المفكر الراحل محمد شحرور بريشة الفنان السوري عبد الرزاق شبلوط.
الشحرور ناقدًا للتفكير الديني المعاصر

إرث محمد شحرور....إعادة مركزيَّة رسالة الإسلام

على مدى نصف قرن من الزمن، أجرى مهندس ميكانيك التربة والأساسات، محمد شحرور، درسه المتواصل في ميكانيك وتربة وأساس ما سمَّاه "العقل الجمعي العربي"، ليوضح لماذا يعجز هذا العقل عن إنتاج المعرفة والفهم الديني المعاصر. عبدالله الجبور في عرض نقدي لأطروحات المفكر محمد شحرور.

ولد محمد شحرور في دمشق عام 1938، حصل فيها على تعليمه الابتدائي والثانوي، سافر إلى الاتِّحاد السوفياتي لدراسة الهندسة المدنيَّة، عيِّن معيداً في كليَّة الهندسة المدنيَّة – جامعة دمشق عام 1965، في هذه الأثناء عايش نكسة 1967 وردود الأفعال على الهزيمة، ليأخذ هذه الردود معه إلى جامعة دبلن بإيرلندا عام 1968 للحصول على شهادتي الماجستير عام 1969، والدكتوراه عام 1972 في الهندسة المدنيَّة.

ومن هناك بدأت رحلة واحد من أكثر مفكِّري التراث الإسلامي جدلاً في القرن الحادي والعشرين لغاية الآن، سعى من خلالها للبحث والتنقيب في تراث المسلمين الديني ومصادر معرفتهم، بهدف إعادة مركزيَّة رسالة الإسلام، التي وجدها حادت عن مسارها الطبيعي، محاولاً إعادتها إلى أصل المعرفة المتمثِّل بالنصّ المؤسِّس للدين الإسلامي.

من تجديد الفكر إلى تجديد التفكير الإسلامي

تبنَّى الدكتور محمد شحرور لمشروعه منهجيَّة مرنة يقوم من خلالها بتعديل النتائج التي توصَّل اليها، على سبيل المثال، غيّر كثيرا في كتابه فقه المرأة، تحديدًا فيما يتعلَّق بقراءة المواريث، باعثاً بذلك رسالة مفادها أنَّ النتائج الإنسانيَّة للتنزيل الحكيم متغيِّرة، والتنزيل ثابت، وتقوم منهجيّته التي أطلق عليها "القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم" على عقلنة النصّ المؤسِّس لدين الإسلام، انطلاقاً من الخاصّيتين التاليتين:

أ‌- الوحي لا يناقض العقل (Revelation doesn’t contradict reason).

ب‌- الوحي لا يناقض الواقع (Revelation doesn’t contradict reality).

يرى شحرور بأنَّ القرآن يؤكِّد النظريَّة المادّيَّة في المعرفة الإنسانيَّة التي يعبّر عنها مبدأ أنّ: العلم يتبع المعلوم وأنّ المعلومات تأتي من خارج الإنسان عن طريق الحواسّ والوحي (الإلهام) وغيرها. أمّا عندما يتبع المعلوم العلم فذلك من صفات الله فقط ولا يدخل في نطاق المعرفة الإنسانيَّة.

ويُعدّ التجريد الفكري لدى الإنسان هبة من الله وهبهُ إيّاها بنفخة الروح، ويُعبَّر عنها باللغة والرياضيّات المجرَّدة التي تأتي سابقة لعلم الفيزياء. وهذا يؤكِّد أنّ الله عزّ وجلّ خلق الوجود من العدم، والعدم هو وجود الدالّ بدون مدلول وهذا الأمر نجده في الرياضيّات المجرَّدة.

بالتالي، تقوم المعرفة الإنسانيَّة على مبدأ التقليم وهو تمييز الأشياء بعضها عن بعض (Identification)، ثمّ يتبعها التسطير وهو ضمّ الأشياء بعضها إلى بعض في نسق واحد وهو ما نسمّيه التصنيف (Classification). والفؤاد هو الإدراك المشخّص بالحواسّ وهو ردّ الفعل الغريزي لدى الإنسان وهو الذي يعطيه المادّة الأوليّة الخام للفكر والعقل.

العقل العربي يعيش ازدواجيَّة القانون والفتوى: دعا شحرور إلى فكرة عقلنة النص الإسلامي، وتأسيس مجتمع مدني تحكمه القوانين المدنية موضحا أن "أوروبا في تقدم مستمر لأن التدين فيها فردي ومبني على القيم الأخلاقية
العقل العربي يعيش ازدواجيَّة القانون والفتوى: دعا شحرور إلى فكرة عقلنة النص الإسلامي، وتأسيس مجتمع مدني تحكمه القوانين المدنية موضحا أن "أوروبا في تقدم مستمر لأن التدين فيها فردي ومبني على القيم الأخلاقية

 

ضرورة اختراق "الثوابت في المنظومة التراثيَّة"

وعليه، يعتقد شحرور أنَّ الثقافة الإسلاميَّة تعيد إنتاج نفسها إلى اليوم حتى في وسائل الاتّصال المعاصرة، لأنّ أيّ تجديد لا يُسمّى تجديداً إلّا إذا تمَّ فيه اختراق الأصول، بالتالي بدأ عمله باختراق الكثير ممّا يسميه "الثوابت في المنظومة التراثيَّة"، وخاصّة المتعلِّقة بالفقه وأصوله التي وضعها أناس عاشوا في القرون الهجريَّة الأولى وهي – برأيه – "لا تحمل أي قدسيَّة لأنّها تمثِّل المنظومة القانونيَّة للدولة التي نشأت في ظلّها، وبذلك فهي متجاوزة زمانيّاً ومعرفيّاً.

