تأمل مصر في مضاعفة أراضيها الزراعية لزيادة الإنتاج من القمح.

"السيادة الغذائية"
حرب أوكرانيا تدفع العرب إلى إنتاج خبزهم بأنفسهم

تعزز دول عربية استقلالها الغذائي لمواجهة نقص متوقع في إمدادات القمح. ولكن رغم مبادرات مشجعة هل من تحديات تجعل "السيادة الغذائية" مستحيلة؟ تقرير جينيفر هوليس.

في أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا والنقص المتوقع في واردات القمح هذا العام 2022، وضعت معظم حكومات الشرق الأوسط مسألة "الاستقلال الغذائي" على رأس جداول أعمالها.

قال نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز أبحاث تشاتام هاوس في لندن لـ دويتشه فيله: "تضاعفت الجهود في الشرق الأوسط في أعقاب الوباء العالمي والأزمة الروسية الأوكرانية".

ومن الأمثلة على ذلك لبنان الذي يغطي إنتاجه من القمح 50 ألف هكتار، في حين أن هناك حاجة إلى زراعة 180 ألف هكتار لتوفير ما يكفي لسكان يبلغ عددهم 6.5 مليون نسمة.

خطط بديلة

يقول عبد الله نصر الدين، المتحدث باسم وزارة الزراعة في لبنان، إنه "على مدى عقود، كان لبنان مستورداً للقمح على نطاق واسع لأن تكلفة استيراده أقل من تكلفة زراعته، ولكن بسبب الأزمة، فإننا مضطرون إلى إيجاد خطط بديلة" بحسب ما صرح لِـ دويتشه فيله. وأضاف: "وزارة الزراعة قامت بالفعل بتكليف منظمات دولية غير حكومية باختبار الأماكن التي تكون فيها التربة خصبة بدرجة كافية وتصلح لزراعة القمح، لكننا نحتاج إلى تمويل لهذا الغرض".

لكن التغييرات الاقتصادية والهيكلية مطلوبة قبل أن يأتي المزيد من المساعدات المالية من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي.

وتبدو مثل هذه التغييرات بعيدة المنال لأن البلاد على وشك الانهيار سياسياً واقتصادياً، إذ فقدت الليرة اللبنانية حوالي 90 % من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي في السنوات الثلاث الماضية، مما جعل الواردات الغذائية للسكان باهظة الثمن إلى حد كبير، فيما يعد ذلك أمراً جيداً بالنسبة للأغذية المزروعة محلياً.

يقول مايكل باور من مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في بيروت: "أصبحت المنتجات المحلية أكثر تنافسية وجاذبية"، ويضيف أنه لاحظ زيادة في الاكتفاء الذاتي وتزايد مشاريع الشركات الناشئة في هذا المجال، وقال إن "قطاع التكنولوجيا الزراعية ينمو في البلاد"، بحسب ما صرح لـ دي دبليو.

ومن الأمثلة على ذلك مشروع الزراعة العمودية الذي أطلقه المهندس البيئي زياد أبي شاكر والذي يتم فيه تحويل الأسطح المستوية في المنازل ببيروت إلى حدائق نباتية يتم فيها إنشاء مزارع البستنة العمودية.

وقال أبي شاكر لـ دويتشه فيله: "لقد أصبح الطعام مكلفًا للغاية، لذلك يزرع الناس خضرواتهم بشكل متزايد. كانت مشاريع الزراعة العمودية لدينا تنتعش بالفعل في العام الماضي، ولكنها انتعشت بشكل أكبر منذ بدء الحرب".

أنشأ أبي شاكر خمس مزارع في عام 2021، ويخطط لإنشاء سبع مزارع أخرى هذا العام.

 

تزداد شعبية الزراعة العمودية في لبنان. Libanon Beirut Dachlandwirtschaft Foto DW
تزداد شعبية الزراعة العمودية في لبنان: يغطي إنتاج لبنان من القمح 50 ألف هكتار، في حين أن هناك حاجة إلى زراعة 180 ألف هكتار لتوفير ما يكفي لسكان يبلغ عددهم 6.5 مليون نسمة.

 

مثال آخر هو الجمعية التعاونية لمنتجي البذور المتوارثة Buzuruna Juzuruna (بذورنا، جذورنا)، والتي توسعت بشكل كبير منذ انطلاقها في شرق بيروت عام 2016. قال أحد المزارعين لـ دي دبليو إنه "في عام 2021، كان الطلب على إنتاج الجمعية ساحقًا".

ويسعد المزارعون بوجود من يساعدهم في منع اختفاء الأنواع النادرة من البذور، فضلاً عن وجود فرصة شراء بذور بأسعار معقولة للقمح أو الشعير أو الخضار.

ومع ذلك وحتى الآن تبقى هذه المشاريع الناجحة هي الاستثناء. إذ إن هناك العديد من المشاكل الهيكلية في لبنان بما يجعل موضوع الاستقلال الغذائي غير مرجح في المستقبل القريب. علاوة على ذلك، فإن الدولة ليست مستبعدة من تأثيرات تغير المناخ أيضاً. وقال كويليام من مركز أبحاث تشاتام هاوس: "لا تزال هناك تحديات رئيسية مثل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه في جميع أنحاء المنطقة".

بذور أفضل - ومزيد من الأراضي الزراعية

مصر، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الشرق الأوسط بعدد سكان يبلغ 102 مليون نسمة، تواجه أيضاً مشاكل في إمدادات القمح في ضوء الحرب في أوكرانيا. ومن المتوقع أن يستهلك السكان حوالي 20 مليون طن من القمح هذا العام 2022. تنتج البلاد حالياً 10 ملايين طن سنوياً. وتستورد ما تبقى من احتياجاتها.

يأتي نحو 80% من إمدادات مصر الخارجية من القمح من أوكرانيا وروسيا. وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وضعت الحكومة المصرية خطة من ثلاث خطوات لتعزيز الإنتاج المحلي.

قال علاء الدين حموية، خبير التكنولوجيا الحيوية في المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا ICARDA): "هذا العام، خصصت الحكومة المصرية 250 ألف فدان كأرض جديدة لزراعة القمح، وتهدف العام المقبل إلى زيادتها إلى 500 ألف فدان". وأضاف في تصريحات لـ دويتشه فيله أن ذلك يأتي بالإضافة إلى 1.5 مليون فدان طورتها الحكومة في السنوات القليلة الماضية.

بالإضافة إلى وادي الدلتا الخصب، يُزرع القمح الآن أيضاً في المنطقة الصحراوية بصعيد مصر، على الرغم من أن التربة الجافة هناك تحتاج إلى المزيد من الأسمدة.

تعمل الحكومة المصرية أيضاً على تعزيز الإنتاج المحلي من خلال تزويد المزارعين بالبذور المعتمدة التي تنتج غلالاً بمعدلات أعلى. وقالت الحكومة إنها ستشتري أكثر من ستة ملايين طن من القمح من المزارعين المحليين بسعر ثابت، وذلك لتأمين برنامج الغذاء الذي الأكثر احتياجاً في البلاد.

وتدير الحكومة المصرية برنامجاً لدعم المواد الغذائية لـ 70% من السكان - وخاصة الخبز، وهو غذاء أساسي يُستهلك عادةً مع كل وجبة.

وتضع الحكومة في اعتبارها خططاً أخرى مثل خلط القمح بالشعير في المستقبل. وقال مايكل باوم، نائب مدير البحوث في إيكاردا لـ دويتشه فيله: "يمكن أن ينمو الشعير في مناطق جافة ذات نسبة ملوحة عالية، وهذا ليس هو الحال بالنسبة للقمح".

كما سيتم استخدام الابتكار لتعزيز الزراعة. وقال الدكتور علاء الدين لـ دي دبليو: "سيتم زراعة المزيد والمزيد من القمح على أحواض مرتفعة .. يمكن أن توفر هذه الطريقة 25% من مياه الري، وتتطلب بذوراً أقل بنسبة 15%، وتزيد من إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى 30%"، وتوقع الدكتور علاء الدين أن الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر "قد لا يحدث أبدًا"، لكنه قال إن زيادة الإنتاج المحلي من القمح إلى 70% سيعتبر نجاحًا، فزيادة بنسبة 20% ستوازن الطلب المتزايد الناتج عن نمو سكاني بنسبة 2.5%.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة