"نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة"

يتحدَّث شحرور في هذا الباب من القراءة، عن مصداقيَّة الرسالة المحمّديَّة وخاتميّتها. ولبيان هذه الخاتميَّة وعالميّتها، بحث شحرور في مفاهيم الكينونة والسيرورة والصيرورة عند الكون والإنسان (كان/سار/صار). وخلص إلى أن التنزيل الحكيم كينونة في ذاته، وسيرورة وصيرورة لغيره، تتحرَّك مضامينه ومحتوياته مع تحرك السيرورة التاريخيَّة والصيرورة المعرفية.

على ضوء ذلك، حدَّد شحرور مفهوم السنَّة النبويَّة، واقترح أصولاً جديدة للفقه الإسلامي ولأدلَّة الاستنتاج، انطلاقاً من أن النبي (ص) قام بالصيرورة الإنسانيَّة الأولى للتنزيل.

وطبَّق محمد شحرور في هذا الكتاب ما وصل إليه من أصول، على فقه المرأة وآيات المواريث، فنتج لديه علم جديد للمواريث، يختلف عن السائد الآن في علم الفرائض. واتَّضح عنده أنَّ التنزيل الحكيم لم يسوّ في الإرث بين الذكر والأنثى كأفراد، بل سوّى بين الذكور والإناث كمجموعات. كذلك بحث الدكتور محمد شحرور في الوصيَّة والقوامة والتعدّديَّة ولباس المرأة.

 

 

"تجفيف منابع الإرهاب"

هناك مواضيع إضافيَّة تلعب دوراً أساسيّاً في صياغة قناعات العنف تحت عنوان الجهاد والقتال والشهادة. وهل هناك شيء اسمه عمليات استشهاديَّة؟ أم هي بدعة على الثقافة الإسلاميَّة؟ هذه المواضيع هي الولاء والبراء والرِّدّة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاصد الشريعة، التي تضمَّنها هذا الكتاب الذي حاول فيها محمد شحرور إلقاء الضوء على هذه المواضيع مجتمعة، لا كلٍّ على حدة.

من الاستنتاجات المثيرة للجدل للدكتور شحرور هو استعارة مصطلح "الشهيد" من المسيحيَّة، وكيف أصبح كل من يموت في الحرب شهيدًا، وفي القرآن (وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فالشهيد اسم من أسماء الله الحسنى. (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) هذه المصطلحات تم تفصيلها أيام كانت الدولة قويَّة وذات سلطة. في ذلك الوقت تمّ  قتل المرتد، وظهرت مصطلحات مثل:  زنديق، جهاد، الكفر، دار الكفر، دار الكفار، ودار الإسلام.. لكن الآن لا معنى لتلك المصطلحات.

 

اقرأ/ي أيضًا: المزيد من مقالات موقع قنطرة

التفسير الديني من صنع الإنسان وليس له حرمة مقدسة

السنة والشيعة: خلاف سياسي بامتياز؟

أمين معلوف يحذر من "غرق الحضارات" وتداعيات الفوضى القاتلة

شحرور: "الإسلام الحالي صناعة أموية عباسية والدين ليس أداة للإستبداد"

 

"القصص القرآني"

يستهلّ محمد شحرور مراجعته للقصص القرآني، بمقدّمة أساسيَّة تطرح فلسفة للتاريخ من خلال قراءة القصص القرآني بمنهجيّة علميَّة توظّف المعارف المستجدّة في مجال العلوم الأنثروبولوجيَّة والآثارية. ويصل إلى نتائج تنفي التناقض بين القرآن والعلم، مخرجاً القصص من إطار السرد التاريخي إلى آفاق إنسانيَّة ومعرفيَّة. ويفكّك المؤلِّف العقليَّة التراثيَّة التي تعاملت مع القصص، وينتقد اعتمادها على الأساطير البابليَّة والتوراتيَّة وتغييبها لمبدأ البحث والسير في الأرض كمنطلق رئيس في فهم التاريخ.

يتابع شحرور في القصص القرآني، السير على طريق النبوات ليرى كيف تراكمت علوم النبوَّة ومعارفها، وكيف اكتشف الإنسان النار ودفن الموتى، ثمّ كيف تعلّم على يد نوح اجتياز الحواجز المائيَّة، وعلى يد شعيب الوفاء بالكيل والميزان، وعلى يد يوسف ادّخار محاصيل مواسم الخير لأيام القحط.

ويتابع السير على طريق الرسالات ليرى كيف تنوّعت الشرائع وتطوّرت من شرائع حدّيَّة إلى شرائع حدوديَّة، مع ميل واضح إلى التسهيل والتخفيف؛ وكيف اختلفت الشعائر، من حيث الشكل، في صورتها التعبّديَّة. فالصوم كان صوماً عن الكلام مطلقاً، وصار صوماً عن الطعام والشراب وملامسة النساء واجتناب الكلام البذيء والفاحش، والصلاة كانت دعاءً وذكرا، ثم أخذت شكلاً شعائرياًّ قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً يشترط فيها الخشوع.

 

 

"السنَّة الرسوليَّة والسنَّة النبويَّة – رؤية جديدة"

يراجع شحرور شعارات "الإسلام الوسطي" و"الوسطيَّة" و"الإسلام هو الحل"، التي تبقى بنظره شعارات ضبابيَّة وعاطفيَّة، يعمد أصحابها إلى توظيف الدين والسنّة النبوية خاصَّةً بما يخدم أغراضهم وأهدافهم. بهذه الشعارات تقدّمت الحركات الإسلاميَّة إلى الأمام من خلال صناديق الاقتراع.

وهذا النجاح يضعها أمام مسؤوليَّات هائلة، فعليها أن تعلم أن كل فشل يصيب هذه الحركات سوف ينظر إليه أنه فشل للإسلام، وكما أنهم يعزون نجاحهم إلى الإسلام، فإنَّ معارضيهم سوف يعزون فشلهم إلى الإسلام أيضاً.

يقدّم الكتاب قراءة معاصرة للسنّة بشقّيها: الرسوليَّة والنبويَّة، بديلاً للمفهوم التراثي لها، الذي يفيد الاتباع والقدوة والأسوة والطاعة… ويفصّل المقامات المحمّديَّة الثلاثة: الرسول – النبي – الإنسان. كما يقرأ مفاهيم العصمة والمعجزات وعلم الغيب والشفاعة، ونقد مفهوم الشافعي للسنّة، وكذلك مفهوم عدالة الصحابة.

"الدين والسلطة – قراءة معاصرة للحاكميَّة"

يتناول الدكتور محمد شحرور جدليَّة العلاقة بين الدين والسلطة انطلاقاً من مفهوم الحاكميَّة، مستعرضاً مراحل تطوّر هذا المفهوم بدءاً من الكتب الفقهيَّة التراثيَّة، مروراً بالإسلام السياسي المعاصر، وصولاً إلى الحركات السلفيَّة الجهاديَّة.

ويقدّم شحرور مفهومه المعاصر للحاكميَّة الإلهيَّة التي يرى أنها تمثّل الميثاق العالمي، الذي يمكن من خلاله تحقيق السلام في العالم. والولاء له هو ولاء للقيم الإنسانيَّة، ويتجسَّد من خلال احترامه لهذه القيم وتمسّكه بها والدفاع عنها من منطلق قناعة شخصيَّة مبنيَّة على الانقياد الطوعي للحاكميَّة الإلهيَّة.

ويرى شحرور أن هذا الولاء الديني الإنساني هو الرادع لكل من تسوّل له نفسه ممارسة الطغيان على الناس لسلبهم حرّياتهم، وهو الذي يمكنه أن يحقّق السلام العالمي الذي يحثّ عليه الدين الإسلامي.

و يتابع شحرور في هذا الكتاب مشروعه النقدي التحديثي للفكر الإسلامي، مضيفاً لبنة جديدة إلى المنهج الذي يسعى من خلاله إلى إبراز عالميَّة وإنسانيَّة الإسلام بوصفه رسالةً رحمانيَّة، لا عقيدة طاغوتيَّة.

 

 

"أمُّ الكتاب وتفصيلها: قراءة معاصرة في الحاكميَّة الإنسانيَّة"

يتابع الدكتور محمد شحرور في قراءته المعاصرة للتنزيل الحكيم، وذلك من خلال تطبيق منهجه على موضوع المحكم والمتشابه، متتبّعاً المفاهيم التي تحملها هذه الآيات حول هذين المصطلحين، وما يرتبط بهما من مواضيع ذات علاقة كالتأويل والاجتهاد.

ويقدِّم المؤلّف دراسة معاصرة لعمليَّة الاجتهاد في نصوص التنزيل الحكيم، انطلاقاً من نسخ كل الاجتهادات الإنسانيَّة السابقة في تفصيل المحكم من هذه النصوص، وإعادة الاجتهاد فيه بروح معاصرة، بعيداً عن القراءة التراثيَّة الأحاديَّة الملزمة وراثيّا. تلك القراءة التي أوقفت التاريخ وصيرورته عند لحظة معيّنة، ما جعل الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة هشَّة ضعيفة يستحيل صمودها أمام ثقافات الدول الأخرى المتطوّرة إلا بممارسة العنف، من خلال قطع الرؤوس والرجم والجلد، لإثبات وجودها.

"دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم: المنهج والمصطلحات"

يشرح محمد شحرور أكثر من ثمانين مفردة قرآنيَّة في معناها الاصطلاحي كما استخدمها في مؤلّفاته السابقة التي تمثّل مشروعه المعرفي. وهو شرح اتَّسم بالدقَّة العلميَّة، وركَّز على الفارق في المعنى الذي أهّلها لأن تكون حاملةً لمنهجه.

هذا الكتاب هو دليل للقارئ هذا الكتاب هو دليل للقارئ إذا أشكل عليه فهم أيّ فكرة أو عبارة في مؤلّفات شحرور. فيه يحدِّد المؤلِّف منهجه على المستويّين اللغوي والفكري، ويعرّف النظام المعرفي الذي اتّبعه، والأوليَّات اللازمة لدراسة النصّ الديني.

"الإسلام والإنسان – من نتائج القراءة المعاصرة"

الفوضى الفكريَّة العارمة في قراءة الإسلام وتطبيقه، تستدعي وضع التراث جانباً والبدء من النصّ المؤسِّس للدين ألا وهو كتاب الله. يتناول هذا الكتاب الأسس الثابتة للإسلام، الإيمان، المواطنة، والولاء الديني، معتمداً قاعدة الترتيل منهجيَّة له. والترتيل في رأي شحرور هو نظم الموضوعات الواحدة الواردة في آيات مختلفة في نسق واحد. وكذلك مبدأ رفض الترادف في فهم نصوص كتاب الله، وتفسير نصوص الكتاب بعضها ببعض.

"من دولة الفتوى.. إلى دولة القانون"

يؤكِّد شحرور أنَّ الدين الإسلامي معتقد إنساني، لا يخضع للزمان (التاريخ) ولا للمكان (الجغرافيا)، أما الدولة فكيان مؤسّساتي تحكمه الحدود الجغرافيَّة المرسومة وحدود فترة تاريخيَّة ما كالدولة الرومانيَّة، والدولة العربيَّة، ولهذا فهي تحتاج إلى تشريعات ونواظم غير موجودة في كتاب الإسلام (التنزيل الحكيم)، وهذا ما مارسه الرسول الأعظم (ص) في المدينة المنوّرة كرئيس للدولة التي أسَّسها هناك، وهنا يتَّضح أمامنا معنى السنَّة النبويَّة في غير الشعائر، التي هي تشريعات لمجتمع المدينة المنوّرة، لدولة من القرن السابع الميلادي في شبه جزيرة العرب.

شغل هذا السؤال عقل محمد شحرور، لأنّ العقل العربي – كما يقول – يعيش ازدواجيَّة القانون والفتوى، حيث أن رجل القانون يقول رأيه في مسألة ما ورجل الدين قد يعطي رأيا مغايرا. هذه الازدواجيَّة وذلك التناقض، يعيشه أيضا المسلمون في أوروبا.

سعى محمد شحرور إلى تأسيس فقه إسلامي معاصر يقدِّم رؤية مغايرة لعمليَّة التشريع التي يجب أن تتماشى مع التطوّر المعرفي لأيّ مجتمع، على ألّا ننسى أنّ قراءتنا المعاصرة للتنزيل الحكيم ليست القراءة الأخيرة له، لأنّ القول بأنّها الأخيرة يوقعنا فيما وقع فيه السلف والسلفيُّون والآباء والآبائيّون، لأنّ من يدّعي فهم كتاب الله ككلّ من أوّله إلى آخره فهماً مطلقا، إنّما يدّعي شراكة الله في المعرفة.

 

عبدالله الجبور، باحث وكاتب، مدير ومؤسس مركز المواطنة في الأردن.
عبدالله الجبور، باحث وكاتب، مدير ومؤسس مركز المواطنة في الأردن، عضو هيئة تحرير مجلة التنويري، يبحث في قضايا فلسفة الدين والفكر العربيّ، بالإضافة إلى المواطنة والهوية لمجتمعاتٍ متغيّرة

ملاحظات نقديَّة على مشروع الدكتور محمد شحرور

كان الدكتور محمد شحرور يبتعد عن الإشادة به، ويفضِّل المشاركات النقديَّة له ولمشروعه، وكان يقوم بنشر تلك المشاركات النقديَّة ويهتم بها ويعتبرها تغذية راجعة لما توصَّل إليه، ولأن الكمال لله، لازم مشروع شحرور كمية كبيرة من رسائل النقد المتنوّعة التي تركَّزت على منهجه.

على سبيل المثال، دعا شحرور في ورقة أعدَّها عام 1999 بعنوان "مشروع ميثاق العمل الإسلامي" إلى أن الدين الإسلامي معتقد إنساني، لا يخضع للزمان (التاريخ) ولا للمكان (الجغرافيا) أمَّا الدولة فكيان مؤسَّساتي تحكمه الحدود الجغرافيَّة المرسومة وحدود فترة تاريخيَّة ما كالدولة الرومانيَّة، والدولة العربيَّة، ولهذا فهي تحتاج إلى تشريعات ونواظم غير موجودة في كتاب الإسلام (التنزيل الحكيم)، الأمر الذي يتناقض مع قوله بأنه "لا يوجد برلمان في العالم يشرِّع تشريعا خارج المصحف".

كما أن كتاب شحرور "تجفيف منابع الإرهاب" لم يعالج إشكاليَّة التطرّف الديني العنيف، وسلوك الجماعات الدينيَّة المسلَّحة، وكيفيَّة الوقاية من التطرّف، كما يؤخذ على مشروع القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، التقليل من أهمية الجهد المعرفي المبذول من قبل دعاة التجديد السابقين.

بالرغم من ذلك، نحن أمام إنسان باحث شجاع ومُلهَم لمجموعة كبيرة من الشباب المسلم، زرع بداخل عقولهم أسئلة نقديَّة تفكيكيَّة، حرَّرتهم من قيود تاريخيَّة موروثة، والأهم من ذلك شجَّعتهم أطروحاته على فتح مجال فلسفة الدين، والعودة إلى الغاية الأولى للدين الإسلامي وهي القراءة.

 

عبدالله الجبور

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

*عبدالله الجبور، باحث وكاتب، مدير ومؤسس مركز المواطنة في الأردن، عضو هيئة تحرير مجلة التنويري،  يبحث في قضايا فلسفة الدين والفكر العربيّ، بالإضافة إلى المواطنة والهوية لمجتمعاتٍ متغيّرة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة