في الصورة: شروق الشمس على جزيرة هرمز في الخليج العربي / الفارسي. " ربما كان الصراع اللانهائي سِـمة من سمات الشرق الأوسط في الماضي؛ لكنه لم يعد مصير المنطقة الحتمي الآن". - كما يكتب الباحث فواز جرجس.
الصراع بلا نهاية لم يعد سمة شرق أوسطية حتمية بل من الماضي؟

هل تشرق شمس الشرق الأوسط من جديد؟

صار أغلب حكام الشرق الأوسط مدركين أن أمن النظام معتمد على تلبية حاجات السكان أكثر من اعتماده على التحريض الطائفي وكراهية الآخر وأصبح القادة الإقليميون مدركين بتزايد أنهم لن يكسبوا شيئا من صب الزيت على النار المستعرة. فهل نشهد بزوغ فجر شرق أوسطي جديد؟ تحليل الباحث فواز جرجس.

تُـرى ماذا نستقي من إعادة خلط العلاقات وتحول التحالفات في الشرق الأوسط؟ اكتسبت الدبلوماسية زخما بين أعداء لدودين؛ وظهرت صدوع بين أصدقاء مقربين. وتعكف قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية، وإيران، وتركيا، ومِـصر على إعادة ضبط سياساتها الخارجية واستعادة العلاقات مع جيران مُـبـعَـدين. كما جددت الولايات المتحدة وروسيا تنافسهما الإقليمي، ودخلت الصين كمنافس جديد.

الواقع أن هذه العوامل الجيوسياسية من الممكن أن تجعل الشرق الأوسط مسرحا لمنافسة شرسة وعالمية حقا. لكنها قد تعمل أيضا على نزع فتيل الخصومات الإقليمية، من خلال الجمع بين بلدان تاريخها عامر بالكراهية بين بعضها.

يتوقف الكثير على العوامل الرئيسية الكامنة وراء عمليات إعادة تنظيم الصفوف: تقلص تواجد أميركا على المستوى الإقليمي، وصعود الصين، والتأثير السلبي الذي تخلفه جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) على الاقتصادات الإقليمية الضعيفة بالفعل.

أوضح الرئيس الأميركي جو بايدن أن الشرق الأوسط ليس من أولويات السياسة الخارجية من منظور إدارته. وبينما عمل الرئيس السابق دونالد ترمب على بناء تحالف مناهض لإيران بقيادة المملكة العربية السعودية وإسرائيل، كان بايدن يسعى إلى النأي بنفسه عن المملكة العربية السعودية، وخاصة من خلال إنهاء دعم الولايات المتحدة للحرب في اليمن. واستأنفت إدارته العمل الدبلوماسي لإحياء الاتفاق النووي مع إيران المبرم في عام 2015، الذي انسحب منه ترمب الولايات المتحدة في عام 2018، كما عملت على إبقاء تركيا ومِـصر (اللتين كانتا من الدول التي فضلها ترمب في المنطقة) على مسافة.

 

انسحاب حلف شمال الأطلسي (الناتو) من أفغانستان في 2021. (photo: AFP/Getty Images)
هل يرسم العرب مسارهم بأنفسهم؟ أدى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في 15 / 08 / 2021 بما صاحبه من فوضى إلى تعزيز اعتقاد بين القادة العرب بأنهم بحاجة لرسم مسارهم بأنفسهم. ومع توقع نهج تميل فيه واشنطن إلى الوقوف على الحياد لانشغالها الآن بالتحدي الذي تمثله الصين، أصبحت أولويات القادة العرب تحفز خطواتهم وعلى رأسها كيفية إصلاح اقتصادهم الذي كبلته سنوات الصراع وجائحة كوفيد-19.

 

الولايات المتحدة تنسحب عسكريا والصين تتعزز اقتصاديا

ومع انسحاب الولايات المتحدة الكامل من أفغانستان في شهر أغسطس / آب 2021، أوضح بايدن أن الولايات المتحدة تنسحب من الحروب الباردة في المنطقة مع تحول محور اهتمامها باتجاه آسيا والصين. وفي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ينتشر على نطاق واسع اعتقاد مفاده أن أميركا لم تعد شريكا حقيقيا.

علاوة على ذلك، بينما تتراجع أميركا، تعمل الصين على جعل وجودها محسوسا في المنطقة. ففي مارس/آذار 2021، أبرمت اتفاقية رئيسية مع إيران، وعدت باستثمارات بقيمة 400 مليار دولار على مدار السنوات الخمس والعشرين القادمة مقابل شحنات ثابتة من النفط والغاز. وفي إطار جولة شملت المملكة العربية السعودية، وتركيا، وإيران، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وعمان في الشهر ذاته، أَكَّـدَ وزير الخارجية الصيني وانج يي التزام بلاده بأمن المنطقة واستقرارها. وفي تعليق لاذع موجه إلى الولايات المتحدة، قال إن الصين ستعارض التدخلات الأجنبية وستعمل كوسيط نزيه في حل النزاعات المستمرة في المنطقة.

كما أشار وانج إلى احتمال إبرام اتفاقية تجارة حرة صينية من شأنها أن تجلب عشرات المليارات من الدولارات في هيئة فرص استثمارية، من خلال ربط مبادرة الحزام والطريق الصينية بمشاريع التنمية المحلية. يتردد صدى هذا النوع من التجميل الاقتصادي على نطاق واسع في الشرق الأوسط، حيث كانت معدلات البطالة بين الشباب، ومستويات الفقر، وغير ذلك من المؤشرات الاقتصادية كئيبة قبل فترة طويلة من اندلاع الجائحة. على مدار الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، تسببت جائحة كوفيد-19 في تفاقم أزمات اجتماعية كانت حادة بالفعل في العديد من البلدان.

ليس من المستغرب في مثل هذه الظروف أن يسجل الحوار الإقليمي والدبلوماسية عودة قوية. يدرك أغلب الحكام الحاليين أن أمن النظام يعتمد على تلبية احتياجات السكان أكثر من اعتماده على التحريض الطائفي وكراهية "الآخر".

تطبيع دبلوماسي شرق أوسطي بعد قطيعة

 

تخطيط الصين إعادة إحياء طريق الحرير مروراً عبر العالم العربي - الصين في المنطقة العربية - هل يحل تأثير التنين الصيني في الشرق الأوسط محل النفوذ الأمريكي؟ China und die arabische Welt - die neue Seidenstraße
استثمارات صينية بالمليارات: تسعى الصين من خلال مشروع "الحزام والطريق" إلى توسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وقد قامت الصين "بشراكات استراتيجية شاملة" مع كل دول شرق أوسطية عديدة. وتردد أيضاً أن الاتفاق يشمل توسيع نطاق المساعدة العسكرية والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية. ومن خلال مبادرة الحزام والطريق، تعد الصين أيضاً أكبر مستثمر أجنبي في المنطقة، حيث تبني بنية تحتية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.

 

ومن ثَـمّ، عقدت المملكة العربية السعودية وإيران في شهر إبريل/نيسان 2021 محادثات سرية لمناقشة كيفية إنها الصراع في اليمن، حيث كان تحالف تقوده السعودية يخوض حربا ضد متمردين حوثيين تدعمهم إيران منذ مارس/آذار 2015.

كما تصالحت المملكة العربية السعودية مع قَـطَر (التي تحافظ على علاقات ودية مع إيران)، بعد أن قطعت الرياض جميع علاقاتها مع جارتها في يونيو/حزيران 2017. في بادرة تقارب قوية في إبريل/نيسان 2021، وجه الملك سلمان عاهل المملكة العربية السعودية الدعوة إلى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لزيارة بلاده.

كدليل إضافي على إعادة ترتيب الأوراق السياسية على نطاق أوسع، قام السعوديون أيضا بتطبيع العلاقات مع العراق (حليف إيراني)، فأنهوا بذلك ثلاثة عقود من القطيعة والعداء المتبادلين. وبعد سنوات من الصراع مع الرئيس السوري بشار الأسد (شريك آخر مقرب لإيران)، عَـقَـدَ مسؤولون سعوديون مؤخرا محادثات سرية مع نظراء سوريين في دمشق، مما أدى إلى خروج تقارير حول احتمال التوصل إلى اتفاق بشأن التطبيع الدبلوماسي.

إيران أيضا قد تكون على وشك تحسين العلاقات مع جيرانها، وخاصة الإمارات العربية المتحدة. وقيل إن وزير الخارجية يعتزم زيارة الإمارات العربية المتحدة قريبا، بعد عودته من جولة دبلوماسية تلطيفية عبر قطر، والعراق، والكويت، وعمان.

لكن إمكانية التقارب الإيراني السعودي هي الأكثر أهمية. على الرغم من خروج الرئيس الإيراني السابق المعتدل حسن روحاني فإن المتشدد الذي حل محله، إبراهيم رئيسي، يقول إنه لا يرى "أية عقبات" تحول دون إقامة علاقات دبلوماسية مع المملكة. الواقع أن استعادة العلاقات من شأنها أن تحد من الصراع الأهلي وحروب الوكالة في سوريا واليمن ــ حيث تختمر اثنتان من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم ــ وقد تجلب أيضا الاستقرار إلى بلدان منقسمة سياسيا ودينيا مثل العراق ولبنان.

 

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي.  (photo: AFP/Getty Images)
مؤشرات على قرب توصل السعودية وإيران إلى اتفاق لتطبيع علاقاتهما: تتزايد المؤشرات منذ أسابيع قبل 11 / 10 / 2021 على إحراز الغريمين الإقليميين السعودية وإيران تقدما على طريق تطبيع علاقتهما المقطوعة منذ أكثر من خمس سنوات وتخفيف حدة المواجهة بينهما في الشرق الأوسط، على ما أفاد دبلوماسي وخبراء 11 / 10 / 2021. وأجرى مسؤولون سعوديون وإيرانيون جولات من المباحثات خلال الأشهر السابقة في بغداد، وتحدّث الجانبان أخيرا بإيجابية عن هذه المحادثات التي أكّد وزير الخارجية السعودي أن جولة رابعة منها عقدت في نهاية أيلول/سبتمبر 2021. الرئيس الإيراني المتشدد، إبراهيم رئيسي، كان قال إنه لا يرى "أية عقبات" تحول دون إقامة علاقات دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية.

 

أخيرا، مثل المملكة العربية السعودية وإيران، انطلق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في حملة دبلوماسية لإصلاح علاقات بلاده المتوترة في المنطقة، وخاصة مع مِـصر والمملكة العربية السعودية. بعد أن كادت تتورط في قتال عنيف حول ليبيا العام 2020، تريد تركيا تحسين العلاقات الاقتصادية مع مِـصر والقوى الإقليمية والعالمية الأخرى.

الواقع أن عمليات إعادة التنظيم الإقليمية الأخيرة هذه يمكن تفسيرها من خلال تقييمات موازين القوى المتغيرة والمصالح المتقاربة. فقد أجبر تقلص وجود أميركا القوى الإقليمية على رعاية أمنها بنفسها من خلال إصلاح الأسوار. ويدرك القادة الإقليميون على نحو متزايد أنهم لن يكسبوا شيئا من صب الزيت على النار المستعرة، كما فعل ترمب. ومن خلال الدبلوماسية الدولية بقيادة أميركا، وأوروبا، والصين، وروسيا، واليابان، يصبح من الممكن أن يواصل الشرق الأوسط على مساره الحالي لخفض التصعيد.

تُرى هل من الممكن أن يتوسط المجتمع الدولي في التوصل إلى اتفاق من أجل بنية أمنية شاملة جديدة وشرق أوسط خال من الأسلحة النووية، أو على الأقل يدعم ويشجع الحوار الإقليمي ومحاولات إدارة الصراع الناشئة هناك؟ لم يعد من قبيل التمني أن نتخيل أمرا كهذا. ربما كان الصراع اللانهائي سِـمة من سمات الشرق الأوسط في الماضي؛ لكنه لم يعد مصير المنطقة الحتمي الآن.

 

 

فواز جرجس

ترجمة: مايسة كامل 

حقوق النشر: بروجيكت سنديكت 2021

 

 

ar.Qantara.de

فواز جرجس أكاديمي باحث في شؤون الشرق الأوسط ومؤلف كتب منها: "السياسة الأمريكية تجاه العرب: كيف تُصنع؟ ومن يصنعها؟" وَ "أوباما والشرق الأوسط نهاية العصر الأمريكي؟" وَ "النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى: دراسة في العلاقات العربية - العربية والعربية - الدولية" وَ "القاعدة: الصعود والأفول (تفكيك نظرية الحرب على الإرهاب)" و "داعش إلى أين؟ جهاديو ما بعد القاعدة" وَ "الشرق الأوسط الجديد - الاحتجاج والثورة والفوضى في الوطن العربي".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة