"شوكة في خاصرة إسرائيل"

في عام 1982، غزت إسرائيل لبنان في محاولة لسحق الفلسطينيين المتشددين العاملين هناك. وفي أعقاب تلك الحرب، وعلى خلفية المجازر التي ارتكبت ضد المسلمين تحت رعاية قوات الاحتلال الإسرائيلي، أيدت إيران تشكيل حزب الله بقيادة شيعية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وعندما انسحبت إسرائيل من لبنان في عام 2000، بعد ما يقرب من العشرين عاما من الغزو الأصلي، تحول حزب الله إلى قوة عسكرية وسياسية واجتماعية هائلة في لبنان، وشوكة مستديمة في خاصرة إسرائيل.

كما تدعم إيران حركة حماس، الجماعة السُنية المتشددة التي ترفض حق إسرائيل في الوجود. وبعد عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المستولى عليها في حرب عام 1967، وتوقف مفاوضات السلام، هزمت حماس حركة فتح (الحزب السياسي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية) في صناديق الاقتراع في انتخابات عام 2006 للبرلمان الفلسطيني. وبدلا من الدخول في حوار مع حماس، قررت الولايات المتحدة وإسرائيل محاولة سحقها، بما في ذلك من خلال حرب وحشية في غزة عام 2014، والتي أسفرت عن مقتل عدد كبير من الفلسطينيين، وقدر هائل من المعاناة، وإهدار المليارات من الدولارات نتيجة للأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية الأساسية في غزة ــ ولكن كما هو متوقع لم يُفضِ كل هذا إلى أي تقدم سياسي على الإطلاق.

رجل يرسم على حائط السفارة الأمريكية سابقا في طهران تجسيد لموظفي السفارة الأمريكية الذين احتُجِزوا في عام 1979 كرهائن من قبل طلاب إيرانيين متطرفين لمدة 444 يوما. (photo: Behrouz Mehri/AFP/Getty Images)
صدمة نفسية لم تخمد بعد: ترجع عداوة أمريكا المناهضة لإيران إلى الثورة الإسلامية التي اندلعت في البلاد في عام 1979. وفي نظر عامة الأمريكيين، تشكل محنة موظفي السفارة الأمريكية الذين احتُجِزوا رهائن لمدة 444 يوما من قِبَل طلاب إيرانيين متطرفين صدمة نفسية لم تخمد بعد. فقد هيمنت دراما الرهائن على وسائل الإعلام الأمريكية من البداية إلى النهاية، الأمر الذي أدى إلى نوع من إجهاد ما بعد الصدمة العامة أشبه بالصدمة الاجتماعية التي أحدثتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 بعد جيل.

اتفاق إيراني أمريكي في عهد أوباما

كما ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإسرائيلي تهديدا وجوديا. وقد سعى المتشددون في إسرائيل مرارا وتكرارا إلى إقناع الولايات المتحدة بمهاجمة المنشآت النووية في إيران، أو على الأقل السماح لإسرائيل بالقيام بذلك. ومن حسن الحظ أن الرئيس باراك أوباما قاوم ذلك التوجه، وأصر على التفاوض للتوصل إلى معاهدة بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (بالإضافة إلى ألمانيا) والتي تسد الطريق على إيران وتحول دون تمكينها من تصنيع الأسلحة النووية لمدة عشر سنوات أو أكثر، الأمر الذي أفسح المجال لمزيد من تدابير بناء الثقة على الجانبين. ولكن يبدو أن ترمب والسعوديين عازمون على تدمير أي احتمال لتطبيع العلاقات ينشأ عن هذا الاتفاق المهم الواعد.

من الحماقة الشديدة أن تسمح القوى الخارجية بالتلاعب بها وحملها على الانحياز إلى طرف أو آخر في صراعات وطنية أو طائفية مريرة لا يمكن حلها إلا من خلال التسوية. فكل من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والمنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران، والعلاقة بين السُنّة والشيعة، يتطلب التسوية المتبادلة. ومع ذلك، يتبنى كل طرف في هذه الصراعات الوهم المأساوي المتمثل في القدرة على تحقيق النصر المطلق من دون الحاجة إلى أي تسوية أو حل توفيقي، إذا كان للولايات المتحدة (أو أي قوة كبرى أخرى) أن تخوض الحرب نيابة عنها.

خلال القرن الماضي، أساءت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا فهم لعبة السلطة في الشرق الأوسط. وكل منها أهدرت الأرواح والمال والهيبة (الواقع أن الاتحاد السوفييتي أُضعِف بشِدة وربما بشكل قاتل بفِعل حربه في أفغانستان). والآن نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى عصر من الدبلوماسية التي تؤكد على التسوية والحلول الوسط وليس جولة أخرى من الشيطنة وسباق التسلح قد تدفع بنا بسهولة كبيرة إلى الكارثة.

 

 

جيفري ساكس

ترجمة: إبراهيم محمد علي         

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2017

 

 

ar.Qantara.de

الباحث الأمريكي جيفري د. ساكس، أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسة والإدارة الصحية في جامعة كولومبيا، وهو مدير مركز كولومبيا الأمريكي للتنمية المستدامة وشبكة الأمم المتحدة حلول التنمية المستدامة. ومن كتبه: "نهاية الفقر"، و"الثروة المشتركة"، و"عصر التنمية المستدامة"، و"بناء الاقتصاد الأمريكي الجديد".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.