السياسة التركية الداخلية في ظل وباء كوفيد-19

فيروس كورونا يعمق الاستقطاب السياسي في تركيا

توتر متزايد في تركيا بين الحكومة والمعارضة يغذي تكهنات تتوقع إجراء الحكومة لانتخابات مبكرة قبل ازدياد شعبية المعارضة، في حين يختلف الطرفان حول جمع المعارضة أموالا لمساعدة سكان معسِرين في تسديد ديونهم لمتاجر محلية خصوصاً في ظل جائحة كورونا، فالحكومة تريد في هذا السياق من المعارضة التنسيق مع الدولة، وهو ما يثير المزيد من حدة الاستقطاب. الصحفية التركية عائشة كارابات تسلط الضوء من إسطنبول لموقع قنطرة على المشاحنات السياسية في تركيا.

مع بدءِ مرحلةِ التطبيعِ في تركيا تدريجياً منذ الأول من حزيران/يونيو 2020 بعد تدابير حذرة وتقدمٍ في مكافحةِ وباءِ فيروس كورونا، بدأ المشهدُ السياسي يُظهِرُ المزيد من مؤشراتِ الاحتكاكِ والاستقطابِ المتزايدِ بعد ظهورِ شائعاتٍ عن انتخاباتٍ مبكرة.

نفى حزبُ إردوغان (حزب العدالةِ والتنميةِ) وجودَ أي انتخابات برلمانيةٍ ورئاسيةٍ مبكّرة في الأفقِ وقال إنها ستُجرَى كما هو مقرّرٌ، في عام 2023، بيدَ أنّ المشاحناتَ مع المعارضةِ قادت إلى تكهنات بأنّ الحكومة ستدعو لانتخاباتٍ مبكرةٍ - قبل تزايدِ الصعوباتِ الاقتصاديةِ وقبلَ أن يزيد ارتفاع شعبيةِ المعارضةِ من احتمالِ الهزيمةِ في غضون ثلاث سنواتٍ.

وفي وسطِ هذه التكهنات يدورُ الخلافُ الأخيرُ بين المعارضةِ والحكومةِ حول حملاتِ جمعِ التبرعاتِ ونزاع لتوطيدِ السلطةِ في وقتٍ يعاني فيه الاقتصاد بسبب وباء كورونا.

وقد انفجر التوترُ بين الحكومةِ والمعارضةِ خلال الشهرين الأخيرين، حين بلغَ الوباءُ ذروته في تركيا. وبينما كافح الطرفانِ لمساعدةِ السكان، فإنّ اقتصادَ تركيا، المتضرر من قبل، تقلّص أكثر بسبب فيروس كورونا.

تحقيق مع رؤساء بلديات معارضين على خلفيةِ جمع تبرعات

أطلقت البلدياتُ التي تديرها المعارضةُ في جميعِ أنحاءِ تركيا حملات جمع تبرعات يستطيع السكان المحتاجون أن يحصلوا منها على مساعدة مالية. وقد قادت هذه التحركاتُ في نهايةِ المطافِ وزارةَ الداخليةِ إلى فتحِ تحقيقاتٍ ضدَّ رئيس بلديةِ أنقرة منصور يافاش ورئيسِ بلديةِ اسطنبولِ أكرم إمام أوغلو، وهما من الحزبِ المعارضِ الرئيسي (حزب الشعب الجمهوري).

وفي أماكن أخرى، جمّد مصرف (وقف بنك Vakif Bank) -وهو بنكٌ تديره الدولة- حسابات التبرعِ التابعة لبلديتي أنقرةَ واسطنبول. وقالت بلديةُ مرسين، والتي تقعُ في جنوبِ البلادِ ويديرها حزب الشعبِ الجمهوري، أنّ توزيعها للخبزِ المجاني للسكان المحتاجين قد حُظِرَ.

إذ اتهمت الحكومةُ المعارضةَ هناك بالقيامِ بعملٍ مستقلٍ عنها، فقد قالَ الرئيسُ رجب طيب إردوغان إنهم يُنشِؤون "دولةً داخل الدولةِ" في كلمةٍ له أمامَ الشعبِ في الأول من نيسان/أبريل 2020. ولاحقاً، زعم مسؤولو حزبه مراراً وتكراراً أنّ جمعَ التبرعاتِ بشكل منفصلٍ أمرٌ مخالفٌ للقانونِ وأنكروا أيّ تحركٍ ذي دوافع سياسية وراءَ تصرفاتِ الحكومةِ. وطلبوا من البلدياتِ أن تعملَ بالتنسيقِ مع الحكومةِ في مبادراتٍ أخرى.

 

رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش (إلى اليسار) ورئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو (إلى اليمين) - تركيا.  (photo: Getty Images/AFP/Ozan Kose)
رجالُ الشعبِ: مع تغلغلِ فيروس كورونا، حثّ رئيسُ بلديةِ أنقرة "منصور يافاش" السكانَ الأكثر ثراء على مساعدةِ المواطنين الأفقر عن طريقِ سدادِ ديونهم للبقالين المحليين. وسرعان ما تحولت الحملةُ التي أُطلِق عليها اسمُ "الخيرُ مُعدٍ" إلى حملةٍ وطنيةٍ. وبالمثلِ، قامت حملةُ رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو "ردّ الصنيعِ"، التي أطلقها لمساعدةِ أولئك ممن لديهم فواتيرُ خدمات مُستحقة، بجمع ما يقاربُ 15 مليون ليرة تركية (2.1 مليون دولار أميركي)، خلال أسبوعها الأول.

 

ووفقاً لوزيرِ الخزانةِ والماليةِ بيرات البيرق، فإنّ حزمةَ المساعداتِ الاقتصاديةِ التي قدمتها الحكومةُ في أعقابِ تفشي فيروس كورونا في تركيا تشكّلُ 5% من إجمالي الناتجِ المحلي. وقد سأل البعضُ إن كان هذا كافياً، ولا سيما عند المقارنةِ مع بلدانٍ أخرى مثل ألمانيا، حيث حصةُ حزمة الإغاثةِ تساوي أكثر من 24% من إجمالي الناتجِ المحلي، كما أظهرَ مؤخراً تقريرٌ صدرَ عن صندوقِ النقدِ الدولي.

واستمرت البلديات بلا هوداةٍ، لا سيما في اسطنبول وأنقرة، المدينتين الأكبر في تركيا، في القيامِ بحملاتِ المساعدةِ وتمكّنت من جمعِ الكثيرِ من الأموالِ. فقد حثّ رئيسُ بلديةِ أنقرة "منصور يافاش" السكانَ الأكثر ثراء على مساعدةِ المواطنين الأفقر عن طريقِ سدادِ ديونهم للبقالين المحليين. وسرعان ما تحولت الحملةُ التي أُطلِق عليها اسمُ "الخيرُ مُعدٍ" إلى حملةٍ وطنيةٍ.

يقولُ يافاش أنهم لا يعرفون مقدارَ الديونِ التي سُدّدت، بيد أنّهم يُخمنون، وفقاً للمعلوماتِ التي وصلتهم، أنّ غالبها قد سُدِّدَ. كما أشارَ إلى وجودِ 165 ألف شخصٍ بالفعلِ بحاجةٍ إلى مساعدةٍ ماليةٍ في العاصمةِ أنقرة التي يبلغُ تعدادُ سكانها 6 مليون نسمة، وذلك قبل الوباءِ، بيدَ أنّ عددهم ارتفعَ إلى 280 ألف شخصٍ خلال الوباءِ. وهناك 72 ألف شخصٍ آخر طلبوا المساعدةَ من البلديةِ بأشكالٍ مختلفةٍ ممن فقدوا وظائفهم أو دخلهم بسبب تفشي فيروس كورونا.

كما أوفدَ يافاش مؤقتاً خياطين -ممن توقفوا عن العملِ حين بدأ تفشي الفيروس بتقييد الناسِ في منازلهم- إلى أنقرة من أجل ِإنتاجِ أقنعةٍ واقية للشعبِ. وبالمثلِ، جمعت حملةُ رئيس بلديةٍ اسطنبولِ أكرم إمام أوغلو "ردّ الصنيع"، التي أطلقها لمساعدةِ أولئك ممن لديهم فواتيرُ خدمات مُتأخرة، جمعت ما يقاربُ من 15 مليون ليرة تركية (2.1 مليون دولار أميركي)، بعد أسبوعٍ من انطلاقها في أوائلِ أيار/مايو 2020.

تصاعدٌ  وتراجعٌ في شعبية السياسيين

أشارت استطلاعاتُ رأيٍ مختلفة إلى أنّه خلال الوباءِ تغيرت شعبيةُ السياسيين والثقة فيهم، إذ تصدّرَ وزيرُ الصحةِ فخر الدين قوجة معدّلات التأييد العام، وسجّل نقاطاً حتى أعلى من الرئيس رجب طيب إردوغان. وبالنسبةِ للمعارضين، تضاعفت شعبيةُ منصور يافاش، كما لوحظَت زيادةٌ طفيفةٌ في الدعمِ لأكرم إمام أوغلو.

 

 

فاز رئيسا البلديةِ، اللذان ينتميان لحزبِ الشعبِ الجمهوري ويمثِّلانِ حليفَ الحزبِ القومي المعارض الأصغر، بأكبرِ مدينتين في تركيا في انتخاباتِ العامِ الماضي 2019. وقد كانت هذه هي المرةُ الأولى منذ 25 عاماً التي لا يتولى فيها حزبُ إردوغان -حزب العدالةِ والتنميةِ- وأسلاف هذا الحزب مسؤوليةَ مراكز القوة الاقتصادية هذه. ولم يقبل حزبُ العدالةِ والتنمية الفوزَ الأولي الذي حقّقه إمام أوغلو في آذار/مارس من عام 2019، مشيراً إلى وجودِ مخالفاتٍ في فرزِ الأصواتِ. بيد أنّ إمام أوغلو فاز مرةً أخرى بعد ثلاثةِ أشهر في إعادةِ الانتخاباتِ، وحتى بغالبيةٍ أكبر.

وتعني زيادةُ شعبيتهما خلال الوباءِ أنه يُنظرُ إليهما الآن كمنافسين محتملين للرئيس رجب طيب إردوغان. بيدَ أنّ هذا لا يعني بالضرورةِ أنّ تحالفهما السياسي يكتسبُ النوع ذاته من الاعترافِ المضاهي للزيادة الشخصية في شعبيةِ رئيسي البلديةِ.

شائعةُ الانتخاباتِ المبكرة

وقد ساهم العديد من استطلاعاتِ الرأي الأخيرةِ، التي تشيرُ إلى إمكانيةِ فقدانِ حزب العدالةِ والتنميةِ لشعبيته، في التكهناتِ بأنّ حزبَ العدالةِ والتنميةِ قد يدعو إلى انتخاباتٍ مبكرةٍ قبل أن ينخفض، بشكلٍ كبيرٍ، التأييد الذي يتمتعُ به الحزب.

بيدَ أنّ الحكومةَ نفت تكهنات إجراءِ الانتخابات المبكرة، وقالَ رئيسُ وحدةِ الاتصالاتِ بالرئاسةِ التركيةِ "فخر الدين ألتون" في تغريدةٍ له أنّ مثل هذه الادعاءات المزيفةِ والاحتياليةِ تهدفُ إلى "دفعِ المجتمعِ في طريقٍ معينٍ".

وشدّد روشين تشاكير، وهو محللٌ سياسي بارز ورئيسُ تحريرِ واحدةٍ من الوسائلِ الإعلاميةِ المستقلةِ القليلةِ ميديا سكوب (Medyascope)، على أنه لا يوجدُ شكٌ في انخفاضِ الأصواتِ المحتملةِ لحزبِ العدالةِ والتنميةِ، بيد أنه أضاف أنّ هذه الأصوات ليس من الضرورةِ أن تنتقلَ إلى المعارضةِ.

وعلى حدِّ تعبيره، فإنَّ الكثير من أصحاب هذه الأصوات لم يحسموا أمرهم بعد، وأغلبهم من المؤيدين السابقين لحزبِ العدالةِ والتنميةِ. وفي أحدِ تحليلاته الأخيرة عبر الفيديو، زعم -وإن كان هذا من دون قدرٍ كبيرٍ من اليقينِ- أنّ إجراءَ انتخاباتٍ مبكرةٍ أمرٌ محتملٌ، ولكن الوقتَ وحده كفيلٌ بأن ينبئنا بذلك.

وقد قالَ روشين تشاكير: "ما نعرفه أنّ هناك أزمة اقتصادية خطيرة في الأفقِ. أو فلْنكُنْ أكثر دقة: الأزمةُ موجودةٌ بالفعلِ وهي ببساطةٍ تزدادُ الآن. لن يكون من السهلِ على الحكومةِ إدارة المشاكلِ الوشيكةِ، وكلما طال تفكيري بذلك ازداد اعتقادي بإمكانية إجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ".

 

 

وعلى النقيضِ من ذلك، يجادلُ بكر آغيردير، وهو محللٌ سياسي آخر ورئيسُ شركةِ كوندا (Konda) لاستطلاعاتِ الرأي والتي أجرت الكثير من استطلاعات الرأي الانتخابية الدقيقة في الماضي، أنّ إمكانيةَ إجراءِ انتخاباتٍ مبكرةٍ ضئيلةٌ وأنّ إردوغان سيرغبُ بالبقاءِ في السلطةِ بقدرِ ما يستطيع بموجبِ التشريعِ الحالي. ويقولُ إنّ الحكومة لن تختارَ إجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ إلا إذا لم تعد قادرةً على الحكمِ.

كما يستنتج آغيردير قائلاً: "أتخيلُ أنّ تفكيرَ حزبِ العدالة والتنمية يسيرُ على النحوِ التالي: نعم، إنّ أصواتنا تتضاءلُ، بيد أنها لا تذهبُ إلى المعارضةِ بعد ... وفي ظلّ هذه الظروفِ، ينبغي علينا الاستثمار في "التعريفِ السلبي"، والحفاظ على خطابٍ قوي من التجريمِ ضد المعارضةِ".

في الواقعِ، إحدى الخطواتِ الأخيرة التي اتخذها البرلمانُ، الذي تسيطرُ عليه أغلبيةٌ من حزبِ العدالةِ والتنميةِ، كانت تجريد واحد من حزب الشعب الجمهوري واثنين من حزب الشعوب الديمقراطي -ذي التوجه الكردي- من عضويةِ البرلمانِ، استناداً إلى تهمٍ بـِ "التجسسِ" و"الارهابِ".

رغبةٌ في المشاحنة

وفي ظلِّ هذه الخلفيةِ، تلوحُ في الأفقِ قضايا أكثر إثارةٍ للجدلِ في السياسةِ التركيةِ، مثل سعي الحكومةِ لتغييرِ نظام الانتخاباتِ لمجالسِ الإدارات الخاصةِ بنقاباتِ المحامين في البلادِ.

 

رجُل -على وجهه قناع واقٍ من كورونا- يمشي في أحد شوارع اسطنبول - تركيا.
كيفية التغلبِ على العوائقِ: وفقاً لوزيرِ الخزانةِ والماليةِ التركي بيرات البيرق، فإنّ حزمةَ المساعداتِ الاقتصاديةِ التي قدمتها الحكومةُ في أعقابِ تفشي فيروس كورونا في تركيا تشكّلُ 5% من إجمالي الناتجِ المحلي. لكن هل هذا كافي؟ أظهرَ مؤخراً تقريرٌ صادرٌ عن صندوقِ النقدِ الدولي أن بلدان مثل ألمانيا تساهم بأكثر من 24% من إجمالي الناتجِ المحلي لتفادي عواقب فيروس كورونا.

 

فمن شأنِ مشروعِ التشريعِ الخاصِ بالتمثيلِ النسبي أن يسمح فعلياً بنقاباتِ محامين بديلة، وبالتالي تقليل الأوزان الانتخابية لأكبرِ النقاباتِ، مثل تلك الموجودة في أنقرة واسطنبول، والتي كانت منتقِدةً بشكل علني لسياسةِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ في العديدِ من المناسباتِ.

كما تعملُ الحكومةُ على نقلِ حصةِ حزب الشعب الجمهوري في بنك العملِ "إيش بانكاسي Is Bankasi" -التي أوصى بها للحزبِ الأبُ المؤسسُ لتركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك قبل وفاته في عام 1938- إلى خزانةِ الدولةِ.

وثمة جدال آخر حالي يتمثلُ في طموحِ الحكومةِ بتحويلِ معلمِ آيا صوفيا الشهيرِ في اسطنبول، وهو متحفٌ حالياً، إلى مسجدٍ تماشياً مع الآراءِ الدينيةِ المحافظةِ لناخبي حزبِ العدالةِ والتنميةِ. وقد حذّرَ زعيمُ المعارضة كمال كليتشدار أوغلو، وهو رئيس حزبِ الشعبِ الجمهوري، من مثلِ هذه المبادرة من قبل الحكومةِ، متهماً حزبَ العدالةِ والتنميةِ بالسعي عمداً إلى الاستقطابِ والاستفزازِ.

وعلى الرغمِ من الأوقاتِ الصعبةِ التي يمرُ بها العالمُ بسب فيروس كورونا، لا يزال الاستقطابُ -وهو من أهمِ مميزاتِ السياسةِ التركيةِ- حياً يُرزقُ. وقد تكون السيطرةُ عليه أصعب بكثيرِ من احتواءِ الوباءِ.

 

 

عائشة كارابات

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة