بالجلوس والصمت لمدة 15 دقيقة - احتجاج أطباء وموظفين في مستشفى جميل تاشجي أوغلو على مقتل الدكتور أكرم كاراكايا.

الطب والمحاماة في تركيا
لماذا الأطباء والمحامون معرضون للخطر في تركيا؟

عنف تزايد ضد الأطباء والمحامين في تركيا، وبدل اتخاذ الحكومة إجراءات ضده ها هي تعادي علنا نقابتين تمثلان مصالح العاملين في هاتين المهنتين. استيضاح الصحفية عائشة كارابات من إسطنبول لموقع قنطرة.

في 6 يوليو / تموز (2022)، قُتِل محام وطبيب آخر في تركيا، لينضما إلى حصيلة كبيرة من الأشخاص الذين فقدوا حياتهم في هجمات عنيفة أثناء العمل. وقد أدّت كلتا الجريمتين، اللتين حصلتا بشكل منفصل بعضهما عن بعض، إلى ردود فعل من النقابتين المهنيتين للضحايا، وهما نقابتان لطالما كانتا مستهدفتين من قبل الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وحليفه الانتخابي، حزب الحركة القومية (MHP).

والطبيب المقتول هو أكرم كاراكايا، أخصائي أمراض القلب في ولاية قونية التي تقع في وسط الأناضول. كان عمره 49 عاماً ويعمل بانتظام 36 ساعة متواصلة، مثل غالبية زملائه في تركيا. وأطلق عليه النار ابن مريضته.

وكاراكايا هو الطبيب الثاني عشر الذي يُقتلُ أثناء عمله على مدى السنوات العشرين الماضية ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002. وترسم الإحصائيات صورة قاتمة عن وضع موظفي الرعاية الصحية في تركيا. كل يوم في تركيا، هناك ما يقارب من 80 حادثة عنف في نظام الرعاية الصحية، وفقاً لوزارة الصحة، التي أنشأت نظام الرمز الأبيض في عام 2016 للتعرف على حوادث العنف في مكان العمل.

وفي عام 2020، كان هناك 11.942 إنذار بشأن العنف في مكان العمل؛ وارتفع العدد في العام الماضي 2021 إلى 29826 إنذار.

يقول اتحاد الأطباء الأتراك إنّ 84% من أعضائه قد تعرّضوا لعنف جسدي أو لفظي مرة على الأقل خلال حياتهم المهنية. وعبّر الاتحاد، في تغريدة له، عن غضبه لمقتل كاراكايا، وطالب وزير الصحة فخر الدين قوجة بالاستقالة، كما دعا إلى إضراب لمدة يومين في 7-8 تموز/يوليو (2022).

وفاة محام

وفي الوقت ذاته تقريباً، وجهت نقابة مهنية أخرى -وهي نقابة المحامين في إسطنبول- دعوة منفصلة للإضراب في التواريخ ذاتها وحثّت الزملاء على عدم المشاركة في جلسات المحاكم احتجاجاً على مقتل المحامي سيرفِت باكيرتاش، الذي قُتِل على يد مُدانٍ من المدانين السابقين كان يطالب بسحب دعوى تعويض ضده.

 

 

وقد قال رئيس نقابة المحامين التركية إرينتش ساكان -الذي قدّم طلباً في وقت مبكر من هذا العام 2022 إلى البرلمان بالنيابة عن نقابته من أجل تأسيس لجنة تحقيق للنظر في أعمال العنف ضد المحامين- إنه كان هناك 19 حادثة عنف جدية ضد محامين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، أدت إلى وفاة ثلاثة محامين. وادّعى أنّ هذا جاء كنتيجة لتراجع سيادة القانون وظروف عمل المحامين.

والبرلمان، الذي يشغل غالبية مقاعده حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، لم يتخذ أي إجراء، لا بعد تقديم الطلب من قبل ساكان ولا بعد دعوة زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي (كيليتشدار أوغلو) لعقد جلسة استثنائية لسنّ قانون بشأن مكافحة العنف ضدّ الأطباء والمحامين.

وقال كيليتشدار أوغلو في تغريدة له في 7 حزيران/يوليو (2022): "بدلاً من أن (تبدو حزينين)، وإن كنتم مستائين فعلاً، فلنعالج الموضوع حالاً. فلنسنّ قانون باكيرتاش-كاراكايا لمكافحة العنف. على الفور".

الحكومة توجّه انتقادات لاذعة لنقابات الأطباء والمحامين

لا تخفي الحكومة عداءها لكل من اتحاد الأطباء الأتراك ونقابة المحامين، واللتين تُعدّان تقليدياً من بين أقوى منظمات المجتمع المدني في تركيا.

في شباط/فبراير (2022)، قال إردوغان إنّ على النقابتين إسقاط كلمة "تركية" من اسميهما لأنهما ليستا "محليتين ووطنيتين"، وهي عبارة تركية تُستخدم لاتهام شخص أو شيء ما بأنه عميل أجنبي.

في إحدى المرات، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: ففي عام 2020، حين انتقدت نقابة المحامين في أنقرة علي أرباش، رئيس الشؤون الدينية التركية (ديانِت)، لقوله إنّ المثلية الجنسية "تسبب الأمراض"، اتّهم إردوغان نقابة المحامين بإهانة الإسلام.

 

أطباء يحتجون على أنّ لديهم وقتاً قصيراً للغاية من أجل كل مريض - تركيا. Doctors protesting about the short time allocated to them for each patient's visit (photo: Turkish Doctors' Union (TTB)
يخصّص نظام المواعيد المركزي لقطاع الرعاية الصحية في تركيا خمس دقائق فحسب لكل مريض لاستشارة الطبيب. في الصورة: يحتج الأطباء على أنّ لديهم وقتاً قصيراً للغاية من أجل كل مريض. والنص على اللافتة يمكن ترجمته كالتالي: "لا يمكن إجراء تشخيص في 5 دقائق".

 

وفي ذلك الوقت، في أيار/مايو من عام 2020، قال: "هذا المثال لوحده أظهر مدى إلحاح وأهمية اللوائح المنظّمة لأساليب الانتخابات في النقابات المهنية، ولا سيما نقابات المحامين والأطباء".

ومباشرةً بعد ذلك، دخل قانون جديد حيز التنفيذ، يقسم نقابات المحامين، إضافة إلى إنشاء نقابات محامين موالية للحكومة في أنقرة وإسطنبول.

اتّهامات وعدائية واضحة

لم تقتصر اعتداءات الحكومة اللفظية على نقابات المحامين فحسب؛ بل طالت انتقاداتها اللاذعة الأطباء أيضاً. ففي بداية ذلك العام أطلق إردوغان على نقابة الأطباء اسم "الدجالين"، بعد أن انتقدت وزارةَ الصحة لفشلها في مشاركة المعلومات الكافية حول لقاح كورونا المطوَّر محلياً "توركوفاك Turkovac"، ولعدم تقديم النتائج العلمية لدراسات المرحلة الثالثة من اللقاح.

لا يختلف حليف إردوغان دولَت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، حين يتعلّق الأمر بانتقاد هذه النقابات. ففي عدة مناسبات، قال بهتشلي إنه ينبغي إغلاق نقابة الأطباء. وحين دعت نقابة الأطباء إلى إضراب لمدة يومين احتجاجاً على مقتل الطبيب كاراكايا، قال بهتشلي للأطباء "بدلاً من الشعور بالحزن، تتصرف نقابة الأطباء بطريقة سياسية وبعجرفة، وتطلب من الحكومة الاستقالة". وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أطلق البعض، ممن يُعتقد أنهم على صلة بالحكومة، هاشتاغ #CloseDownTTB (أغلقوا نقابة الأطباء).

وحين أضرب الأطباء احتجاجاً على مقتل الطبيب كاراكايا، هاجمهم إمام يدعى علي غور. إذ يُظهِر مقطع فيديو غور وهو يلقي خطبة قال خلالها للمصلين في مسجده: "بالأمس لم تكن أي من المستشفيات تعمل. تخيل لو أنك ذهبت إلى المستشفى، لكن الطبيب أبعدك لأنه في إضراب. ألن تقتله أو تضربه أو تشتمه؟".

ومباشرةً بعد ذلك، انتشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأ تحقيق في الحادثة. لكن ردّ الفرع المحلي لنقابة الأئمة، (Diyanet-Sen)، على التحقيق وقال إنه بدلاً من التدخّل في الشؤون الدينية، ينبغي فعل "أمر ما" بشأن الأطباء "غير الوطنيين".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة