الشاعرة التونسية نجاة العدواني

"أحب الحرية وأن تكون في بيتي شرفة وأكره الحدود والجدران"

في وطنها تونس تعتبر الشاعرة نجاة العدواني المولودة في عام 1956 في جنوب تونس مكافحة شجاعة من أجل حرية التعبير عن الرأي وحقوق المرأة. وسلاحها الأقوى هو: جمال اللغة وشعر لوحاتها. لكنها رغم ذلك مستهدفة، كما تقول، من قبل متشددين واضطرت إلى مغادرة تونس، وباتت تعيش الآن في برلين. الصحفية كلاوديا كراماتشيك التقتها في العاصمة الألمانية وأجرت معها لموقع قنطرة الحوار التالي.

السيدة نجاة العدواني، في ديوانك الجديد الصادر في ربيع عام 2015 باللغتين العربية والألمانية تحت عنوان "صحراء البحر" يرد ما معناه: "لدي عينا صقر، وأجنحة حمامة، وحنجرة من حديد". فلماذا حنجرة من حديد؟

نجاة العدواني: في حنجرتي يُعشِّش ألم جميع أولئك الذين أمنحهم صوتًا. ومن أجلهم يجب عليَّ أن أكون قوية مثل طائر - طائر بأجنحة قوية. فقط مَنْ هو قوي يستطيع الدفاع عن نفسه سلميًا ضدَّ عنف ووحشية الديكتاتوريات. ولذلك فإنَّ قصائدي تنطبق على جميع الذين يحتاجون الحرِّية ويحتاجون السلام والأمن.

في قصيدة أخرى تكتبين: "لأنَّ الله قد اصطفى الشعراء، في كلِّ درب نصب لهم جنبًا". فهل نصب جنبًا لك أنت أيضًا؟

نجاة العدواني: الله والشرطة هم شيءٌ واحدٌ: فكلاهما يريدان نصب فخ للكلمة الحقيقية - الكلمة الحرَّة، الكلمة التي تُعبِّر عما هو حقيقي. بيد أنَّني أدافع عن نفسي ضدَّ ذلك، ضدَّ أن أكون مُقَيَّدةً من قبل كلا السلطتين. فكلاهما يريدان حبسي، غير أنَّني أحتاج الفضاء المُتَّسع.

في كثير من قصائدك تُكرِّمين جَدَّتك، التي كانت أمازيغية. وهذا التنقُّل هنا وهناك هو جزء من ثقافة الأمازيغ. فإلى أي مدى تأثَّرَت قصائدك نفسها بالسفر والتجوال؟

نجاة العدواني: لقد بدأت الكتابة في وقت مبكِّر جدًا - في حديقة أمي، في بيت طفولتي الذي كان يقدِّم الكثير من الفضاء وكان فيه كلُّ ما كان يحتاجه المرء. ثم بدأت السفر مع كلماتي، حيث تكمن بدويةٌ في داخلي. ولهذا السبب فأنا على سفر باستمرار، حتى عندما أكون مقيمة في مكان ما. أنا أحبُّ الحرِّية - وأكره الحدود والجدران. ولذلك فأنا أحبُّ أن تكون في بيتي شرفة. وذلك لأنَّ من خلال الشرفة ينفتح أمامي ماضيَّ وكذلك مستقبلي.

Buchcover Najet Adouani: "Meer Wüste" im Verlag Lotos Werkstatt
"قصائدي تنطبق على جميع الذين يحتاجون الحرِّية ويحتاجون السلام والأمن" - صدرت الترجمة الألمانية لديوان شعر نجاة العدواني "صحراء البحر" عن دار نشر لوتوس فيركشتات، في عام 2015.

منذ عام 2012 تعيشين بعيدًا عن وطنك، محاطة بلغة أجنبية. فماذا يعني هذا بالنسبة لك ككاتبة؟

نجاة العدواني: حتى عندما كنت لا أزال في تونس، كنت في الغالب أقيم في مناطق أخرى. واضطررت إلى مغادرة بلدي في مطلع عام 1983 وعشت فترة طويلة خارج تونس. وكنت أعود مرات قليلة فقط من أجل رؤية والدتي، التي لا تزال تعيش هناك. ولكن على العموم فأنا لا أكتب لجمهور محدَّد، لا أكتب فقط للتونسيين ولا لجمهور عربي صرف، بل أنا أتوجَّه إلى كلِّ إنسان بعيدًا عن المكان والزمان.

بماذا تشعرين نظرًا إلى كارثة اللاجئين المستمرة في البحر الأبيض المتوسط؟

نجاة العدواني: الحياة البشرية هي في نظري أثمن شيء موجود في هذا العالم. ولذلك فأنا أجد أنَّه من الرهيب أن يتعيَّن علينا أن نشاهد كيف يغرق في كلِّ يوم شباب، يهربون من الديكتاتورية أو الجوع، أو لأنَّه لم يعد لديهم وطن. أنا لست مع الهجرة غير القانونية بل ضدَّها. غير أنَّني أيضًا ضدّ المزيد والمزيد من الحدود، وضدَّ الجدران ومعسكرات الاعتقال والقوانين، التي تسمح بإعادة هؤلاء الناس أو اعتقالهم.

وطالما بقيت تسود في بلدانهم ديكتاتوريات، وكذلك البطالة والفقر، فسوف يأتون. وهم يأتون لأنَّ هذا هو آخر ما بقي لهم. وهذه هي طريقهم للإقدام على الانتحار. وأنا شخصيًا لا يتوفَّر لديَّ أي حلّ جاهز، ولكنني أعرف شيئًا واحدًا فقط: أنَّنا لن نتمكَّن من إيقافهم.

أنت تقيمين الآن في برلين كضيفة على برنامج "كتَّاب في المنفى" التابع لنادي القلم الألماني PEN. من ناحية هذا يعني بالنسبة لك الأمان والسلامة، ولكن من ناحية أخرى من الممكن لمثل هذه التسمية - "كتَّاب في المنفى" - أن تكون أيضًا نوعًا من السجن ...

نجاة العدواني: أحيانًا لا يكون لدى المرء أي خيار. والوجود في المنفى أفضل من الوجود في السجن، حيث يمكن أن تحصل للناس أشياء رهيبة. وأنا لست في السجن. أنا موجودة في مدينة رائعة أحبها وقد بدأت تصبح جزءًا مني. وعندما أغادر هذه المدينة فإنَّني أشتاق لها وأفتقدها. لقد كسبت هنا بشكل تدريجي أصدقاء. وهنا ساعدني نادي القلم الألماني كثيرًا وساعد الآخرين الموجودين هنا، وذلك من خلال إتاحته المجال لنا من أجل إعادة بناء حياتنا: ليس فقط من أجل البقاء على قيد الحياة، بل من أجل العيش - والكتابة.

لو لم أكن هنا، فمن يدري ماذا كان سيصبح لي؟ ربما كان من الممكن أن ينتهي بي المطاف إلى السجن، مثل آخرين كثيرين أعرفهم. وحتى الآن فإنَّ كلَّ شيء معي على ما يرام - على الرغم من وحدتي وعلى الرغم من حقيقة أنَّني افتقد الكثيرين من الأشخاص - مثل أفراد أسرتي.

Bootsflüchtlinge aus Nordafrika vor der sizilianischen Küste; Foto: picture alliance/dpa/Italian Navy
معاناة إنسانية هائلة - "هؤلاء الشباب الذين يلقون بأنفسهم في البحر في هذه القوارب الصغيرة أعرفهم خير معرفة. أنا أعرف إحباطهم ويأسهم. أعرف كيف يقضون أيَّامهم، وكيف يطلبون من أمهاتهم القليل من المال، لكي يستطيعوا الذهاب إلى المقهى. هم يغادرون لأنَّهم لا يملكون أي شيء سوى حياتهم"، مثلما تقول نجاة العدواني.

حول ماذا تكتبن الآن هنا في برلين؟

نجاة العدواني: لكلِّ مكان عطره الخاص به. القصائد التي تنشأ في هذه اللحظة تحمل بالتالي رائحة هذه المدينة. لقد بدأت استخدام لغةً جديدةً وتقنيةً جديدةً واستعارات مجازيةً جديدةً - وقبل كلِّ شيء من لغة الحياة اليومية. ولغة الحياة اليومية هي لغة الجيل المعاصر. وما يصيب هذا الجيل وما يعاني منه، يجب علينا أن نكسوه بلغة جديدة. وربما سوف يصدم ذلك  قرَّائي ...

في قصائدك لا تلعب حقيقة اضطرارك إلى الهروب مرتين من وطنك إلاَّ دورًا هامشيًا فقط. يبدو لي أنَّه من الصعب على العموم إيصال الهروب إلى الأدب ...

نجاة العدواني: عندما اضطررت إلى مغادرة تونس للمرة الأولى في بداية عام 1983، غادرتها وأنا مُتَسرِّعة جدًا. لقد كنت حينها صغيرة جدًا وخائفة كثيرًا. لقد دفعتني الدتي إلى ذلك. قالت لي: أنا لا أريد رؤيتك تموتين أمام عيني. وكذلك في هذه المرة كان يجب أن يتم كلُّ شيء بسرعة كبيرة. وقبل ساعات قليلة من إقلاع طائرتي، كنت لا أزال أجلس على السرير. كنت كالمشلولة. لم أقم بتوديع أمي ولا حتى أبنائي. لقد قلت لهم إنَّني مسافرة في إجازة. وعندما أقلعت الطائرة، كان ذهني فارغًا. كلُّ شيء توقَّف في داخلي. لم يكن هناك سوى البرودة وفقدان الرؤية واللا شيء.

هؤلاء الشباب الذين يلقون بأنفسهم في البحر في هذه القوارب الصغيرة أعرفهم خير معرفة. أنا أعرف إحباطهم ويأسهم. أعرف كيف يقضون أيَّامهم، وكيف يطلبون من أمهاتهم القليل من المال، لكي يستطيعوا الذهاب إلى المقهى. هم يغادرون لأنَّهم لا يملكون أي شيء سوى حياتهم. ولكن حتى عندما يكتب المرء حول شيء مؤلم، فهو يقوم ببسط جناحيه. وأنا أحاول ذلك دائمًا. ومن أجل الآخرين، الذين لا صوت لهم، يجب عليَّ أن أكون حرَّة. لا يمكن لأي شيء أن يمنعني من بسط أجنحتي.

 

حاورتها: كلاوديا كراماتشيك

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.