الصراع بين حكومة اليمن الشرعية والمجلس الانتقالي الانفصالي في عدن

هل من صراع إماراتي سعودي في اليمن؟

لن تُصيب أحداث عدن التحالف العربي بالتشظي، بل قد تفتح باباً لإعادة تعريف العلاقة بين الحليفين الرئيسيين. تحليل أحمد ناجي من مؤسسة كارنيغي البحثية.

تُعد مواجهات عدن العسكرية التي نشبت بين المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والحكومة الشرعية المدعومة سعوديًا، نُقطة تحول هامة في مسار الحرب اليمنية. وعلى الرغم من التباينات الكبيرة التي ظهرت في سياسات الإمارات والسعودية، حول القضية الجنوبية، قُبيل هذه الأحداث، وانعكست على الأرض كصراع دامٍ بين الأفرقاء المحليين المدعومين من الدولتين، إلا أن هذه الأحداث لن تفضي إلى افتراق سعودي إماراتي. بل على العكس، يبدو الأمر أشبه بخطوة مهمة توجّب حدوثها، لتصفير الكثير من المشاكل العالقة، وإعادة رسم حدود العلاقات والأدوار بين الدولتين، في ما يخص الملف اليمني وفقًا للمعطيات الجديدة، يمنيًا وإقليميًا. فما زالت الرياض وأبو ظبي، على حدٍّ سواء، يحتاج بعضهما بعضاً في هذه الحرب، ولن تستطيع دولة الانفراد بإدارة مناطق نفوذها، من دون الحاجة إلى الأخرى.

رفع ما يسمّى بالتحالف العربي بقيادة السعودية، منذ إطلاق عملياته العسكرية في آذار/مارس 2015، شعار استعادة الشرعية اليمنية من أيدي جماعة الحوثيين وقوات الرئيس اليمني السابق علي صالح، التي أسقطت صنعاء، واستولت على مقاليد الحكم في أيلول/سبتمبر 2014. كان هدف "محاربة الحوثيين" هو ما يجمع الدول المنضوية في هذا التحالف. سارت الأحداث في بداية هذه العمليات بشكل متسارع. ففي جنوب اليمن، استطاعت المقاومة المحلية بدعم من التحالف، السيطرة على مدينة عدن وما حولها من المناطق التي توغل فيها الحوثيون قبل اقتحامهم عدن. على جبهة أخرى، تمكنت قوات عسكرية شكّلها ودرّبها التحالف من إجبار الحوثيين على الانسحاب من مناطق واسعة في محافظة مأرب، إلى منطقة صرواح وجبال نهم القريبة من صنعاء.

إمارات الساحل ومملكة الصحراء

بيد أن الوتيرة المتسارعة للعمليات العسكرية تباطأت مع مرور الوقت. وقد ظهر خلالها الكثير من الخلافات بين الدول المتحالفة، خصوصًا بعد إقالة رئيس الوزراء السابق خالد بحاح، المدعوم إماراتيًا. وقد تقاسمت هذه الدول النفوذ في المناطق المحررة، إذ تمركزت الإمارات في مدن السواحل الجنوبية، ثم الغربية لاحقًا، بينما كثّفت السعودية تواجدها في المناطق الصحراوية، وتحديدًا في محافظة مأرب والمناطق المتاخمة لشريطها الحدودي. وفق استراتيجية التوزيع هذه، تولّت الإمارات تدريب وتمويل قوات عسكرية جنوبية، معظمها يطالب بالانفصال عن الشمال، فيما عمدت السعودية إلى العمل مع بعض الوحدات العسكرية في الجيش اليمني، التي حاربت الحوثيين ورفضت سيطرتهم قُبيل وبعد سقوط صنعاء. يُضاف إلى ذلك وجود مجموعات قبلية تنتمي إلى حزب الإصلاح، والبعض إلى حزب المؤتمر الشعبي العام من المعارضين للحوثيين.

بدت التباينات تطفو على السطح، عبر الخلافات المستمرة بين الكيانات المحلية المدعومة من الدولتين. فالإمارات لم تكن على وفاق مع فكرة الاستحواذ السعودي على القرارات داخل حكومة هادي، إذ أصبح صوت الشرعية لا يمثّل سوى المصلحة السعودية، بل صارت حكومة هادي تهديدًا حقيقيًا حين دخلت في صراع معلن مع الإمارات، وصل حد اتهام أبو ظبي باحتلال جزيرة سقطرى، مقرونًا بالمطالبة بخروجها من اليمن، وشكواها لمجلس الأمن. وهو ما اعتبرته الإمارات عداوة فجّة، من هادي وحكومته، وتجاهلًا صريحًا لدورها، وتهديدًا لمصالحها المرجوة من تواجدها في اليمن. ولكي تتجاوز العبء القانوني في العمل خارج أُطر الشرعية، لجأت أبو ظبي إلى استغلال المشروعية المجتمعية في الجنوب، مستفيدةً من مطالب المجتمع الجنوبي بالانفصال عن شمال اليمن.

اعتُبر تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في أيار/مايو 2017، وهو كيان يطالب باستقلال الجنوب، علامة فارقة في المسار المتباين لدول التحالف. فالمجلس الانتقالي المدعوم والممول إماراتيًا، صار القوة الضاربة لأبو ظبي في جنوب اليمن، وكياناً موازياً لمؤسسات الحكومة الشرعية العسكرية. ومع الدعم الاماراتي الكبير له، صار الكيان الأقوى على الأرض في مدن الساحل الجنوبي، إذ أصبحت المعسكرات التابعة والموالية له تضم قرابة 90 ألف جندي. وقد استفاد المجلس من الوضع الضعيف لحكومة هادي، التي بدت عاجزة عن إدارة الشؤون الداخلية للبلاد، فانتشرت النزاعات داخل كيانات الشرعية، وبات الفساد والمحسوبية يطبعان أداء مؤسسات الدولة.

القضية الجنوبية بريد الحلفاء

تعود جذور القضية الجنوبية إلى السنوات الأولى التي تلت قيام دولة الوحدة بين شطري اليمن. فالموقّعين على اتفاق الوحدة في أيار/مايو 1990 انخرطوا في حرب أهلية بعد أربع سنوات فقط من اتفاقهم. وانتهت الحرب بانتصار معسكر الوحدة على المطالبين بالانفصال. لكن لأسباب عدة، أهمها الإقصاء وضعف الإدارة العامة لمؤسسات الدولة، برزت القضية الجنوبية إلى الواجهة في العام 2007 من خلال المسيرات والاحتجاجات التي تطالب بالانفصال، والتي زادت وتيرتها لاحقًا، مع دخول البلاد في محطات تاريخية مختلفة، سواء انتفاضة العام 2011، أو مؤتمر الحوار الوطني في العام 2013، أو لاحقاً المواجهات مع الحوثيين في العام 2015.

 


دعوة يمنية لطرد الإمارات: دعا رئيس اليمن المعترف به دوليا عبد ربه منصور هادي الخميس (29 / 08 / 2019) السعودية للتدخل لوقف تدخل الإمارات ودعمها للانفصاليين ووقف غاراتها الجوية ضد القوات الحكومية. واتهم الإمارات باستغلال ظروف اليمن لتسليط الانفصاليين ضد مؤسسات الدولة وأكد أنه لا يمكن أن تكون الحاجة لـِ"الأشقاء" في معركة العرب ضد إيران، في إشارة للإمارات، مدخلا لتقسيم اليمن أو التفريط بشبر من أرضه. وأشار في بيان بثته قناة اليمن الفضائية الرسمية إلى أن "المليشيات المتمردة" (المجلس الانتقالي) هاجمت مؤسسات الدولة ومعسكراتها بالعاصمة المؤقتة عدن بدعم وتمويل وتخطيط إماراتي. ولفت هادي إلى أن طيران الإمارات نفذ غارات جوية في "اعتداء سافِر" ضد المواطنين وأفراد الجيش وسط أحياء مأهولة بالسكان بعدن مما دفع قواته "للانسحاب إلى محيط محافظة عدن لتجنيب عدن وأهلها الأحرار المسالمين الدمار الجنوني الذي قامت به مليشيات الانتقالي مدعومة بطائرات الإمارات". ودعا هادي جنود اليمن وقبائله إلى أن "تدافع عن تراب وطنها وشرعيته ونظامه الجمهوري بكل المحافظات لاستعادة العاصمة المؤقتة عدن وبسط نفوذ الدولة فيها".

 

على صعيد متّصل، تعدّدت الحركات الجنوبية المطالبة بالانفصال، وانخرطت فيها شخصيات بارزة من القيادات الحكومية في دولة جنوب ما قبل الوحدة. وعلى الرغم من تبني هدف الكيان الجنوبي المستقل لدى معظم هذه الحركات، إلا أن النزاعات السياسية بينها بدت واضحة للعيان، وأصبحت للكثير من هذه الأطراف ارتباطات متعددة سواء مع الأطراف المحلية، أو الدول الإقليمية. غير أن وجود الإمارات في الجنوب شكّل رافعة إقليمية جيّدة للمجلس الانتقالي، الذي بات الصوت الأبرز من بين كل الكيانات، على الرغم من حداثة نشوئه. في المقابل، بدا الأمر وكأن الإمارات وجدت ضالّتها في الحصول على قضية ذات شعبية، وشريك محلي يمكن الاعتماد عليه لتنفيذ أجندتها. هذا التخادم جعل من علاقة المجلس الانتقالي بالإمارات علاقة وثيقة. وتولّت الأحزمة الأمنية وقوات النخب العسكرية التي تتبع المجلس الانتقالي ويشرف عليها ضباط إماراتيون، مهمة تنفيذ سياسات الإمارات في عدن، وسائر مناطق الجنوب.

في كانون الثاني/يناير من العام الماضي 2018، اندلعت اشتباكات شرسة بين قوات المجلس الانتقالي وألوية الحراسة الرئاسية، وهي قوات جنوبية أسّسها الرئيس هادي منذ العام 2012، ويقودها نجله. راح ضحية تلك الاشتباكات العشرات من الطرفين، ولم تتوقف إلا عبر تدخل السعودية والإمارات، ومطالبة الطرفين بالعودة إلى الثكنات. بدت تلك الاشتباكات مؤشّراً واضحاً على عمق الخلافات بين الكيانات المحلية من جهة، واختلاف استراتيجيات السعودية والإمارات في حربهما في اليمن من جهة أخرى. بعدها، دخلت الأوضاع مرحلة من المناورة بين الطرفين، اتسمت بالاتهامات المتبادلة، وتطورت إلى توترات في شبوة وسقطرى، وبمستوى أقل في مناطق أخرى في الجنوب، بين من تدعمهم أبو ظبي، وبين الموالين للرئيس هادي المدعوم من الرياض.

في نيسان/أبريل 2018، شجعت السعودية الرئيس هادي المتحدّر من محافظة أبين الجنوبية، على تأسيس كيان جنوبي موازٍ للمجلس الانتقالي، فكان الائتلاف الوطني الجنوبي برئاسة أحمد العيسي. بدا تشكيل الائتلاف وكأنه رسالة موجّهة إلى أطراف عدة، مفادها أن القضية الجنوبية لا يمثلها المجلس الانتقالي وحسب، بل ثمة الكثير من الجنوبيين ممن يُعارضون قياداته، ويحملون رؤية سياسية مختلفة. لقد كان ملفتًا كيف أن القيادات التي تصدّرت الائتلاف تتقاسم الخصام التاريخي المناطقي مع بعض قيادات المجلس الانتقالي. هذا الخصام مرتبط بالصدامات العنيفة في جنوب اليمن في حقبة الثمانينيات، أو ما بات يعرف بأحداث 13 كانون الثاني/يناير 1986. وبدت ألوية الحراسة الرئاسية تتواجد في عدن كقوة مناوئة للقوات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي. تتحكم أبو ظبي والرياض بالقرارات الرئيسة للقوتين، مع هوامش حركة مسموح بها للقادة المحليين في هذه الكيانات العسكرية.

وفي إطار صراع النفوذ بين الدولتين، حاولت الإمارات عرقلة انعقاد جلسات مجلس النواب اليمني في المناطق التي تسيطر عليها، في وقت ترى الرياض أن ديمومة عمل البرلمان مهمة للغاية للحفاظ على ورقة الشرعية، والحجة الأساسية للتدخل في اليمن، ولاسيما إذا واصلت صحة الرئيس هادي تدهورها. في المقابل، ترى أبو ظبي أن خطوة كهذه تكرّس استبعاد وكلائها المحليين، كونهم غير ممثلين في المجلس. من جانب آخر، ترى الخطوة ضمنيًا دعمًا لخصمها اللدود في اليمن، حزب الإصلاح الذي يمتلك أكثر من 40 مقعداً من أصل 301. وفي الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، التي انعقدت في مدينة سيئون، كان حوالي ثلث الأعضاء الحاضرين في مجلس النواب من حزب الإصلاح.

تحولات في مسار حرج

تراكمت الخلافات بين الطرفين، وصار التعبير عنها إعلاميًا يزداد مع مرور الوقت. وبدا تحالف محاربة الحوثيين منقسماً على ذاته. ففي المعارك الأخيرة التي خاضها التحالف ضد الحوثيين، كانت القوات العسكرية التابعة له غير موحدة، إذ ثمة فريقان: قوات تحارب تحت قيادة السعودية، وأخرى تحت إمرة الإمارات. وقد ظهر ذلك جليًا في معارك الساحل الغربي، ومعركة الضالع، رغم أن كلتا المعركتين ضد الحوثيين. كشفت الأحداث التي شهدتها سنوات الحرب الأربع الماضية عن نزاع بارد بين أبو ظبي والرياض من جهة، وصراع ملتهب بين أفرقائهما على الأرض من جهة أخرى. تجدر الإشارة هنا إلى نمط العلاقة التي تجمع كل طرف بحليفه الإقليمي. فالإمارات بمعية قواتها على الأرض، تظهر كطرف صلب، فيما تظهر علاقة حكومة هادي مع السعودية بصورة رخوة. وهذه ربما محاولة من السعودية لأن تلعب دور التوفيق بين الأطراف جميعها، كونها هي من تقود التحالف. لكنها في الوقت ذاته، كانت تعطي الضوء الأخضر لقيادات الشرعية للحديث عن تجاوزات الإمارات غير المقبولة سعوديًا، علمًا بأن بعض هؤلاء المسؤولين يقيم في السعودية.

 

 
 

انعكست الأحداث في منطقة الخليج على ملف الحرب في اليمن. ومع تصاعد الهجمات الحوثية ضد السعودية ووصول طيرانها المسيّر إلى العمق السعودي، كمناطقة أبها، وينبع، ومؤخرًا الدمام. ازدادت مخاوف أبو ظبي، التي وجدت نفسها في موقف خطر. فالهجمات الحوثية المحتملة وإن لم تصب، ستخلق حالة من الذعر في الداخل الإماراتي، خصوصًا بعد أن أعلن الحوثيون تطوير مدى وصول طائراتهم المسيرة إلى 2000 كيلومتر. ترافق هذا الأمر مع التباينات الواضحة بينها وبين السعودية، وخلافها الحاد مع الشرعية. هذه الأسباب دفعتها إلى استئناف تواصلها مع إيران، كما بدا جلياً في زيارة مسؤولين إماراتيين إلى طهران في 30 تموز/يوليو الماضي 2019.

في الداخل اليمني، وبحسب مصادر مقرّبة من حركة الحوثيين، أبرمت الإمارات تفاهمات مع الحركة تقضي بوقف التصعيدات العسكرية ضد الحوثيين في منطقة الساحل الغربي، مقابل ألا يستهدف الحوثيون الأراضي الإماراتية. هذا الأمر يفسر ضغط الإمارات على دمج جميع الألوية العسكرية في منطقة الساحل الغربي، ووضعها تحت قيادة مشتركة تتحكم الإمارات بشؤونها. لعل هذه الأسباب هي ما دفع الإمارات في الشهر الماضي إلى نشر تسريبات تتحدث عن خفض وإعادة تموضع قواتها في اليمن، وتبنّي ما سمّته بـ"استراتيجية السلام أولاً".

حاول مسؤولون سعوديون ثني الإمارات عن هذا القرار، لكن جهودهم لم تفلح. فقد بدت خطوة الإمارات كرسالة احتجاجية موجّهة إلى العديد من الأطراف، أبرزها السعودية والحكومة الشرعية، تكشف عدم قبولها بنمط إدارة التحالف في اليمن. لكنها لوّحت في الوقت نفسه بأنها لن تترك حلفاءها المحليين. وقد ظهر هذا الأمر كما لو أنها تريد التحرر من قيود التحالف التي تكبّلها، بهدف تبني موقف مستقل يتيح لها إعادة ترتيب قائمة الشركاء والخصوم في اليمن. في المقابل، بدت السعودية في موقف حرج للغاية، محليًا وإقليميًا. فبعد مغادرة قطر التحالف في حزيران/يونيو 2017، على إثر الأزمة الخليجية، وتصاعد الانتقادات الدولية ضد حلفها، قرر آخر حلفائها الفعليين في حربها في اليمن تركها وحيدة بعد مرور قرابة 55 شهرًا من الحرب.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.