السياسية التونسية سعيدة أونيسي عن الاندماج في فرنسا

"لم أكن قادرة على أن أكون أكثر فرنسية مما كنت"

ترعرعت سعيدة أونيسي في فرنسا. وانتُخبت عام 2014 في البرلمان التونسي ممثلة عن حزب النهضة وشغلت منصب سكرتيرة الدولة في وزارة العمل. في حوارها التالي مع بيتر شيفر لموقع قنطرة تتحدث عن تجاربها مع الإسلاموفوبيا والعنصرية في فرنسا. وتقترح استراتيجيات لمحاربة التطرف في أوساط الشباب الأوروبي المسلم.

عاش أبوك في المنفى الفرنسي، وأنت أيضا ترعرعت هناك. ما الذي دفع بك لمغادرة فرنسا إلى تونس؟

سعيدة أونيسي: كنت في الخامسة من عمري، لما غادرنا إلى فرنسا. وهناك قضيت أهم فترة من حياتي. والثقافة الفرنسية تعني لي الكثير. فهناك ذهبت إلى المدرسة، ومن بين المدارس التي ترددت عليها مدرسة كاثوليكية، كما أني تابعت دراساتي العليا في جامعة فرنسية. 

وكنت نشطة على المستوى المحلي وكتبت لجريدة لوموند. لقد نظروا إلي كنموذج لنجاح الاندماج، لكني كنت متدينة جدا في نظر الفرنسيين. فارتداء الحجاب غير مقبول البتة بالنسبة للوسط الأكاديمي والثقافي.

لكني لم أكن قادرة على أن أكون أكثر فرنسية مما كنت عليه. لقد أحسست بأنه لا مكان لي في المجال العمومي. لقد شعرت بهذا التضييق في وقت مبكر. وما زلت أتذكر المرة الأولى التي تعرضت فيها للإساءة، فأحد أساتذتي طردني من الدرس بدعوى أن الحجاب لا يتوافق مع القيم الجامعية، واتهمني بقتل الفرنسيين خلال الحرب الجزائرية وخلال الحرب الأهلية في هذا البلد في التسعينيات.

لقد احتججت على ذلك، لكن دون جدوى تذكر. ولربما تسمح هذه الواقعة للمؤرخين بعد خمسين عاما بفهم أفضل لمجتمعنا الحالي. إني أشعر بأنه لا يمكن للمهاجرين من أصول مسلمة في الأغلب الأعم تحقيق الشيء الكثير في فرنسا. وأن يصل مسلمون إلى مناصب قيادية لأمر نادر، رغم تكوينهم والتزامهم.

وهذا النقص في الإمكانيات في فرنسا دفع بالكثيرين بعد نهاية عهد بن علي في عام 2011 إلى العودة إلى تونس.

أتباع اليمين المتطرف يحتجّون ضد بناء مسجد في كولونيا. Foto: picture-alliance/dpa/O. Berg
"إن ارتفاع وتيرة الإسلاموفوبيا في أوروبا يمكن التدليل عليها نوعيا، إنه واقع محزن. لكن رغم ذلك فإن وجود جاليات مسلمة في أوروبا لا يمكن التراجع عنه"، كما تقول سعيدة أونيسي.

سعيدة أونيسي: نعم، لكن ليس ذلك السبب الوحيد. السبب الرئيس تمثل في أن العديد من المجتمعات الغربية أصبحت تتجه باضطراد نحو اليمين. وأعني بذلك خصوصا صعود "الجبهة الوطنية" في فرنسا أو "البديل من أجل ألمانيا".  والانتخابات الأمريكية ونجاح ترامب أكدا هذا التوجه من جديد.

لكن في تونس نلحظ تطورا مضادا وهو أمر يثير الدهشة. إذ نلحظ تراجعا عن قبول تحديد حقوق النساء والأقليات، كما أن العديد من الأصوات المنتقدة ترتفع في المجال العام إذا حدث شيء من ذلك، أصوات من البرلمان والمجتمع المدني والإعلام. في حين أن الأمر ليس كذلك في أوروبا، إذا ما نظرنا إلى الارتفاع السريع لجرائم الكراهية والخطب التحريضية.

كيف تفسرين هذا التطور؟ ما هي الأسباب التي تقف خلف تنامي العداء للمسلمين واللاجئين، وخصوصا أن هجرة المسلمين من دول مختلفة إلى أوروبا ليس أمرا جديدا؟

سعيدة أونيسي: إن صيرورة صهر المهاجرين في فرنسا الستينيات والسبعينيات كان لها دور حاسم وراديكالي. فالمهاجرون لم يتكلموا في الغالب مع أبنائهم عن أصولهم، لأنهم أرادوا أن يصنعوا منهم فرنسيين، من أجل حمايتهم من التمييز الذي يتعرضوا له.

لكن ذلك لا يتحقق إذا استمر الإقصاء فقط لأن المرء يحمل اسم "محمد" أو لا يبدو للعين مثل "الفرنسيين". في الجمعية التي كنت أنشط فيها، حدثني أطفال، ينحدر أباؤهم من شمال إفريقيا أو منطقة جنوب الصحراء عن إحساسهم في بيوتهم بأنفسهم كفرنسيين، ولكن في المجال العام يتم اعتبارهم غير ذلك.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.