الصحفي الألماني إيرهاردت عن ردود الفعل العربية على هجمات باريس

"الأنظمة العربية شريك صعب للغرب في محاربة داعش"

ندد العالم العربي بهجمات باريس. لكن الصحفي الألماني كريستوف إيرهاردت يرى مع ذلك أن الدول العربية تعتبر في الواقع شريكاً صعبًا للغرب في المواجهة ضد تنطيم الدولة الإسلامية. وفي وجهة نظره التالية يقارن بين نظام الأسد والأنظمة العربية الأخرى في هذا السياق.

"نفس الإرهاب ونفس الدموع" - كان هذا هو العنوان الرئيسي يوم السبت 14 / 11 / 2015 في صحيفة "لوريان لو جور" اللبنانية الصادرة باللغة الفرنسية. وأسفل هذا العنوان كانت توجد صورة لامرأتين لبنانيتين تبكيان على ضحايا التفجيرين الانتحاريين في بيروت عشية يوم الخميس 12 / 11 / 2015 وصورة من العاصمة الفرنسية باريس المذهولة من الهجمات الإرهابية. وأوردت صحيفة "السفير" اللبنانية أنَّ هذا المشهد يبدو وكأنَّه من لبنان وسوريا أو حتى من العراق.

العديد من المعلقين العرب سارعوا في ربطهم الهجومين (في بيروت وباريس) - وكذلك تحطم الطائرة الروسية في شرم الشيخ - مع تنظيم "الدولة الإسلامية" والأزمة السورية. وعلى ما يبدو فإنَّ هذه الأزمة تمتد وبشكل متزايد إلى ما هو أبعد من دول الجوار.

إذ إنَّ الهجمات التي يتم تنفيذها تحت راية تنظيم "الدولة الإسلامية"، باتت تستهدف على ما يبدو وبشكل متزايد أهدافًا بعيدة خارج حدود خلافة تنظيم "الدولة الإسلامية" في بلاد الشام. وهذا يمثِّل تهديدًا جديدًا، فحتى الآن كانت قبل كلِّ شيء استراتيجية تنظيم القاعدة هي أن يرفع من مكانة العمل الجهادي من خلال القيام بهجمات إرهابية مذهلة.

ابتهاج وسرور بين الجهاديين الفرنسيين

لاحظ خبراء مكافحة الإرهاب في فرنسا يوم الجمعة ابتهاجًا وسرورًا بين الجهاديين الفرنسيين في سوريا، حيث احتفل هؤلاء الجهاديون على شبكة الإنترنت بهذه الهجمات الإرهابية. وذُكر أنَّه كان يوجد من بين إعلاناتهم العشوائية أيضًا دعوات إلى مواصلة عمليات القتل في باريس.

وفي صورة انتشرت عبر موقع تويتر يُشاهد جمهور في حفل موسيقي - وقد تم داخل هذه الصورة تركيب قنبلة يدوية مع هذا النص: "القنبلة سهلة التفجير ومثالية ضدَّ الكفار". وهذه الصورة تحمل دعوة تفيد بأنَّ الجهاد يجب ألاَّ ينحصر في سوريا فقط.

 Spurensicherung nach dem IS-Anschlag in Beirut; Foto: Getty Images/AFP
آثار الموت - شهدت العاصمة اللبنانية بيروت يوم الخميس 12 / 11 / 2015 هجومًا انتحاريًا مزدوجًا قُتل فيه أربعة وأربعون شخصًا. وقد أعلنت ميليشيات جهاديي تنظيم "الدولة الإسلامية" عن مسؤوليتها عن هذا الهجوم، الذي وقع في شارع تجاري مزدحم في حي برج البراجنة، وهو معقل من معاقل حزب الله الشيعي.

استغلَّ نظام الأسد في دمشق حمام الدم هذا الذي وقع في باريس، ليعرض نفسه مرة أخرى كشريك في محاربة الإرهاب الإسلاموي، الذي أشعله نظام الأسد بالذات في داخل بلده سوريا. ومثلما جاء عبر وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا فإنَّ السوريين يدركون أكثر من جميع الآخرين ماذا تعني المعاناة من إرهاب الجهاديين.

وكان الطاغية بشار الأسد قد أعلن يوم السبت لوفد من النوَّاب البرلمانيين الفرنسيين أنَّ الهجمات في باريس لا يمكن فصلها عما حدث في بيروت (حيث كان المستهدف من ذلك الهجوم في آخر المطاف هو حزب الله، أحد أهم حلفاء الأسد)، وعما يجري في سوريا منذ خمسة أعوام. وقال إنَّ "سياسة فرنسا الخاطئة" أدَّت إلى انتشار الإرهاب، وأضاف أنَّه يجب على الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند تغيير سياسته. وعقَّب بقوله إنَّه - أي بشار الأسد - قد حذَّر منذ ثلاثة أعوام من شيء كهذا.

قلق الدول العربية من حمّام الدم

ومن ناحية أخرى ظهر زعماء الدول العربية - وفي مقدِّمتهم المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والأردن والكويت - قلقين من حمّام الدم هذا وعازمين على محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". وفي بيان صادر عن الخارجية السعودية أكَّدت القيادة السعودية على "ضرورة تكاتف المجتمع الدولي ومضاعفة جهوده لاجتثاث هذه الآفة الخطيرة والهدَّامة، التي تستهدف الأمن والاستقرار في جميع أرجاء المعمورة".

وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إنَّ المملكة العربية السعودية دعت منذ فترة طويلة "لتكثيف الجهود الدولية وتوحيد الصفوف من أجل مكافحة الإرهاب بأي شكل كان". ونُقل عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قوله إنَّ "مثل هذه الأحداث الإرهابية لن تُضعف عزيمة الدول والشعوب المُحبة للسلام".

شيخ الأزهر: "الإرهاب وحشٌ مسعور" وعلى العالم أن يتَّحد لمواجهته

Ahmed al-Tayyeb; Foto: AFP
أحمد الطيب الإمام الأكبر والرئيس السابق لجامعة الأزهر الإسلامية في القاهرة وشيخ جامع الأزهر، الذي يُعدُّ من المؤسَّسات الرائدة في الإسلام السُّنِّي، استنكر هجمات باريس "البشعة". وفي افتتاح مؤتمر "رؤية الأئمة والدعاة لتجديد الخطاب الديني وتفكيك الفكر المتطرِّف" المنعقد يوم السبت 14 / 11 / 2015 في مدينة الأقصر المصرية، قال إنَّ هجمات باريس "عبثٌ منفلت من كلِّ قيود الدين ومبادئ الإنسانية الحضارية".

ولكن في الواقع تعتبر الأنظمة العربية شريكًا صعبًا في هذه المعركة. إذ إنَّ إسلام الدولة السعودية المُتَزَمِّت والمُصَدَّر إلى الخارج بجهود كبيرة يوفِّر مع تصوُّراته الأرض الخصبة للفكر الجهادي. وفي مصر تدفع يدُّ النظام الثقيلة الكثيرين من المصريين الشباب إلى أيدي دعاة الكراهية الجهاديين ومجنّدي تنظيم "الدولة الإسلامية".

ومن جانبه أدان الدكتور أحمد الطيب، وهو الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر الشريف الموالي للدولة، والذي يعتبر من أهم السلطات الدينية في العالم الإسلامي، هذه الهجمات الإرهابية وأكَّد على أنَّ الإسلام بريءٌ من الإرهاب. وفي المؤتمر المنعقد يوم السبت 14 / 11 / 2015 في مدينة الأقصر جنوب مصر تحت عنوان: "رؤية الأئمة والدعاة لتجديد الخطاب الديني وتفكيك الفكر المتطرِّف"، قال شيخ الأزهر إنَّ هجمات باريس "عبثٌ منفلت من كلِّ قيود الدين و(الضوابط) الإنسانية والحضارية". وأضاف: "آن الأوان ليتَّحد العالم كلُّه من أجل التصدِّي لهذا الوحش" المسعور.

ولكن الفكر المتطرِّف في الواقع ينتشر حتى في مهاجع نوم الطلبة في داخل مؤسَّسته التعليمية الدينية، مثلما كان ذلك معروفًا في هذه الأيَّام في القاهرة من الشباب الإسلاميين.

 

 

كريستوف إيرهاردت

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ 2015/ موقع قنطرة 2015 ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.