لهذا اقتنع شحرور بأنّه لن يتمكّن من تجديد الفقه والفكر الديني عامّة إذا لم يخترق هذه الثوابت المتجاوزة معرفيّاً، متبنيًا مقولة آينشتاين الشهيرة: "إنّ لمن الحماقة أن تعتقد أنك ستحصل على نتائج جديدة وأنت تكرِّر الشيء نفسه"، معتمدًا بذلك على "اللسانيّات الحديثة" والأرضيَّة المعرفيَّة المعاصرة، والتي بدأ بتطويرها وتطبيقها في كتبه العشرة المنشورة، ابتداءً من عام 1990 بالكتاب الأكثر جدلاً والذي شكَّل البداية الأولى للدكتور شحرور وهو "الكتاب والقرآن"، الذي تلته مجموعة من الكتب هي: "الدولة والمجتمع"، "الإسلام والإيمان"، "فقه المرأة"، "تجفيف منابع الإرهاب"، "القصص القرآني" بجزأيه الأول والثاني، "السنّة الرسوليَّة والسنّة النبويَّة"، "الدين والسلطة"، وأخيراً "أمّ الكتاب وتفصيلها".

فهذه الكتب تقدّم فكراً جديداً مؤسَّساً على منهج معرفي معاصر، وبالتالي فإنّ فهم ما جاء فيها من أفكار فهماً معمّقاً يحتاج إلى الاطلاع على المنهج الذي اعتمده الشحرور في الوصول إلى قراءتهِ المعاصرة.

ينقسم التاريخ الإنساني حسب التنزيل الحكيم عند شحرور إلى مرحلتين: المرحلة الأولى مرحلة الرسالات، التي انتهت برسالة محمّد (ص)، وهي الرسالة التي نُسخِت فيها الرسالات السابقة لها، والمرحلة الثانية مرحلة ما بعد الرسالات التي نعيشها نحن. وقد ختمت الرسالة المحمّدية التشريع الإلهي والنسخ الإلهي وبدأت بالتشريع الإنساني والنسخ الإنساني، ويؤكِّد شحرور بأن النبيّ (ص) مارس الحالتين معاً إذ كان عليه البلاغ في الرسالة، وفي الحالة الإنسانيَّة شرّع لمجتمعه في تفصيل المحكم وتنظيم الحلال.

يستنتج محمد شحرور بأن قراءتنا المعاصرة للرسالة المحمّدية التي وردت بين دفّتي المصحف جاءت من منطلق كونها خاتم الرسالات، فتمعنّا فيها بعيون وعقل عصر ما بعد الرسالات على أساس أنَّ الخطاب الإلهي الذي جاء فيها يستوعب كلّ المستويات الإنسانية، بحيث جاء مستوعباً لمستوى الأوّلين الذين قرأوه بعيونهم وبمستوى معارفهم، وجاء مستوعباً لمستوانا.

وبالتالي علينا أن نقرأه بعيوننا وبمستوى معارفنا، كما جاء مستوعباً لمستويات مَن بعدنا من الأجيال الذين يجب عليهم أن يقرأوه بعيونهم وبمختلف مستوياتهم المعرفيَّة، وهذا يؤكّد مصداقية الرسالة المحمّدية على أنّها رسالة إلهيَّة وأنّها الخاتم وصالحة لكلّ زمان ومكان، إذ لا يمكن أن تكون صلاحيتها إلى يوم الدين إلّا بهذه الصورة.

 

 

"الكتاب والقرآن -  قراءة معاصرة"

يقدِّم محمد شحرور في كتابه هذا المثير للجدل "الكتاب والقرآن" قراءة معاصرة، ونظرة جديدة للإسلام، تنطلق من خصائص اللسان العربي، ووقوفاً على الأرضيَّة الفلسفيَّة والمعرفيَّة للقرن العشرين.

وقد عرض فيه شحرور وجهة نظر جديدة إلى الوجود والمعرفة والتشريع والأخلاق والجمال والاقتصاد والتاريخ، استنتجها حصراً من آيات الذكر الحكيم، آخذاً بعين الاعتبار شموليَّة الإسلام، التي جاءت من حنيفيّته بالتشابه والحدود. لقد تبيَّن أن العمود الفقري للعقيدة الإسلاميَّة، هو قانون تغيُّر الصيرورة (التطوّر)، حيث تكمن عقيدة التوحيد، وقانون تغيُّر الأشياء.

وانطلاقاً من هذه النظرة، وضع الدكتور محمد شحرور تعريفاً للإسلام وفقاً للآية الكريمة (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَام)، وتوصَّل إلى وضع منهج جديد في أصول التشريع الإسلامي القائم على البيّنات المادِّيَّة، وإجماع أكثريَّة الناس، وأن حرّيَّة التعبير عن الرأي وحرّيَّة الاختيار، هما أساس الحياة الإنسانيَّة في الإسلام.

"الدولة والمجتمع"

بقراءة معاصرة للمجتمع والدولة، من وجهة نظر التنزيل الحكيم، يستعرض محمد شحرور نشوء الأسرة والأمَّة والقوميَّة والشعب، من الناحية التاريخيَّة، والفروق بينها. وحدَّد مفهوماً معاصراً للحريَّة والشورى، وصل به إلى أن الحريَّة والعلم توأمان، وأن التقنية أس العلم وجوهره تماماً.

كما شدد شحرور على أن الديمقراطيَّة أس الحرية وجوهرها. وأوضح، في قراءته لقوله تعالى "حتى يغيروا ما بأنفسهم"، أنّ داء العرب والمسلمين يكمن في الآبائيَّة والاستبداد. وشرح أنواع الاستبداد العقائديَّة والفكرية والاجتماعية والمعرفية والاقتصادية والسياسية، من خلال شرحه للظاهرة الفرعونيَّة والهامانيَّة والقارونيَّة، كما وردت في التنزيل الحكيم.

وعرض في بيانه لآثار الاستبداد على علوم القرآن والفقه والحديث واللغة، إلى الجهاد (العنف واللا عنف)، إلى القصاص والعقوبات شكلاً ومضموناً، ووصل انطلاقاً من صدق قوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إلى أن النسخ والإنشاء لا يكون في الرسالة الواحدة، بل بين الرسالات المتتابعة. كل ذلك في قالب علمي متين، يركِّز على صدق الخبر القرآني من جهة، وعلى الدلالات اللغويَّة للألفاظ والمعاني في التنزيل من جهةٍ أخرى.

"الإسلام والإيمان – منظومة القيم"

يذكّر شحرور في هذه المقارنة، بأن هناك دينا واحدا عند الله هو الإسلام، بدأ بنوح (ع)، وتنامى متطوّراً متراكماً على يد النذر والنبوّات والرسالات، إلى أن خُتم متكاملاً بالرسول الأعظم محمد (ص). والإسلام هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو منظومة المثل العليا، وهو العروة الوثقى، وهو الصراط المستقيم. الإسلام فطرة.. والإيمان تكليف. الإسلام يتقدَّم على الإيمان، إذ لا إيمان دون إسلام يسبقه يأتي قبله. المسلمون هم معظم أهل الأرض، وأمَّا المؤمنون فهم أتباع محمد (ص). فإبراهيم (ع) أبو المسلمين، ومحمد (ص) أبو المؤمنين.

من هذه الأسس ينطلق محمد شحرور في هذا الكتاب، لفهم الفرق بين تعاليم الإسلام وتكاليف الإيمان، بدلالة الفرق بين الكتاب والفريضة والموعظة، وما يترتَّب عليه فهم جديد لقوانين الإرث وأنصبته. ومن هذه القواعد، وبدلالة الفرق بين العباد والعبيد، ينتهي محمد شحرور إلى أنَّ التنزيل الحكيم لم يعترف بالرقّ إطلاقاً ولم يُجزه، وإن كان قد ذكره ذامّاً، كوضع قائم موجود. وإلى أن مُلك اليمين لا يعني الرقّ البتَّة، وإلى أن العلاقة بين الله والناس علاقة عبوديَّة حرة، وليست علاقة عبوديَّة استعباديَّة. ثم يخلص إلى أن العبادات تتجلَّى في كل حقول الحياة.

"العلاقة بين الله والناس علاقة عبوديَّة حرة، وليست علاقة عبوديَّة استعباديَّة"

 

 

ومن هذه المنطلقات يخلص شحرور إلى تعريف الكفر والشرك والإجرام والإلحاد. ويختم الدكتور محمد شحرور كتابه برأي في الإلام والسياسة، فيبيّن أن الإسلام، من حيث هو توحيد ومثل عليا إنسانيَّة، غير قابل للتسييس، وأنَّ محاولة البعض تسييس الإسلام، ومحاولة البعض الآخر أسلمة السياسة، أضاعت السياسة والإسلام معا.

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

الإسلام لا يحتاج مصلحاً دينياً مثل مارتن لوثر!

"القرآن كتاب هداية و ليس وثيقة تاريخية نتعامل معها بمنطق الأركيولوجيا"

الإصلاح الديني في الإسلام: الإسلام لا يحتاج مصلحاً دينياً مثل مارتن لوثر!

كيف كان وينبغي أن يكون "تجديد" الإسلام؟

من تحفيز الإصلاح إلى تقوية خصومه...الغرب والإصلاح الديني في الإسلام

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة