بدت السعودية وكأنها فرّطت في الحليف الأخير والأهم، من خلال سلوكها وسلوك الحكومة التي تدعمها. فقد دفعت الرياض، في محاولة لاسترضاء الإمارات، مسؤولين يمنيين من الشرعية إلى زيارة أبو ظبي، من ضمنهم رئيس الوزراء معين عبد الملك، ورئيس مجلس النواب سلطان البركاني. لكن هذه الخطوة بدت بلا فائدة. في المقابل، زادت حدة مطالبة المجلس الانتقالي بطرد الشرعية من الجنوب، محتجًا على استبعاده من مشاورات السلام التي يقودها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث. كما عززت أبو ظبي تواجد القوات الموالية لها في مناطق مختلفة في الجنوب، من ضمنها عدن، وشبوة، وجزيرة سقطرى. وهذه رسالة واضحة مفادها أن الكيانات المحلية الموالية للإمارات لن تقبل بوجود شرعية معادية لأبو ظبي. دوليًا، ظهرت الإمارات كما لو أنها تنصّلت من تبعات الحرب في اليمن، وجيّرت كل الانتهاكات لحساب شريكتها. هذه التطورات أربكت السعودية، وجعلتها تبحث عن وسيلة لإعادة الإمارات إلى خندق التحالف.

هزيمة الشرعية في عدن كثمن للعودة

على الرغم من التوترات المستمرة بين ألوية الحراسة الرئاسية وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، ومظاهر الحشد المستمر التي كانت تُنبئ بانفجار الأوضاع في أي لحظة، إلا أن حادثة معسكر الجلاء في عدن ساهمت بشكل كبير في تطور الأحداث. ففي الأول من شهر آب/أغسطس الحالي 2019، تبنّى الحوثيون إطلاق صاروخ بالستي خلال عرض عسكري، في معسكر الجلاء. أدى الحادث إلى مقتل حوالى 30 جندياً، من بينهم القيادي الأبرز في الحزام الأمني، والمسؤول عن تأمين المناطق المحيطة للقاعدة الإماراتية في عدن، العميد منير اليافعي الملقب بـ"أبو اليمامة". دفعت هذه الحادثة "الانتقالي" إلى تصعيد غير مسبوق ضد الشرعية، ورفع مطالب الانفصال. وترافق ذلك مع حملة طرد وتهجير عشوائي للمئات من المواطنين المتحدّرين من المناطق الشمالية، واتهامهم بتقديم معلومات للحوثيين عن القادة الجنوبيين.

تطورت الأحداث بشكل متسارع في عدن. وفي الوقت الذي كان رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي في أبو ظبي، أعلن نائبه هاني بن بريك النفير العام والزحف إلى القصر الرئاسي في عدن. فاندلعت على إثره اشتباكات واسعة في مختلف مديريات مدينة عدن بين قواته وقوات الحرس الرئاسي. وقد اتهمت الحكومة اليمنية دولة الإمارات بتنفيذ انقلاب عسكري في الجنوب شبيه بالانقلاب الحوثي الذي بمبرّر محاربته تدخّل التحالف. ورفع المجلس الانتقالي شعار تطهير الجنوب من "الشرعية" التي يتهمها بالولاء والخضوع لحزب الإصلاح، في إشارة إلى المسؤولين الحكوميين المحسوبين على الحزب. وفي اليوم الرابع من المواجهات، تدخلت السعودية وسحبت وزير الداخلية اليمني، أحمد الميسري، الذي كان يقود المواجهات ضد المجلس الانتقالي، ما أدى إلى سيطرة الأخير على القصر الرئاسي في عدن. في حديثه قُبيل مغادرته إلى الرياض، أقرّ الميسري بالهزيمة، واشتكى من خذلان السعودية، وبارك للإمارات نجاح ما سمّاه "الانقلاب العسكري في الجنوب".

 

علي محسن الأحمر نائب الرئيس اليمني ورئيس أركان الجيش الوطني
غارات إماراتية قتلت عشرات الجنود اليمنيين الحكوميين: استعادت قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا الأربعاء 28 / 08 / 2019 السيطرة على محافظة أبين جنوب اليمن بعد نحو أسبوع من سيطرة الانفصاليين عليها. وفي الأسبوع السابق سيطرت القوات الحكومية على مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة. وكان الانفصالون سيطروا في 10 / 08 / 2019 على عدن عاصمة اليمن المؤقتة إثر اشتباكات مع القوات الحكومية قتل وأصيب فيها عشرات. ثم سيطرت عليها القوات الحكومية. ثم اتهمت الحكومة اليمنية الإمارات بشن غارات على قواتها في عدن أدت إلى استعادة الانفصاليين السيطرة على عدن بعد يوم من خسارتهم لها. ورفضت حكومة اليمن الجمعة 30 / 08 / 2019 ما وصفته بـ"التبريرات الزائفة" بعد إعلان الإمارات شنها غارات جوية في عدن ضد "ميليشيات إرهابية". وقالت إن "محاولة الإمارات إلصاق الإرهاب بقوات الجيش الوطني هي مجرد محاولة بائسة للتغطية على استهدافها السافر وغير القانوني لأبطال الجيش الوطني". وتصنّف الإمارات "الإخوان المسلمين" (ولهم وجود في الجيش اليمني الحكومي) على أنها "جماعة إرهابية" وتعمل على الحد من نفوذهم في اليمن وخصوصا بالمناطق الجنوبية.

 

على الرغم من الهزيمة التي مُنيت بها الحكومة الشرعية، والتي حوّلتها إلى كيان بلا عاصمة، ظهر الأمر وكأن الرياض متواطئة مع ما حصل للقوات التابعة للشرعية. فالرياض بدت وكأنها تراجعت خطوةً إلى الخلف بغية استرضاء أبو ظبي، وإعادتها إلى العمل في إطار التحالف. كانت هذه السياسة واضحة من خلال عدم التدخل لمساعدة ألوية الحراسة الرئاسية، والاكتفاء بسحب الضباط الموالين لها في اللحظات الأخيرة للمواجهات، كما عكس ذلك بيانها الصادر عقب الأحداث، الذي طالب الجميع بالعمل على حل الخلافات عبر الحوار. في المقابل، لاقت أحداث عدن ارتياحاً كبيراً لدى الامارات، التي ظهرت وكأنها استطاعت أن تتخلّص من وجود عسكري كان يهدّد مصالحها في الجنوب. وفور إكماله السيطرة على عدن، والاستيلاء على معسكرات الشرعية، طرأ تغيير في خطاب "المجلس الانتقالي": من إعلان الانفصال، إلى التمسك بالمسار السياسي والالتزام بشرعية الرئيس هادي والوقوف إلى جانب التحالف.

بدت أحداث عدن كهدية قدمتها الرياض إلى أبو ظبي، نظير العودة إلى التحالف. فقد أدركت السعودية أن موقف الإمارات بتبني استراتيجية مغايرة كليًا لاستراتيجيتها، سيعقّد مهمة إدارتها للشأن اليمني، ويزيد من الضغوط الإقليمية والدولية ضدها. كما أن المعسكرات الجنوبية التي أنشأتها الإمارات لن تمتثل إلى سياسة السعودية، بل ستعمل على تقويضها، وستبقى موالية بشكل كامل للإمارات، ما سيجعل الرياض في مواجهة مفتوحة مع مقاتلي المجلس الانتقالي في الجنوب، بالإضافة إلى مقاتلي الحوثي في الشمال. من زاوية أخرى، بدت السعودية مقتنعة بفكرة إعادة النظر في الحكومة الشرعية، وتحديداً إزاحة بعض القيادات التي دخلت في صراع مع الإمارات، ووجّهت انتقادات مباشرة وغير مباشرة للسعودية أيضًا.

من شأن السماح للمجلس الانتقالي بالسيطرة على عدن أن يحسّن علاقة المجلس الانتقالي بالسعودية، ويتيح للأخيرة تمرير المطالبات بإقالة بعض القياديين المحسوبين على حزب الإصلاح، والموجودين في الحكومة الشرعية، والذين تتهمهم الإمارات بالولاء لقطر. فمنذ خروج قطر من التحالف واتخاذها موقفاً معادياً للدولتين في حربهما في اليمن، عمدت الإمارات إلى المطالبة بإقالة قيادات حزب الإصلاح، على الرغم من موقف الأخير الناقد لتوجه قطر. ومع محاولات السعودية لملمة حزب المؤتمر الشعبي العام حاليًا، فإنها ستسعى إلى استبدال العديد من الشخصيات المنتمية للإصلاح بشخصيات من حزب المؤتمر، تحظى بقدر من القبول لدى الإمارات.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من الانتقادات غير المباشرة التي وجهها بعض المسؤولين السعوديين للإمارات بسبب تقاربها مع إيران، ربما تُفضي إعادة ترتيب العلاقات بين الرياض وأبو ظبي إلى استثمار سعودي في هذا التقارب. وقد يساعد هذا التقارب أيضاً في تحقيق تسوية سياسية، وإنجاح الاتصالات السعودية غير المعلنة مع الحوثيين الذين ما زالوا يسيطرون على معظم مناطق الشمال اليمني، بما يضمن تأمين الحدود اليمنية السعودية. في الشق الآخر من الحدود اليمنية، وتحديدًا في محافظة المهرة الواقعة تحت سيطرة السعودية، ستضمن الرياض عدم نشوء معارضة من الكيانات الجنوبية التابعة للإمارات ضد سياسات السعودية في هذه المحافظة الحدودية.

بالنسبة إلى الإمارات، فقد كانت زيارة الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، للسعودية، بعد الأحداث التي شهدتها عدن، ولقاؤه الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، مؤشراً على رضى الإمارات عن الموقف السعودي تجاه "الحركة التصحيحية" في عدن، التي قد تسهم في إعادة حيوية التحالف. في المقابل، لا تريد الإمارات سوى ضمان سيطرتها على الأرض، بما يحقق مصالحها الاقتصادية في مرافئ الجنوب، وخطوط الملاحة البحرية بالقرب من مضيق باب المندب، مع حرصها على الحضور الاسمي للشرعية كونها الكيان المعترف به دوليًا. كما لن يتحقق إعلان الاستقلال في الجنوب بسهولة، فهي عملية تبدو معقّدة، أقلّه من الناحية الفنية والقانونية. وتبدو الصيغة الحالية التي ظهرت بها الإمارات والكيانات التابعة لها جيدة من الناحية العملية. فليس هناك مسؤولية في تقديم الخدمات العامة، كونها من اختصاص الحكومة الشرعية، لكن لا صوت يعلو فوق صوتها إن أرادت تمرير أي سياسة في هذه المناطق.

يتوافق ما حصل مع رغبة العديد من القوى الدولية، التي تتبنّى محاربة التنظيمات الإرهابية في اليمن، سواء تنظيم القاعدة أو داعش. ومن شأن تبنّي الرياض وأبو ظبي استراتيجية مشتركة في محاربة هذه التنظيمات، أن يفضي إلى نتائج على الأرض، تضمن إضعافها وعدم تمدّدها. وتجدر الإشارة إلى أن الفترة الأخيرة أظهرت تنافسًا واضحًا بين كلا الدولتين في الحديث عن مكافحة هذه التنظيمات في اليمن، للظهور أمام الأطراف الدولية على أنهما يمكن الاعتماد عليهما.

 

 

خاتمة

يدرك محمد بن سلمان أنه لا تزال في جعبة محمد بن زايد الكثير من الأوراق التي يحتاجها، سواء يمنيًا، أو إقليميًا، أو دوليًا، وأنه لا بد من التمسك بالشراكة مع الإمارات خلال هذه الفترة. في المقابل، ترى الإمارات، بعد أن أصبحت القوة الوحيدة في سواحل عدن، أن مصالحها يمكن أن تتحقق بشكل أفضل وبتكلفة أقل، مع بقائها في تحالف مع السعودية، وأن مشاركتها مع السعودية ستضمن لها عدم لجوء الشرعية اليمنية إلى التصعيد ضدها في الجنوب، أو الشكوى للمؤسسات الدولية. وهذا سيتيح لها تحقيق مصالحها من دون معارضة. لكن يبقى السؤال الأهم: هل يستمر الوفاق السعودي الإماراتي في اليمن؟ أم ستتحول هذه الخطوة بعد حين إلى كبوة جديدة؟

أما على المستوى المحلّي، فقد باتت الشرعية في موقف أضعف بكثير من ذي قبل، الأمر الذي سيتيح للسعودية التحكم بها بشكل أكبر. ومع دعوة السعودية المجلسَ الانتقالي والشرعية إلى عقد قمة في مدينة جدة السعودية للتباحث حول القضايا الشائكة، لا يبدو أن الطرفين سيذهبان إلى أبعد من مستوى تقاسم الهامش، أقلّه في الوقت الحالي.

 

 أحمد ناجي

 

أحمد ناجي باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركز أبحاثه على الشؤون اليمنية.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.