، خصوصاً الأغلبية الشابة بالإضافة إلى المؤسسات المهنية والسياسية، أجمعت على عدم الخضوع ثانية لنظام عسكري غير ديمقراطي.

الانتقال الديمقراطي، كما تؤكد الدراسات، يتطلب أساساً قناعة واضحة لدى النخب الفاعلة ولدى قطاع كبير من المجتمع والدولة بأن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن البلاد لن تتحمل نظاماً تسلطياً أو عسكرياً، يقوم من جانبه بفتح مزيد من السجون ونهب مزيد من الاقتصاد وتوريط البلاد بمزيد من المغامرات الاقتصادية والعسكرية.

نظرياً وموضوعياً، الفكرة الديمقراطية لا يمكن أن تبرز إلا بعد وصول المجتمع وقطاع رئيس من النخب الوطنية والفاعلة والمؤسسات إلى ضرورة وضع حد نهائي للنظام التسلطي.

ففي الجوهر، يجب أن تصل النخب السياسية والاقتصادية والأمنية إلى القناعة بأن الديمقراطية والحقوق والحريات والتداول على السلطة هي الحل الأفضل لمستقبل البلاد. النخب يجب أن تؤمن بأن السياسة لا تنبع من فوهة البندقية والرصاص والجيش والانقلابات، بل يجب أن تنبع من الانتخابات وصناديق الاقتراع والحقوق الدستورية.

السودان ـ التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق بين المعارضة والجيش
لا بديل عن التوافق السياسي في السودان: بعد أشهر من الغموض السياسي أخذ السودان أولى خطواته نحو انتقال ديموقراطي، غير أن تنفيذ المجلس العسكري لاتفاق لتقاسم السلطة مع المحتجين لا يزال غير مؤكدا.

إن وصول معظم المجتمع لهذه القناعة يضمن أن لا يتحرك الجيش أو الأمن أو الطبقة القوية للوقوف ضد التحول الديمقراطي. هذا النوع من الوعي ما كان يمكن أن يقع بشكله الراهن والأولي في السودان لولا مرور السودانيين بمرحلة طويلة وقاسية مع نظام ديكتاتوري غير مساءل، كان جل تركيزه على صراع السلطة والمصالح الضيقة.

"يجب أن تصل النخب السياسية والاقتصادية والأمنية إلى القناعة بأن الديمقراطية والحقوق والحريات والتداول على السلطة هي الحل الأفضل لمستقبل البلاد"

ولكي يقع التحول، يجب أن تعي القوى الثورية وقوى التغيير أنها عندما تنتفض يجب أن تحدد سقفاً لعملية التغيير، وهذا يتطلب منها أن تقبل بمبدأ التفاوض مع جزء أساسي من القوى الحاكمة، لهذا فبعد التخلص من الفئة المسؤولة مباشرة عن الديكتاتورية والانتهاكات، يجب طمأنة الأغلبية وقادة الجيش والمؤسسات الأساسية على حقوقهم ومصالحهم، ويجب طمأنة الجيش على مكانته بعد انسحابه من الحياة السياسية المباشرة. لكن في الوقت نفسه، يجب طمأنة الشعب على مستقبله ومصالحه وحقوقه، وهنا أهمية البدء بتحول ديمقراطي مسؤول.

إن عملية التحول الديمقراطي لا يمكن أن تقع بين يوم وليلة، بل يجب أن يكون هناك مرحلة وسيطة، بموجبها يأخذ الجيش بعض الخطوات إلى الخلف، مقابل مشاركة الأحزاب والقوى الثورية الجديدة في العملية السياسية.

كما أن التوازن في الفترة الأولى هدفه بناء الثقة بين كل القوى، وهذا ما يبدو أنه يقع الآن في السودان، في ظل الاتفاق الجديد بين الجيش وقوى الحرية، وهذا الوضع قد يقع قريباً في الجزائر التي تواجه ظروفاً مشابهة لتلك القائمة في السودان.

ومع ذلك، لا يوجد شيء مضمون في أفق النجاح. فالحراك مستمر، بينما توجد قوى في الجيش لا تزال تطمح إلى بناء نظام تسلطي جديد.

 

 

إن تحقيق الانتقال الديمقراطي في السودان سيعني الاتفاق على انتخابات نزيهة وكتابة دستور جديد أو تعديل الدستور القائم، وستعني قوانين أكثر عدالة للإعلام والحريات والحقوق، وستعني عملية التحول الديمقراطي البدء بإصلاحات في المجال الاقتصادي. كما أن الإصلاحات يجب أن تصيب الجيش، وبعضها سيؤثر على أصحاب المصالح، لكنها يجب أن تمتد على مدى زمني يسبقه استعداد وتوافق.
في أوائل سبعينيات القرن العشرين، لم تكن الديمقراطية كنظام سياسي قد انتشرت في كثير من الدول. فعدد الديمقراطيات في عام 1973 لم يتجاوز 40 دولة في العالم كله. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، انتشرت الديمقراطية في معظم القارات.

لقد وقع هذا الانتشار بعد فشل التسلطية في معظم قارات العالم. لكن عالمنا العربي استمر حصناً للديكتاتورية، إلى أن جاء الربيع العربي في 2011 مبشراً برغبة الشعوب العربية في التغيير والمشاركة والإصلاح السياسي.

إن الحدثين السوداني والجزائري، كما أحداث ربيع 2011، تؤكد بأن الدول والمجتمعات العربية بدأت تبحث عن بدائل للحالة الديكتاتورية. لهذا سيترك نجاح التجربتين السودانية والجزائرية أثراً مباشراً في مجتمعات عربية أخرى كمصر تبحث عن التغيير والإصلاح.

في بلادنا العربية، ستنتشر في المدى المنظور والمتوسط حراكات شعبية وقوى حرية وتغيير، مطالبة بنموذج ديمقراطي يفتح الباب للإصلاح السياسي والتحول. فهل تتأقلم النخب العربية مع واقع جديد بدأ يطرح نفسه في جميع المجتمعات العربية؟

 

 

شفيق ناظم الغبرا

حقوق النشر: قنطرة 2019

شفيق ناظم الغبرا محلل سياسي عربي معروف واستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت.

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.