"الطريقة المثلى" لتعامل الغرب مع جريمة مقتل خاشقجي

"الحقيقة المُرَّة" بشأن خاشقجي والسعودية

يرى الخبير السياسي الأمريكي ريتشارد هاس أن على الولايات المتحدة الأمريكية التعامل مع المملكة العربية السعودية في قضية خاشقجي كما تعاملت مع الصين عام 1989 بعد حادث المجزرة التي تعرض لها طلاب صينيون أثناء مظاهرة في بكين، متسائلاً: فهل يمكن أن تُطبَق نفس السياسة مع المملكة العربية السعودية؟

يوجد فيلم وثائقي عنوانه "حقيقة غير مريحة" -وهو من عام 2006- يسلط الضوء على جهود رئيس الوزراء الأمريكي السابق، ألغور، الساعية لتحذير زملائه الأمريكيين من مخاطر الانحباس الحراري.

وما جعل هذه الحقيقة غير مريحة هو أن تجنب تغير المناخ الكارثي سيتطلب أن يغير الناس أنماط حياتهم، وفي بعض الحالات، أن يتخلّوا عن أشياء يحبونها (مثل السيارات المستهلكة للبنزين بشكل مفرط).

وها نحن نعيش معا حقيقة أخرى غير مريحة منذ أن اختفى جمال خاشقجي- الصحفي السعودي الذي كان يكتب لدى صحيفة واشنطن بوست، وكان مقيما في الولايات المتحدة- بعد دخوله لقنصلية بلاده في إسطنبول.

 لا يمكن إنكار جزء كبير من الحقيقة: قُتل خاشقجي من  طرف أشخاص لهم علاقة مقربة من الحكومة السعودية ومن حاكمها الفعلي، الأمير محمد بن سلمان. ولم يكن الإنكار الرسمي للسعودية وأكاذيبها اللذان داما لأسابيع إلا تأكيدا للخاتمة، وهي أيضا الحكم الذي صدر في تقرير الاستخبارات الأمريكية. حقيقة تتجلى في كون الجريمة ارتُكبت وصُدِّق عليها من طرف جهات عُليا.

قد لا يتم إثبات ضلوع الأمير بن سلمان بشكل مباشر في الجريمة بنسبة 100%، لكن العديد من المراقبين الذين لهم دراية بالسعودية، يخفون القليل من الشك. فالنظام السعودي لا يتسامح كثيرا مع الصحافة الحرة.   

مكانة خاصة في العالم الإسلامي

وما يجعل الحقيقة غير ملائمة هي الأهمية الاستراتيجية للمملكة العربية للسعودية. إذ ما زالت المملكة تنتج ما يفوق 10% من النفط العالمي. كما أن قيمة ثروتها السيادية تقدر بـ 500 مليون دولار. فضلا عن أن السعودية هي أكثر الدول العربية السنية تأثيرا، إذ تحتل مكانة خاصة في العالم الإسلامي نظرا لدورها في حماية الأماكن الإسلامية المقدسة. كما أنها مهمة بالنسبة لأي سياسة تواجه إيران. 

وعلاوة على هذا، رغم كل سلبيات الأمير بن سلمان، فهو شخص إصلاحي، نظرا لإدراكه أن على بلاده تشجيع مبادئ الانفتاح والتعددية إذا أرادت الازدهار، وإذا أرادت استمرارية العائلة الملكية. كما أن له شعبية كبيرة داخل بلاده، خاصة لدى الشباب السعوديين، الذين يشكلون الجزء الأكبر من السكان في السعودية.

المشكل هي أن سلبيات الأمير الشاب والمتهور كثيرة. فبالإضافة إلى ضلوعه في مقتل خاشقجي، أصدر الأمير محمد بن سلمان أمرا طائشا بشن هجمات على اليمن، كانت بمثابة حرب  شبيهة بتلك التي شنتها الولايات المتحدة ضد فيتنام- كارثة استراتيجية وإنسانية. 

كما أنه اختطف رئيس الوزراء اللبناني، وفعل كل ما بوسعه لإضعاف قطر، واعتقل جميع الأثرياء السعوديين الذين رفضوا تمسكه بالسلطة، وقام بتجميد العلاقات الديبلوماسية مع كندا بسبب تغريدة ناقدة، وسجن النشطاء السياسيين بما في ذلك النساء اللواتي يبحثن عن المزيد من الحقوق.

إن الاستراتيجية التي تعتمدها السعودية في التعامل مع الغضب بشأن مقتل خاشقجي واضحة: اجنح وحل المشكلة. ويظن الأمير بن سلمان ودائرة المحيطين به أن غضب العالم يتلاشى نظرا لأهمية بلاده. ولديه ما يدعو لاعتقاده أن الدول العربية والسنية ستقف إلى جانبها، نظرا للدعم المادي الذي تقدمه لها.

خديجة جنكيز خطبية الصحفي السعودي جمال خاشقجي التركية وهي تحمل صورته.
خديجة جنكيز خطبية الصحفي السعودي جمال خاشقجي التركية وهي تحمل صورته: على خلفية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي يرى الخبير السياسي الأمريكي ريتشارد هاس أنه من الأنسب أن تعبر الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات الأوروبية عن استعدادهما للعمل مع العربية السعودية إذا تقلصت سلطات محمد بن سلمان. وينبغي أيضا وضع قيود على عمليات بيع الأسلحة الأمريكية وعلى عمليات تقديم الدعم الاستخباراتي للعربية السعودية، التي يحتمل، لحسن الحظ، أن يفرضها الكونغرس الأمريكي. والعقاب الأهم، هو الزيادة من الضغوطات العامة والخاصة على محمد بن سلمان فيما يتعلق بالأمور الضرورية والأمور التي ينبغي تفاديها. وما هو ضروري هو ضغط مشترك لإنهاء الحرب في اليمن، وما ينبغي تفاديه هو استغلال نية إدارة ترمب المعادية لإيران من أجل إشعال فتيلة حرب مسلحة من شأنها أن تجبر الآخرين على التغلب على شكوكهم، والوقوف إلى جانب السعودية.

إبقاء خطوط التواصل مفتوحة

وأبدت إسرائيل أيضا دعمها للأمير بن سلمان، نظرا لاستعداد هذا الأخير لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والأهم من هذا، فالبلدان لديهما قاسم مشترك يكمن في التصدي للتأثير الإيراني في المنطقة. وتقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى جانب صديقها، و حتى الساعة، فهي ترفض الاعتراف بضلوع محمد بن سلمان في مقتل خاشقجي، وتقاوم دعوات بفرض عقوبات على السعودية.

ماذا ينبغي فعله إذاً؟ في مقارنة له مع ما يجري حاليا، أشار الوزير السابق للخارجية الأمريكية جيمس. أ. بيكر إلى السياسة الأمريكية تجاه الصين عام 1989، في حادث المجزرة التي تعرض لها طلاب صينيون أثناء مظاهرة لهم في ساحة تيانانمن في بكين. وعملت إدارة جورج دابليو بوش، (التي كنتُ عضوا فيها) بجد للتدخل في هذه القضية، عن طريق فرضها لعقوبات تعبر بها عن استيائها من الحكومة الصينية، لكن مع تخفيف العقوبات وإبقاء خطوط التواصل مفتوحة، نظرا لأهمية الصين.

فهل يمكن أن تُطبق نفس السياسة مع المملكة العربية السعودية؟

سيكون من الأنسب أن تعبر الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات الأوروبية عن استعدادهما للعمل مع العربية السعودية إذا تقلصت سلطات محمد بن سلمان. وينبغي أيضا وضع قيود على عمليات بيع الأسلحة الأمريكية وعلى عمليات تقديم الدعم الاستخباراتي للعربية السعودية، التي يحتمل، لحسن الحظ، أن يفرضها الكونغرس الأمريكي. 

محمد بن سلمان ولي عهد السعودية
"كي لا يتحول ما هو سيء إلى أسوأ": يرى الخبير السياسي الأمريكي ريتشارد هاس أنه في الشرق الأوسط غالبا ما يتحول السيء إلى أسوأ. لقد خلق محمد بن سلمان وضعا سيئا، وينبغي أن يكون الهدف هو الحيلولة بما فيه الكفاية لمنع تحوله إلى أسوأ.

منع ما هو أسوأ

والعقاب الأهم، هو الزيادة من الضغوطات العامة والخاصة على محمد بن سلمان فيما يتعلق بالأمور الضرورية والأمور التي ينبغي تفاديها. وما هو ضروري هو ضغط مشترك لإنهاء الحرب في اليمن، وما ينبغي تفاديه هو استغلال نية إدارة ترمب المعادية لإيران من أجل إشعال فتيلة حرب مسلحة من شأنها أن تجبر الآخرين على التغلب على شكوكهم، والوقوف إلى جانب السعودية.

إن الحرب مع إيران قد تكون مكلفة وخطيرة. وعلى محمد بن سلمان أن يدرك أن الولايات المتحدة لن تكون شريكا استراتيجيا للسعودية إلا إذا ضبط سياسته تجاه اليمن وغيرها، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

وينبغي عقد تشاورات مع الصين وروسيا أيضا. وبخلاف الولايات المتحدة الأمريكية، تربط البلدين علاقات عمل مع السعودية وإيران، مما يخول لهما التدخل لمنع حدوث حرب كهذه وإنهاءها بسرعة في حال اندلعت.

وفي الشرق الأوسط، غالبا ما يتحول السيء إلى أسوأ. لقد خلق محمد بن سلمان وضعا سيئا، وينبغي أن يكون الهدف هو الحيلولة بما فيه الكفاية لمنع تحوله إلى أسوأ.

 

 

ريتشارد هاس
ترجمة: نعيمة أبروش
 
 

ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الأمريكية الخارجية، شغل سابقا منصب مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية (2001-2003)، وكان المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي جورج بوش في إيرلندا الشمالية ومنسق من أجل مستقبل أفغانستان.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.