السياسة الثقافية في مصر

تسييس الثقافة في مصر..."قوة ناعمة في مواجهة التطرف"

يحاول وزير الثقافة المصري الجديد إقامة مشاريع كبرى من أجل استخدامها في التعبئة ضد التطرف الديني، حتى أن المصريين صاروا يريدون إعادة بناء منارة الإسكندرية الأسطورية. جوزيف كرواتورو يستعرض في تعليقه التالي لموقع قنطرة السياسة الثقافية الجديدة في مصر.

 

لقد تركت التحوُّلات السياسية التي حدثت في مصر منذ ثورة يناير 2011 آثارها في وزارة الثقافة المصرية أيضًا. وهذه الوزراة شهدت حتى تشكيلها الأخير في شهر آذار/مارس 2015 ذهاب ومغادرة ما لا يقل عن سبعة وزراء. وكان تقريبًا كلُّ وزير منهم يتنبأ بنهضة ثقافية، لن يتوانى الآن عن التبشير بها وزير الثقافة المصري الجديد، عبد الواحد النبوي، الذي يأتي ترتيبه كثامن وزير يشغل منصب وزارة الثقافة بعد الثورة.

"الثقافة خطُّ الدفاع الأوَّل"

وهذا ليس جديدًا أيضًا، إذ إنَّ إعلان الوزير عبد الواحد النبوي الحرب على الإرهاب عند توليه منصبه، كان معروفًا من قبل سلفيه المرتبطين بنظام حسني مبارك القديم وكذلك بالنظام العسكري الجديد. حيث قال وزير الثقافة الجديد إنَّ "مصر في حالة حرب" والثقافة يجب أن تكون في "خطّ الدفاع الأوَّل".

ومن دون ريب لقد أهـَّلت الوزير عبد الواحد النبوي لمنصبه هذا صورتُه كضحية لسلطة الإخوان المسلمين التي استمرت لفترة قصيرة، والتي يستمد من سحقها نظامُ القاهرة الحالي برئاسة قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي شرعية "ثورته" - ثورة يونيو 2013 - التي يتم وصفها في الخارج على أنَّها انقلاب عسكري. فقد اضطر عبد الواحد النبوي في عهد الرئيس السابق المحكوم عليه حاليًا بالإعدام، الدكتور محمد مرسي، إلى التخلي عن وظيفته كمدير لدار الوثائق القومية.

من المفترض أنَّ عبد الواحد النبوي قد رفض تسليم كوادر من جماعة الإخوان المسلمين ملفات رسمية سرية حول حسن البنا، مؤسِّس هذه الجماعة. ولذلك تزداد الآن على ما يبدو رمزية قيام عبد الواحد النبوي - بصفته وزيرًا للثقافة - بافتتاح المقر الجديد لدار الوثائق القومية في منطقة الفسطاط في القاهرة في مطلع  شهر أيَّار/مايو 2015. إن الذي تكفَّل بتمويل القسم الأكبر من هذا المبنى الجديد والمجهَّز بأحدث التكنولوجيا والمكوَّن من خمسة طوابق والذي يظهر بواجهته المنحنية مناسبًا لوظيفته، هو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتَّحدة - الذي شارك بنفسه أيضًا في حفل الافتتاح.

"الانطلاق نحو عالم جديد"

أشادت وزارة الثقافة المصرية بهذا المشروع في كتاب أصدرته تحت عنوان "دار الوثائق القومية .. الانطلاق نحو عالم جديد". وعلى صفحاته الأولى تظهر صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي. ومن جانبه صوَّر هنا وزير الثقافة المصري عبد الواحد النبوي المصريين بصورة شعب له ثقافة محفوظات متميِّزة بصورة خاصة، اهتم بها المصريون القدماء منذ زمن الفراعنة. وبحسب وصفه فإنَّ المصريين سينقلون مصر إلى عصر جديد ويجعلون حضارتها تتألق في جميع أنحاء العالم.

Ägyptens neuer Kulturminister Abdel Wahed al-Nabawi; Foto: AP
تسييس الثقافة في مصر - أعلن وزير الثقافة المصري الجديد عبد الواحد النبوي الحرب على الإرهاب مع توليه منصبه في وزارة الثقافة، وقال إنَّ "مصر في حالة حرب" وإنَّ الثقافة يجب أن تكون في "خطّ الدفاع الأوَّل".

 

وبطبيعة الحال لم يتم التطرُّق إلى مطالبة المثقَّفين المصريين منذ سنوات ومن دون جدوى بحرية الوصول إلى الملفات والسجلات الرسمية، وكذلك لم يدُر الحديث إلاَّ بشكل عابر حول التخطيط لإصدار قانون الوثائق الجديد. وعلى كلِّ حال طلبت هنا الرئيسة الجديدة (المحجَّبة) لدار الوثائق القومية، الدكتورة نيفين محمود، من الله أن يرحم مصر، وقد ذكَّرت بدور مصر الرائد في العالم العربي - أيضًا باعتبار أنَّ شعبها شعب مثقف.

كما تم توجيه الشكر إلى حاكم إمارة الشارقة، مموِّل مبنى دار الوثائق الجديد، وذلك من خلال طباعة الوثائق الأرشيفية المصرية الخاصة بإمارة الشارقة التي يحكمها منذ عام 1972. وكان الهدف من ذلك التأكيد على العلاقة الخاصة بين البلدين. وتظهر هذه العلاقة أيضًا في محاربة "إرهاب الجماعات الإسلاموية المتطرِّفة".

وبالإضافة إلى تمويله بناء العديد من المشاريع الثقافية الأخرى، قام الشيخ سلطان بن محمد القاسمي ببناء خمسة وعشرين مسجدًا تكريمًا لـ"شهداء مجزرة رفح" - وهو الاسم الرسمي الذي يطلق في مصر على ضحايا الهجوم الإرهابي الذي وقع في عام 2012 في سيناء وسقط فيه العديد من الجنود المصريين.

التعاون بين مصر والشارقة

يعتبر التعاون مع إمارة الشارقة أيضًا خير دليل على الاهتمامات السياسية الفكرية، التي تُملي على القاهرة مسار سياستها الثقافية والدينية المترابطة بعضها ببعض وعلى نحو متزايد. وتحدِّد هذا المسار طبيعةٌ إسلاميةٌ محافظةٌ، يتبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه. فبينما كان العمل بحرية إلى حدّ ما مسموحًا في عهد حسني مبارك لجماعة الإخوان المسلمين وللسلفيين - وخاصة لهذه الجماعة الأخيرة - بات يتم الآن وصف الإسلاميين على أنَّهم يشكِّلون تهديدًا جادًا بالنسبة للدولة، وصار يجب كذلك على المؤسَّسة الدينية أن تساهم في "إيقافهم عند حدهم".

وفي الحقيقة يُظهر مسؤولو المؤسَّسات الدينية والثقافية وموظفوها تعاونهم الكبير في تنفيذ عملية "تجديد الخطاب الديني" الذي يطالب به الرئيس عبد الفتاح السيسي: وتحت هذا الشعار عقدت في الخامس والعشرين من شهر أيَّار/مايو 2015 وبشكل مؤثِّر إعلاميًا وزارةُ الأوقاف المصرية مؤتمرًا صحفيًا في القاهرة. وكان أيضًا وزير الثقافة عبد الواحد النبوي حاضرًا في هذا المؤتمر - كمتحدِّث.

خليط إيديولوجي متشدِّد

يُذكِّر الانضباط الجديد لدى الفقهاء وعلماء الدين المصريين بعهد الحركات القومية العربية العلمانية. فقد كانت العودة الاحتفالاية التذكارية السياسية إلى مصر وعصورها القديمة وإلى عملية التظاهر المتزامنة مع ذلك تحتل - في تلك الأيَّام وكذلك أصبحت الحال مرة أخرى في يومنا هذا - مكان الصدارة باعتبارها قوة تحديثية وقيادية عربية.

Sultan bin Muhammad al-Qasimi zu Besuch bei Ägyptens Präsident Abdel Fattah Al-Sisi in Kairo; Foto: AP
روابط سياسية ثقافية وطيدة - بالإضافة إلى تمويله مبنى دار الوثائق الوطنية الجديد في منطقة الفسطاط في القاهرة والعديد من المشاريع الثقافية، قام الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم إمارة الشارقة، ببناء خمسة وعشرين مسجدًا في مصر. يعتبر التعاون مع إمارة الشارقة أيضًا خير دليل على الاهتمامات السياسية الفكرية، التي تُملي على القاهرة مسار سياستها الثقافية والدينية المترابطة بعضها ببعض وعلى نحو متزايد. وتحدِّد هذا المسار طبيعةٌ إسلاميةٌ محافظةٌ، يتبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه.

ولكن في الواقع إنَّ وصف مصر على أنَّها كانت حتى في القرن التاسع عشر نموذجًا مثاليًا للتحديث، فهذا يمثِّل عنصرًا جديدًا نسبيًا في هذا الخليط الإيديولوجي الذي تم تجديده. إذ إنَّ اتِّخاذ إنجازات الخديوي إسماعيل باشا (1830-1895) الثقافية كقدوة يُقتدى بها لم يكن من دون ريب سيخطر تقريبًا ببال الضبَّاط الأحرار رفاق جمال عبد الناصر الذين طردوا في عام 1952 الخديوي فاروق آخر أحفاد أسرة الخديوي باشا إلى خارج مصر.

إنَّ مشروع ترميم شوارع القاهرة التي بناها إسماعيل باشا المحبُّ لأوروبا والتي باتت مهملة منذ فترة طويلة مع مبانيها ذات الطراز المعماري المُستلهم من فنِّ العمارة الأوروبي في القرن التاسع عشر - هو مجرَّد مشروع واحد من مشاريع كبرى عديدة يريد إنجازها وزير الثقافة الجديد.

ولذلك من الممكن أيضًا أن تشمل هذه المشاريع بعد فترة قريبة مشروعًا مذهلاً للغاية: فقد تقرَّر بناء نسخة طبق الأصل عن منارة الإسكندرية الأسطورية - التي تعدُّ واحدة من عجائب الدنيا السبع في العصور القديمة.

وهذه الحملة الثقافية في هبة النيل لا تسعى فقط إلى الارتفاع إلى الأعلى، بل تسعى أيضًا إلى التوسُّع داخل القاعدة الجماهيرية. وهكذا من المفترض على سبيل المثال أن يتم من خلال ترميم المراكز الثقافية المتداعية في المدن المصرية وإعادة إحيائها تشجيع أكبر عدد ممكن من المصريين على المساهمة في الحياة الفنِّية.

وعلاوة على ذلك لقد أثنى وزير الثقافة وبكثير من العبارات الحماسية الوطنية على قدرات الفنِّ معتبرها "القوة الناعمة" في مواجهة التطرُّف والإرهاب، كما أنَّه حصد بالتالي تأييد عدد متزايد من القائمين على الثقافة. ولكن مع ذلك توجد أيضًا شكاوى من تفاقم الرقابة - التي يتم فرضها بأسلوب معروف منذ فترة طويلة على انتقاد النظام وعلى كلِّ شيء يوصف بأنَّه غير أخلاقي.

 

 

جوزيف كرواتورو

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015   ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.