إذا كان المؤرخون بعد خمسين عاما سيقفون على إسلاموفوبيا وعنصرية المجتمعات الأوروبية انطلاقا من حالات مثل حالتكم، كما تقولين، فهل يمكن القول إن الوضع سيعرف تحسنا حتى ذلك الوقت؟

سعيدة أونيسي: لا أعتقد أن الأمور ستزداد سوءا. إن التمييز الذي يعاني منه المسلمون، والهجمات السياسية والإعلامية، كما أن أعمال العنف الفردية في تصاعد. إن الأمر لا يتعلق برؤيتي الشخصية، بل ذلك ما تؤكده منظمات حقوقية دولية مثل هيومان رايت ووتش، ولاسيما وأمنستي أنترناشيونال.

 

شعارات كراهية مناوئة للمسلمين أمام المسجد الكبير في سان أتيان، قُرب مدينة ليون الفرنسية. Foto: picture alliance/abaca
"نحن جميعا ضحايا الإرهاب، سواء أكنا مسلمين أم لا. وإذا ما كان الإرهاب يشرعن أعماله بأيديولوجيا إسلامية ـ أصولية، أفلن يكون أكثر نجاعة أن نشرك كل أولئك الناس في النقاش، الذين يعرفون خلفية هذه الإيديولوجيا ويستطيعون تحليل وتأويل مواقف وسلوكيات معينة؟ لكن هذا الصراع يتم فهمه وللأسف بشكل ثنائي، كحرب للمسلمين على غير المسلمين. وفي رأيي فإنه يتم استغلال المقاربة الدينية في عملية المكافحة الاستباقية للإرهاب لمصالح سياسية"، كما ترى سعيدة أونيسي.

إن ارتفاع وتيرة الإسلاموفوبيا في أوروبا يمكن التدليل عليها نوعيا، إنها واقع محزن. لكن رغم ذلك فإن وجود جاليات مسلمة في أوروبا لا يمكن التراجع عنه. فالمسلمون ينشطون في محيطهم، يتعلمون ويملكون معارفا يحتاجها سوق العمل. ولهذا لا يمكن طرد كل هؤلاء الناس. إنهم ة مسيسون جدا ويشاركون في الحياة السياسية، وخصوصا على المستوى المحلي.

ما يهمني في الأمر هو التطور الذي عرفه خطاب المساجد في فرنسا. فالأئمة يدعون للمشاركة في الانتخابات، ويدعون الناس لضبط النفس إذا تعرضوا لهجوم عنصري. كما أنهم دعوا الجالية المسلمة للمشاركة في الحداد الوطني بعد العمليات الإرهابية في باريس ونيس. وهم يعلمون لكي تفهم الجالية المسلمة نفسها كجزء من الأمة الفرنسية. أضحت المساجد اليوم جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية للعديد من المسلمين.

لكن بالإمكان أن يشكل ذلك مصدر خطر، إذا أخذنا بعين الاعتبار النموذج التونسي؟

سعيدة أونيسي: صحيح. لكن لمواجهة التطرف الإسلاموي، أشركنا الأئمة في استراتيجيتنا ضد الإرهاب. إنهم يتلقون تكوينا يؤهلهم للتعامل مع المجموعات المتطرفة في مناطقهم. كما أننا نقدم لهم تكوينا في مجال الخطابة ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن للأسف فإن الأئمة غير المسيسين لا يحظون اليوم بالاهتمام الكافي. فإذا لم يجد الشباب المتدين في مساجدهم المحلية أجوبة مُقنِعة على قضاياهم الاجتماعية والدينية والسياسية، وإذا كان الأئمة يتحدثون فقط عن أشياء لا علاقة لها بالإهتمامات اليومية للناس، فإنهم يلجؤون إلى أئمة آخرين، وليس نادرا إلى المتطرفين منهم.

ولهذا يتوجب أن تصبح المساجد جزءا من الحياة السياسية ويتم إشراكها في القرار السياسي. إن المساجد في نهاية المطاف تمثل المجال العمومي الوحيد في العديد من المدن وفي القرى.

​​اليوم يعيش أكثر من 12مليون مسلم في فرنسا. أي دور اجتماعي يتوجب أن يضطلعوا به في المستقبل؟

سعيدة أونيسي: إن الإمكانيات مختلفة. إن المسلم الفرنسي يمكنه أن يشرح للفرنسي الوضع والأحداث في بلد مسلم بشكل أفضل. كما أن الفرنسي الذي ولد في فرنسا يمكنه أن يشرح للجمهور المسلم السياسة الفرنسية. وعبر هذه الطريقة يمكننا أن نمد الجسور الثقافية والسياسية بين أوروبا والبلدان المسلمة. وفي النهاية، نحن جميعا ضحايا الإرهاب، سواء أكنا مسلمين أم لا.

وإذا ما كان الإرهاب يشرعن أعماله بأيديولوجيا إسلامية ـ أصولية، أفلن يكون أكثر نجاعة أن نشرك كل أولئك الناس في النقاش، والذين يعرفون خلفية هذه الإيديولوجيا ويستطيعون تحليل وتأويل مواقف وسلوكيات معينة؟

لكن هذا الصراع يتم فهمه وللأسف بشكل ثنائي، كحرب للمسلمين على غير المسلمين. وفي رأيي فإنه يتم استغلال المقاربة الدينية في عملية المكافحة الاستباقية للإرهاب لمصالح سياسية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.